الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
دفاعا عن مركزية الذات: الانتصار للأنا يحرر العالم من أخلاق القطيع
دفاعا عن مركزية الذات: الانتصار للأنا يحرر العالم من أخلاق القطيع


04-05-2015 01:53 AM
العرب أحمد برقاوي

قال هيغل يوما: “ليس التاريخ إلا مسار وعي الحرية لذاتها”. قول كهذا يكشف عن ماهية السيرورة التاريخية للبشر.ونضيف وليس مسار التاريخ إلا مسار ولادة الذات الحرة.

ولقد جاء حين من الدهر عاشت فيه البشرية في ظل مركزية الإله وما شابهه من المتكئين على قداسته ومركزية الذات السلطانية، ومازالت شعوب عديدة تعيش في هذا الحين من الدهر.

غير أن الأوروبي أعلن في عصر النهضة ولادة الإنسان، الذات، مركزا واستمرت عملية تحول الذات إلى مركز عبر ثورات عديدة، ثورة فكرية، ثورة علمية، ثورة اجتماعية طبقية وثورة إنسانية. وحين أصبح الأوروبي متخما بالذات راح يلعن موت الذات.

لستُ ممن يسيرون وراء طغاة الفلسفة وتلامذتهم النجباء أو العاديين. “لست ذاتا متُرْجمة”. فليعلن الغربي ما شاء من موات. من موت الإنسان إلى موت الفلسفة إلى موت الذات إلى موت الأيديولوجيا، وليكن مفهوم النهاية مفهومه الأثير.

أما أنا فإني أعلن بولادة الربيع العربي ولادة الذات، رغم كل آلام مخاض التاريخ، رغم كل تعسّف قوى العنف للحيلولة دون حضور الذات، أو استعادة حضورها أو ولادتها..

أي مفارقة من مفارقات الذات تلك التي تظهر في ذات تعلن عن نفسها إنها ما بعد -حداثوية لتعلن موت الذات! وماذا يعني أن تسارع ذات تنتمي إلى ثقافة ما قبل حداثوية لتردد وتكرر ما يقوله الغربي المتخم بالحداثة!

ليس من العجب أن ينتج التاريخ الغربي الراكد ذاتا كسلانة إلى الحد الذي لم يعد باستطاعتها أن تفكر بقول من ينتمي إلى تاريخ جموح. وليس من أمر أدنى إلى السخرية أن يلبس الشرقي-العربي معطفاً شتوياً أوربياً في صيفه القائظ.

أن يكون هناك تناقض بين الذات والبنية فهذا ليس بالأمر الجديد، ولكن من قال إن الذات ليست وليدة البنية أيضاً.

لماذا ظهر الشاعر والمسرحي والنحات والفيلسوف في اليونان القديمة؟ من باستطاعته أن يعزل بنية المجتمع اليوناني التي فصلت فصلاً حاداً بين طبقة الأحرار وطبقة العبيد عن ظهور الفيلسوف الحر.

أن يكون المجتمع بنية أو مجموعة بنى فهذا يجب أن لا ينسينا أن هذه البنية بنية بشرية وليست طبيعية. بنية بشر فاعلين لامبالين، مثقفين، أثرياء، فقراء، متسوّلين، حكاما، محكومين، مبدعين، نبلاء، أسافل، راضين، متمردين، موالين، معارضين.


ما هو الاستبداد

لو سأل سائل: ما الاستبداد؟ وجاءه الجواب الاستبداد بنية، لكان الجواب صحيحاً. وما عناصر هذه البنية؟ قاهر ومقهور وشرط تاريخي.

القاهر ذات مُسْتَبدّة، المقهور ذات مُسْتبَدّ بها، هذه العلاقة تجري في شرط تاريخي محدد. كيف تحطمت هذه العلاقة؟ ذات تمرّدت في شرط تاريخي، فلا البنية إعلان موت الإنسان ولا الإنسان إعلان موت البنية.

وإذا كان المقصود بموت الإنسان أنه ذات لم تعد قادرة على الفعل خارج البنية، فمن ذا الذي قال إن الإنسان يخلق الوجود من العدم! من يستطيع أن يتصور ذاتاً خارج شرطها التاريخي، ولديها فانوس سحري أو خاتم سليمان.

الوجود –كابوساً– يوقظ الذات دائماً من عزّ نومها من وَسَنِهَا وإن كانت اليقظة موشّاة بالخوف والاختناق.

الذات التي لا تعيش الوجود كابوساً دائماً ليست حاضرة في الوجود إلا على نحو شبح، ظل. إنها غارقة في نوم مسلوبة من لحظة فرح اليقظة، وجود ذات لا تعيش الوجود كابوسا ذات بلا حلم.

في الحلم تعي الذات وجودها وجوداً لم يكتمل. كل ذات تعيش وهم اكتمالها ذات رملية لكن الوهم ليس سلبياً دائماً.

فالذات هي دائماً على نحوٍ ما. الذات على نحو ما تأكيد الاختلاف الذي لا يرفع ولن يرفع أبداً. إن ذاتاً مستبدة وفّرت كل شروط فعل الاستبداد من القوة الغاشمة.

إلى القوة الناعمة، مستقوية بذات رملية تلاحق الذات المتأففة التي تعيش الوجود كابوساً، تلاحق هذه الذات أينما حلت ورحلت لتحول دون حضورها وتأثيرها هي العدو الرئيس. لولادة الذات المركز.

والصراع هذا يؤكد أن الذات المتأففة تنتظر التاريخ وينتظرها التاريخ. الدم الذي يسيل هو دم الذات، والسجن يحجز الذات، والخوف خوف الذات وعندما يسيل دم البنية تكون الذات هي التي انتصرت وصارت مركزا.. الذات بكل ما تحمل من يوتوبيا وأيديولوجيا وفلسفة ومستقبل.

وحين تُحمل الذات على الأكتاف شهيدة أو منتصرة محاطة بالحناجر فإنها تعلن الولادة، ولادة الذات مركزا، لجعل الذات التي تغيب عن الواقع وعن الوعي حاضرة بوصفها ذاتاً فاعلة واعية لذاتها. رفض كل محاولات حمل الذات على أن تكون على نحو ما يراد لها. فسعادة التاريخ والمجتمع بحضور الذات الفاعلة المبدعة الواعية لذاتها، الشاعرة بحضورها لا توازنها سعادة أبداً.

القاهر ذات مُسْتَبدّة، المقهور ذات مُسْتبَدّ بها


بل إن كل ذات تعي وجودها وجوداً معيناً، فاعلاً، لا تشعر بقيمتها إلا في حقل الذوات الفاعلة والشاعرة بأن وجودها ذو معنى. الأحمق، من كان يملك فضلات قوة من مركزٍ مستبد، وصل حد الغرور الزائف.

أحس وأنا أتأمل الذوات الخانعة، الكابتة لوجودها الحق والمظهرة وجودها الزائف إن الوجود في ورطة تاريخية كبرى، فحين تكون الذات في ورطة وجودية يصير الوجود في ورطة.

تحوّل الذات إلى مركز تحرر الذات من الابتذال، الابتذال حب كاذب كره كاذب، عجز واقعي – حقيقي مع عالم من الوهم غير الخلاّق. حين تعود الذات المهاجرة إلى ذاتها منتقمة من عبوديتها ومن شرط عبوديتها، ومن سيدها محملة بأحقاد العبيد تقع فريسة الانتقام، وتعيد سيرة العبودية على نحو يجعل من أولئك الأسياد ومن أُعطوا فضلات القوة عبيداً، وكأن الذات العائدة من هجرتها لا ترى العالم إلا ذواتاً مهاجرة.

الذات ليست هناك، ليست هنا، ليست منزوية في مكان ما، إنها الوجود، وما عداها ليس بوجود، ما عداها أشياء موجودة، ملقاة كيفما اتفق. هذا الوجود الكلي هو الوجود الوحيد الذي يعي ذاته، ويسمح لتبادل الوعي. وعيها هو ذاتها، هو عين ذاتها، وعيها المنداح على كل صور الحياة هو هي.

لا شيء فوق الذات، كل ما تصورته الذات من فوق هو منها، الذات هي التي تفيض، فيضها هو وجودها “على نحو”.

وحدة الوجود

لم تكن ولادة الذات في التاريخ أمراً سهلاً، بل الولادة مخاض مليء بالدماء والعذاب والاندحار والانتصار، الذات أصل وفصل معاً، مركز العالم والعالم معاً. مسؤولة عن مصيرها ومصير الوجود -بوصفها ذاتا لاشيء يتحكم بمصيرها إلا ما صدر عنها وصار غريباً عنها. ولهذا فتحرير الذات من اغترابها بما فاض عنها تحرير ما فاض عنها من اغترابه.

فاستعادة الذات استعادة وحدة الوجود الإنسانية. لا وحدة الوجود الإسبينوزية، ولا وحدة الوجود الصوفية، ولا وحدة الوجود المادية، ولا وحدة الوجود الروحية، وحدة الذات هي وحدة الوجود الحقيقية.


علينا أن لا ننهمك بهمّ زائف، كالعودة إلى السلف أو استعادته لنسأله أجوبة عن مشكلات وجودنا. ولا نكترث بإيجاد التشابه، ولا إزالة الاختلاف.

عندما نتحدث عن وحدة الوجود الإنساني لا نشير أبداً إلى تشابه الوجود الإنساني، بل إلى وحدة الذات التي لا تفيض إلا عن الاختلاف. ولا وجود لها إلا في حقل الاختلاف مهما كان هذا الاختلاف تناقضاً، تضاداً، تمايزاً. من أجل ذاتها. من أجل حريتها ووجودها المأمول. وجوداً حراً منفتحاً قادراً، من ذا الذي باستطاعته أن يتصور الذات بلا مشيئة؟ بل قل ما الذات بلا مشيئة، ومن هذه الذات التي تعيش بلا مشيئة؟! لقد آن الأوان لإعلان موت ما سوى الذات.

ثقافة الذات

إني وأنا أتأمل حال الذات في عالم العرب المعاصر، وأتعرف على وجودها الهش، وهامشيّتها المحزنة، وخنوعها أمام الذات الواحدة الوحيدة، بل وأمام الذوات السّيارة حول الذات الواحدة الوحيدة، إني وأنا أتأمل التأفف المكبوت وغير القادر على الظهور العلني إلا داخل الغرف المغلقة وفي وسط الصداقة المحدود، ووراء الجدران الكتيمة التي لا تسمح للصوت بالنفاذ، إنّي وأنا أتأمل الذات الغارقة في عالم اللغو حتى أذنيها، والفاقدة الإحساس بالآخر، ولم تعش بعد سعادة الاعتراف بها أو الاعتراف منها بالآخر، إنّي وأنا أتأمل الخوف الذي يسيل من اللغة، الخوف من الحب، الخوف على المصير، إنّي وأنا أتأمل الذات المهزومة أمام عنجهية ذاتٍ قادمة من وراء البحار، إنّي وأنا أتأمل كل هذا وجدتني أمتطي أعلى قمة من قمم الكتابة – الفلسفة لأصرخ بكل ما أوتيت من قوة الصدق المكتوب: الذات، الذات وليس سوى الذات. ولأعلن ولادة الذات التي ما عاد يرهبها صراخ “اللا”. وأدعو لأن تكون كل ذات هي مركز الوجود والوجود معاً. ألم نقل في شذرات الأنا: “العالم غابة وأجمل الغابات غابة الذئاب فقط، وعندها وعندها فقط تتحقق الحرية”.

وعندما يغدو وجود الذات مركزاً وغاية مراكز يتحقق الإنصاف وليس العدل. أما الذات المتذللة من أجل الذات التي أراقت ماء وجهها تذللاً. وتزلفاً فإنها تحفر قبرها بيدها لأن الذوات العظيمة لا ترغب أن تتسخ يداها من معاول حفر قبور الأنذال.
العودة إلى الذات تمرد على ثقافة “النحن”، ثقافة إذلال الذات، واحتقارها من قبل ذات لم تتجاوز بعد عالمها البيولوجي، من قبل أثوار هائجة، لم تستطع أن ترتقي للتحرر من الغرائز البدائية، لم تعمل على تثقيف الغريزة لزيادة المتعة العظيمة الأكثر دواماً وشدةً. الاعتداء على الطبيعة اعتداء على رحم الذات الدائم.

نعود إلى الذات كي تتعرف كل ذات على ذاتها وتقدر ذاتها بوصفها وجوداً مطلقاً، وتشعر بذاتها على أنها مركز الكون، كي تتعرف الذوات على بعضها بعضاً، وتعلن الاعتراف المتبادل عبر الصداقة، والتحالف، والحب، والغاية، والمصير المشترك، كي تدرك الذات من أجل ماذا يكون العيش، وعن أيّ قيمة تدافع، ومن أجل أيّ مصير مشترك تناضل، وأيّ مكان ترتقي، وعلى أيّ إمكانيات تنطوي، وأيّ طريق تسلك. العودة إلى الذات – كما العودة إلى الأنا – عودة إلى وحدة الذات والحرية. ومن أجل وحدة الذات والحرية فإن مهمة الفلسفة أن تدمّر كل ما أشيد من قبل الفلاسفة وغيرهم من أبنية فوق الذات. فليس من شيمة الفلسفة بناء المعابد بل تحطيمها، ليس من أخلاق الفلسفة أن تبني الهياكل بل تدميرها.

تخطيط: ساي سرحان


الخروج من الكهف

العودة إلى الذات، عودة إلى السهول الواسعة للحياة، المليئة بكل ألوان الحياة. يسأل سقراط غلوغون في جمهورية أفلاطون قائلاً: تصور طائفة من الناس تعيش في كهف سفلي مستطيل ويدخله النور من باب، وقد سجن فيه ( أيّ في الكهف) أولئك الأقوام منذ نعومة أظفارهم والسلاسل في أعناقهم وأرجلهم فاضطرتهم للجمود والنظر إلى الأمام فقط ذلك أن الأغلال تحول دون التفاتتهم، ثم تصوّر أن وراءهم ناراً ملتهبة، في موضع أعلى من وقوفهم وأن بينهم وبينها تلّة عليها جدار منخفض كسياج المشعوذين الذين ينصبونه تجاه مشاهديهم وعليه يجرون ألعابهم. وتصور أناساً يمشون وراء ذلك الجدار حاملين تماثيل بشرية وحيوانية مصنوعة من حجارة وأخشاب ضخمة مع كل أنواع الأواني مرفوعة فوق الجدار. أوليست معرفتهم بما يمر أمامهم من الأشياء محدودة على القياس نفسه. فتأمّل ما يحدث لهم إذا أمضى مجرى الأمور الطبيعي إلى تحريرهم من القيود وشفائهم من جنونهم.

ترى هل حدد أفلاطون لنا مهمة الفلسفة مرة وإلى الأبد بأنّها تحرير الناس من قيودهم وشفائهم من أوهامهم؟ والحق أن دلالة الكهف من كهف أفلاطون إلى كهف بيكون واحدة. سجن يحول دون الرؤية، دون التمييز بين الخيالات والنظر. بل قل الكهف سجنٌ يعني هو النقيض للحرية. الكهف قيود تمنعنا من أن نكون أحراراً، لأن القيود والسلاسل تمنعنا حتى من الاستدارة.

يقول لنا الغربي على شاكلة هيدغر إن الشرقي على حافة الفلسفة. لأن كينونته لا تسمح بظهور الفيلسوف. وكأنه يقول لنا إن الشرقي هو ابن الكهف الدائم. فهل الكهف هو قدرنا فعلاً؟ إن تعالي الغربي لا يسمح له بأن يرى الشرقي حراً. إنه يرسم مسار حريته من اليونان أصل الفلسفة أو مناخها إلى يومنا هذا. لسنا خارج الكهف بعد، والسلاسل التي قطعها الغربي، والأصفاد التي حطمها، والقيود التي كسرها مازالت تشكل جزءاً أساسياً من وجودنا.

ولهذا آن لنا أن ننتقل من حافة الفلسفة إلى الدخول في أتونها، متكئين على وعيٍ أول بالفلسفة. لا ليست مهمة الفلسفة إضاءة الكهف وإبقاء الناس فيه، بل إخراج الناس من الكهف إلى الكينونة الحرة. غير أن مهمة كهذه تتطلب أولاً وقبل كل وعي وعياً بالكهوف نفسها وحال الساكنين فيها. وأسأل هل حقل التفلسف ممكن الآن؟

الفلسفة والتفلسف

إنني إذ أميز بين حقل التفلسف والفلسفة، فلأن الفلسفة لا جدوى منها دون حقل التفلسف حتى ولو ظهرت تاريخياً. إن حقل التفلسف هو حقل مجتمع الأحرار، وكلما اتسع مجتمع الأحرار اتسع حقل التفلسف، دون أن يعني ذلك عدم ظهور فيلسوف في حقل عبودي بالمعنى الفلسفي للكلمة.

إن حقل التفلسف في وطننا العربي هو حقل الوعي بالعبودية، والوعي بالعبودية نمط من وعي الحرية، فمن لا يتوافر على وعي ما بالحرية لا يعي عبوديته. والوعي بالعبودية الوعي بغياب الحرية، لكن الوعي بالعبودية ليس وعياً عاماً، كما أن هناك وعياً زائفاً بالعبودية عند جمهور يسعى للانتقال من نمط عبودي إلى آخر.

حقل التفلسف متوافر مع توافر حقل الصدّ له، إنه حقل الوعي بالحرية دون حضور الحرية لا بالمعنى اليوناني ولا بالمعنى الأوروبي الحديث والمعاصر

وبالتالي إن حقل التفلسف متوافر مع توافر حقل الصدّ له، إنه حقل الوعي بالحرية دون حضور الحرية لا بالمعنى اليوناني ولا بالمعنى الأوروبي الحديث والمعاصر تجعل نخبة الفئات الشاعرة بالحرية في ظل النمط الآسيوي -الشرقي للسلطة تجهد لأن تجعل من وعيها هذا حقلاً لتفلسفها. وبعض المشتغلين بالفلسفة –عندنا- تحايلوا على الفلسفة عبر اللجوء إلى الوعي الفلسفي- اللاهوتي الإسلامي في عملية استظهار وقراءة شكلية.

ولهذا هناك معركة حقيقية تقوم بين الفلسفة وحقل التفلسف، وهذا ما يحول دون انتصار حرية التفلسف انتصاراً كاملاً أو شبه كاملٍ، فلا تنتصر حرية التفلسف إلا بانتصار حقل التفلسف.والفلسفة إذ تواجه الاستبداد السياسي الشرقي والاستبداد اللاهوتي تضفي على نفسها التقية التي لا تطيقها الفلسفة أصلاً.

يفترض أن الفيلسوف العربي أكثر الناس الشاعرين بحريتهم وإلا لما اختار أن يفتح أكثر الكهوف عتمة، كهف الاستبداد الذي هو الكهف الأول الذي تميزه الفلسفة لكنه يحب أن لا يدخله بأسلحة تقليدية صنع الاستبداد أسلحة مضادة ناجعة لها. ليس من شيمة الفيلسوف بعامةٍ-والعربي خاصة- أن يتنازل عن جعل الإنسان المتعين أساسياً للتفلسف بوصفه مركز العالم، مركز الحياة بكل أشكالها. فالتفضيل الإلهي للإنسان وعي لاهوتي لا يحقق مركزية الكائن الإنساني بل يؤكد مركزية الإله نفسه.

والفلسفة إذ تنتصر للأنا تحرراً من الوعي القطيعي فإنها تؤسس لانتصار الذات. وانتصار الذات لا يعني سوى أنها لن تتحول بعد اليوم إلى موضوع، وإن جرى تحويلها فإنها تهبّ للدفاع عن كينونتها ذاتاً غاية. ففي عالم توحدت فيه مركزية الإله مع مركزية الحاكم، وتوحدت صفاتهما مع الفرق في الممارسة، فإن الانتصار للذات المستلبة موضوعاً هاجس أصيل لفلسفة تسعى لإخراج الناس من كهف هم فيه مواضيع ليس إلا.

أشباه المفاهيم

لما كان الفيلسوف ذاتاً ولما كانت الذات لا تكون ذاتاً إلا في علاقة بذاتها بموضوعها، ولما كان الموضوع حقل امتلاك الفيلسوف، فالفيلسوف هو إذن حرٌ بالضرورة، ذلك أن امتلاك الذات الموضوع يفترض ذاتاً حرة تجعل من كل موضوع امتلاكٍ فلسفي موضوعاً ممكناً. ممكن المعرفة ممكن التغيير. وكل واقع ممكن المعرفة، ممكن التغيير، يتطلب لكي يصير موضوعاً للذات، ذاتاً حرة لأن الممكنات حقل حرية الذات، أو الحقل الذي تتعين به الذات. ولهذا فالفلسفة وهي تكشف عن الممكن أمام البشر أنفسهم فإنها تطلب منهم أن يكونوا أحراراً كي يصبح الممكن موضوعاً لإرادتهم.

تحرير المفاهيم لا يعني سوى استعادة المفهوم من لصوص العتمة


وهذا هو أس الترابط بين الحرية والوجود الذي مازالت الفلسفة تجهد للتعبير عنه. وإذا كان عالم الفلسفة كما أرادها أفلاطون هو المثال، ولمّا كان المثال هو المفهوم -وليس لدولوز فضل في ذلك- ولمّا كان المفهوم بعد قدّه مفتاح معرفة فإن الفلسفة لا تكتفي بقدّ المفهوم. وآية ذلك أن الفلسفة وهي تقدّ المفهوم فإن عليها أن تفضح ما يشبه المفهوم من جهة وتخليص ما علق ببعض المفاهيم من صفات واستعادته أداة معرفية. فالناس يعيشون في كهف يعج بأشباه المفاهيم والمفاهيم التي تراكم عليها صدأ الوعي العامي.

وما أشباه المفاهيم إلا كلمات-أسماء هي ثمرة فاعلية عقلٍ في طفولته الأولى، حوّل دهشته إلى كائنات، سماها، ثم استمرت باستمرار بنية الوعي الطفولي وتحولت إلى سبيل شبه معرفة. هذه الأشباه المشُكلة للوعي، لوعي رهط كبير من الناس لا يمكن لغير الفلسفة أن تبددها من بنية الوعي عبر تبديد بنية الوعي ذاتها. أي الكهف المبني من أشباه المفاهيم. أما المفاهيم الصدئة، فهي مفاهيم بالأصل لكن الوعي قد طلاها بما ليس من ألوانها.

إن تحرير المفاهيم لا يعني سوى استعادة المفهوم من لصوص العتمة. من أولئك الذين حشوها أحكاماً مضمرة هي بمثابة صفات ليست منها أبداً. الكشف عن أشباه المفاهيم استعادة الدهشة الفلسفية والتحرر من الدهشة الأولى للعوام والمستمرة نتائجها في أشباه المفاهيم.

لحظة الدهشة

لقد أماتت أشباه المفاهيم الدهشة حالةً مستمرة، فألقت الناس في كهف بلا أسئلة بلا هاجس البحث والمغامرة، إنها أكبر الكوارث المجتمعية أن يكون مجتمع بلا أسئلة جذرية. وإذ أقول أسئلة جذرية فلكي أميز بين أسئلة صادرة عن عقل طليق متعلقة بالوجود والإنسان والحرية والمصير والعقل الطليق نفسه مرجع الجواب على أيّ نحوٍ جاء الجواب، وأسئلة العقل البليد التي تنطوي على جوابها ولا تتطلب إعمال نظر لأنها أسئلة المؤقت والجزئي.

ولعمري إن استعادة لحظة الدهشة، لحظة الأسئلة الجذرية، لحظة مغامرات العقل الطليق، العقل ذي القلب النضر المليء بالحب هي شرط الفلسفة الأول استعادة لمكانة الكائن التواق على أناه وقد صارت ذاتاً متجهة نحو الفعل. أجل الفلسفة عقل طليق ذو قلب نضر وحميم ومحب.

ويسأل سقراط غلوغون: فتصور ماذا يحدث إذا هبط ذلك الإنسان ثانية إلى الكهف أفلا يُغشي الظلام عينيه لانتقاله فجأة من نور الشمس الساطع إلى ظلمات ذلك المكان.


يسأل سقراط، أيضاً، وإذا اضطر إلى إبداء رأيه في تلك الظلال ومجادلة الراسفين في القيود كل الدهر بخصوصها أي بخصوص الظلال، حال كون عيناه حسيرتين، وإذا ظلّ على تلك الحال زمناً طويلاً أفلا يكون موضوع هزءٍ ويقولون إنه صعد سليم النظر وعاد عليله، أفلا يكون من الصواب براح ذلك الكهف، وإذا حاول أحد فك أغلالهم وأصفادهم إلى النور، أفلا يستاؤون منه إلى حد أنهم يغتالونه إن كان بيدهم طاقة الإيقاع به.

يجيب غلوغون بلى إنهم يغتالونه. لكن سقراط لم يسأل غلوغون وماذا يفعل ذلك الإنسان الذي رأى نور الشمس، في هذه الحال أيصمت خوفاً من اغتياله؟ ويحق لي أن أجيب على سؤال لم يخطر على بال سقراط ولم يذكّره به غلوغون، لا. لأن الفرح بولادة الذات خارجة من الكهف لا يوازيه أي فرح؟

حين كنت أطلّ من نافذتي على صوت القنابل المسيّلة للدموع التي ترمى على الشباب في شارع التحرير لم أكن أرى العقل يمتطي حصاناً كما حصل مع هيغل، بل كنت أرى مخاض ولادة الذات، كنت أرى خروجها من الكهف.

الذات هذه التي نسعى وراءها هي الذات التي نعيد لها صوتها بعد أن أصمتوها. نزيل خفر الظهور عن وجهها بعد أن حجّبوها، نعيد لها قلبها بعد أن حجّروها، نكشف عن جمالها بعد أن قبّحوها، ننشر تنوعها بعد أن قتلوها، نعيد لعقلها حق التفكير بعد أن شلّوها. نعيد جناحيها إليها بعد أن سمّروها، ثم نضع بيدها المرفوعة الشعلة بعد أن رمّدوها.

ولعمري إن الارتباط القوي بين الحرية والذات هو الذي يجعل هذه المرحلة من عمر الربيع الثوري العربي صراعا بين عقلين، عقل الذات التي تسعى لأن تكون عبر حريتها مركزا، وعقل من يريد أن يمنع الذات من الحضور، عقل الاستبداد بكل أشكاله الدينية والدنيوية. وتحوّل الذات إلى مركز يعني انتصار كل ذات، وانتصار الأنا التي في انتقالها إلى الفاعلية تنتقل إلى الذات.

مفكر من فلسطين مقيم في الإمارات

المقالة تُنشر بالاتفاق مع مجلة "الجديد" الشهرية الثقافية العربية الصادرة من لندن


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1222


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة