الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
هدى شعراوي الضرورة وصوت المرأة الثورة لا العورة
هدى شعراوي الضرورة وصوت المرأة الثورة لا العورة
هدى شعراوي الضرورة وصوت المرأة الثورة لا العورة


04-05-2015 02:10 AM
العرب

تعيش مصر تحولاتها اليوم، وفيها ما يعوّل عليه من ثوابت المجتمع، وحركته الإنسانية، ما يجعلها قادرة على تجاوز الصدام الذي فرض عليها من بين ذهنيات تنتمي إلى الماضي وأخرى تنتمي إلى المستقبل وتدرك الحاضر، وقد كان للمرأة في هذا الصراع حضور كبير ومختلف، حين أصبحت إشارة إلى زاوية النظر إلى الحياة ما بين متطرفين يريدون زجّها في الظلام، وآخرين متنورين يطمحون إلى تقليدها سدّة قيادة الحراك المدني نحو الغد وهي التي كانت قد أسست في تاريخ مصر الحديث ما يخوّلها من تقديم الكثير، فإذا ما تجولت اليوم في شوارع القاهرة وقمت باستقصاء ميدانيّ عن مدى معرفة المصريين بهذه الشخصية المؤثرة في تاريخ مصر فلا تندهش من إجاباتهم. فالبعض جُل ما يعرفه عن تلك السيدة أنها المرأة التي “تجرأت” على خلع النقاب، وغالبًا ما ستبدو علامات الامتعاض والاستياء على وجوه البعض منهم منكرين عليها فعلتها الشنعاء، ولا تتعجب أيضًا إن كان كثيرٌ من أصحاب هذا الشعور من النساء أيضًا. البعض الآخر يحمل لها شعورًا إيجابيًا قد يبدو على وجوههم الفخر أحيانًا، إلا أن الإجابة ستأتيك مشوبة بكثيرٍ من الجهل بتلك الشخصية ومكانتها ودورها، وغالبًا ما ستجد الإجابة مختزلة في جملة واحدة هي “أنها إحدى رائدات الحركة النسائية المصرية”، فلا تدري بماذا يفتخر هؤلاء الذين يريدون أن يظهروا بهيئة المثقف المنفتح، فيتخذون من شخصيات كقاسم بك أمين وهدى شعراوي وغيرهم من الذين ارتبطوا تاريخيًا بالدفاع عن حقوق المرأة تُكَأَةً للتباهي بانفتاح عقلي زائف وإيمان بحرية المرأة التي يتشدقون بها فقط، وغالبًا لا يربطون الكلام بالفعل فستجد لأغلبهم ميراثا من القهر يمارسونه على نساء عائلاتهم. أما الغالبية العظمى من المصريين إذا ما استوقفته في الطريق لتسأله عن هدى شعراوي فحتمًا سيرشدك إلى شارع في منطقة وسط البلد يحمل هذا الاسم.

شعراوي وعالم الذكور

هل كانت هدى شعراوي مجرد “مارقة” تحدت سطوة مجتمعها الذكوري “المتدين بطبعه” فتجرأت على أن تخلع حجابها، أو المدافعة عن حقوق هذا الكائن الضعيف المسمى بـ”المرأة”؟، في ظل الزخم الثوري والثورات العربية التي كانت وستظل النساء في مقدمتها يذدن عن الحرية بدمائهن، كانت المرأة المصرية دومًا هي مَنْ تتصدى لدفع فاتورة التغيير وفي ظل ما نعيشه من ردة ثقافية واجتماعية، تقودها تارة حركات الظلام الفكري من المتأسلمين الذين يهمشون دور المرأة ويقلصونه إلى حد شهواتهم ومتاعهم، وتقودها تارة أخرى قوى الاستبداد والرجعية من السلطويين الذين يخشون تأثير المرأة إذا ما خرجت عن صبرها وقدرتها الهائلة على التغيير إذا ما تمردت وثارت فيسعى الاستبداد بكل جهده لإخماد بذرو الثورة بداخلها وفتّ عضد إرادتها، هدى شعراوي التي يحتفل بها المصريون كان لها دور جعل منها أيقونة النضال السياسي والاجتماعي، يتطلب اليوم إزالة اللبس المتجذر في الثقافة المصرية حولها والرؤية المشوشة والغموض الذي يكتنف معرفتنا بها.


ميراث القمع

نور الهدى محمد سلطان المولودة في المنيا، إحدى محافظات صعيد مصر عام 1879، هي ابنة محمد سلطان باشا الذي تدرج في مناصبه إلى أن أصبح حاكمًا عامًا على الوجه القبلي ثم رئيسًا لأول مجلس نيابي مصري في عهد الخديوي توفيق ثم أصبح قائم مقام الخديوي، إلا أن القدر لم يمهل الفتاة الصغيرة أن تعيش طويلًا في كنف هذا الأب الذي مات كمدًا أثناء رحلته الاستشفائية في سويسرا ومنها إلى النمسا بعد أن تسببت الحركة العرابية في جلب الاحتلال الإنكليزي إلى مصر، وكان عمرها وقتذاك خمس سنوات. بدأت إرهاصات التفرقة في المعاملة بينها وبين أخيها عمر مبكرًا ولاحظت هذا الاهتمام المبالغ فيه بكل شؤونه، أما هي فلم تحظَ بمثل تلك العناية التي أورثتها غيرةً تسببت لها في غصّة ومرارة منذ طفولتها، ولما كانت تسأل عن سبب تلك التفرقة تجيبها زوجة أبيها العطوف إنه “صبي، هو الذي سيحمل اسم أبيه ويفتح بيته، أما أنت ففتاة مصيرك إلى بيت زوجك تحملين اسمه وتفتحين بيته”. فلما كانت طفلة صغيرة كانت تقضي معظم أوقاتها في حديقة المنزل بينما كان أخوها يجلس في البيت، فلما قال لها “أما تستحين أنا الصبي أجلس في الداخل معظم الوقت وأنت دائمًا في الحديقة؟”، قالت “غدًا ستنعكس الآية وأنا التي سأبقى في البيت وتكون أنت خارجه”.

وفي ظل تلك العادات والتقاليد الصارمة كانت أمثال تلك العائلات الكبيرة والمحافظة تكتفي بأن تقدم لفتياتها فتاتاً من العلم في المنزل، لأنها من عائلة كبيرة فهي سعيدة الحظ لأنه كان يُسمَح لها بالتعليم الأساسي بينما المصريات من طبقات أخرى كن يرصفن في الجهل والتعليم كان حرامًا عليهن، لما أرادت نور الهدى أن يشرح لها أستاذها في اللغة العربية قواعد النحو كي تتمكن من قراءة القرآن قراءة سليمة، وتحمس الأستاذ لطلب التلميذة، واصطحب معه كتاب النحو فنهره “سعيد آغا”، ذلك الرجل الذي عُني بتربية الصغار، وكانت وظيفة “الآغا” زمن حكم أسرة محمد علي لمصر أنْ يُعَهد إليه بترقب الصغار خاصة الفتيات، والحرص على ألا يمسهن أحد بسوء. وهل كان في ذلك الزمن ما هو أسوأ من أن تنير عقل فتاة بالعلم؟ قال سعيد آغا للأستاذ “خذ كتابك لأنها لن تكون محامية يومًا من الأيام”. أقبلت مذاك على قراءة الكتب خلسة، فصارت تكره أنوثتها التي حرمتها متعة التعليم وممارسة الحياة الرياضية والحرية التي تعشقها.


عروس الشفقة

عندما بلغت الثالثة عشرة من عمر “طفولتها” تقدم لخطبتها “علي باشا الشعراوي” ابن عمتها والوصي عليهم وعلى أوقاف أبيها، وكان يكبرها بأربعين عامًا ومتزوج ولديه أطفال في مثل عمرها تقريبًا، ولم تكن تراه إلا في صورة الأخ الأكبر الذي يرعاهم ويرعى شؤونهم ويتكفلهم وميراثهم بالرعاية، إلا أنها أكرهت على قبول الزواج منه ولم تنفعها دموعها ولا توسلاتها عندما علمت بخبر زواجها منه فقط قبل عقد قرانها بلحظات،. في حفل زفافها الذي حضرته نساء مصريات من الأعيان ونساء أجنبيات، كان الأخيرات يقدمن لها الزهور وينظرون لها بعين الإشفاق رفقًا بطفولتها المذبوحة وأنها تزوجت في هذه السن المبكرة من رجل في عمر أبيها. وكان على تلك الطفلة الصغيرة أن تمثل دور سيدة المنزل وشعرت في بداية زواجها أن زوجها بدأ في تقييد حريتها تقييدًا ظالمًا ويمنعها أن تخرج من المنزل أو تزور صديقاتها، وبدأ يحول بينها وبين هوايتها في عزف البيانو.

نساء مصر

الفتاة التي كانت تميل إلى قراءة الشعر جعلها ذلك تقترب من السيدة خديجة المغربية التي كانت تقيم في منزلهم أيامًا أثناء زياراتها. أثارت هذه المرأة في نفسها إعجابًا شديدًا؛ ذلك لأنها كانت تحضر مجالس الرجال وتتناقش في شتى الأمور الاجتماعية والأدبية، بينما كانت شعراوي ترى على النقيض من ذلك صورة المرأة الجاهلة التي ترتعد فرائصها خوفًا أو يتصبب جبينها عرقًا إذا تحدثت مع رجل حتى ولو من وراء حجاب. وبذلك أثرت تلك الشاعرة في حياتها بأن رسخت في ذهنها فكرة أن المرأة الفاضلة تستطيع أن تتساوى مع الرجل إن لم تَفُقْه، وتمنت أن تكون مثلها. المرأة الأخرى التي كان لها بالغ الأثر في نفس وتكوين هدى شعراوي الثقافي، هي زوجة رشدي باشا المرأة الفرنسية التي تعهدتها بتثقيفها في اللغة الفرنسية وانتقاء الكتب النافعة لها فكانت تغذي روحها وعقلها. وقد كان لتلك السيدة رأي في حجاب السيدات المصريات والمرأة الشرقية بوجه عام، وكانت تقصد “نقاب الوجه”، إذ رأته يحجب المرأة عن الحياة الاجتماعية ويحول بينها وبين تمتعها بالتعليم وممارسة الرياضة البدنية فيعرضها للبدانة، كما أن له لدى الغرب مدلولا سيئا؛ إذ يظنون أنه يخفي ما يستر تحته فيعود الأجانب إلى بلادهم مشبعين بفكرة خطأ عن النساء الشرقيات. وقد كتبت هذه السيدة كتابين لتعرّف الأجانب من بني جلدتها حياة النساء الشرقيات على حقيقتها وأنهن سيدات فاضلات، لتصف حياة المصريين الحقيقية لهم، الأول بعنوان “حريم ومسلمات مصر”، والثاني “المطلقات” التي لجأت فيه لحضور جلسات في المحكمة الشرعية ووصفت فيه سوء أحوال النساء المصريات وخاصة الفقيرات منهن اللائي يتعرضن للجور على يد أزواجهن، وكيف أن العادات والتقاليد هي التي تسببت في كبت حرية المرأة وأن الدين الإسلامي الصحيح براء من تلك الأفاعيل. وقد كانت حرم رشدي باشا الصديقة الصدوق التي بدأ معها وعي شعراوي يتفتح على التفكير في كيف من الممكن أن يتحسن حال المرأة المصرية وكيف يمكنها هي المساهمة في هذا، وبدأت معها بالفعل التفكير في الرقي بحال المرأة بدنيًا وترغيبها في خوض غمار الحياة الاجتماعية والاهتمام بالفنون والآداب.


بدأت مشاركة شعراوي في الحياة الاجتماعية مبكرًا، ففي عام 1895 نشبت حرب “تساليا” بين تركيا واليونان، ووجد المصريون أنفسهم في موقف استوجب عليهم الوقوف بجانب الأتراك فتشكلت لجنة من الرجال ولجنة أخرى للسيدات وكانت هدى شعراوي هي المرأة الأولى التي ساهمت في ذلك العمل الاجتماعي، الأمر الذي جعلها تشعر بقيمة التضامن وواجب الفرد إزاء مجتمعه. توالت بعد ذلك إنجازات شعراوي في ميدان العمل الاجتماعي؛ إذ ساهمت مع الأميرة “عين الحياة” في تأسيس مستوصف خيري لمعالجة أطفال الفقراء شعورًا منهن بالواجب بعد أن دعتهن الليدي كرومر زوجة المعتمد البريطاني لافتتاح مشروع خيري، فأبت الأميرة ألا تتحد النساء المصريات ويقمن هن بهذا العمل الجليل فكانت “مبرة محمد علي” عام 1910. بيد أن شعراوي كانت ترى أنه من دون تعليم المرأة، لن يجدي المستوصف نفعًا، ولذلك يجب أن تعالج أصل المشكلة. وقد تحقق لها ما أرادت عام 1914 مع بوادر النهضة الأدبية فأنشأت نادياً أدبياً عرف بـ”جمعية الرقي الأدبي للسيدات” كانت تحاضر فيها الأديبة الآنسة مي زيادة.

ومع تنامي الشعور الوطني وبعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها تشكل “الوفد المصري” برئاسة سعد باشا زغلول للمطالبة باستقلال مصر وكان مشاركًا في الوفد زوجها علي باشا الشعراوي. مع تصاعد الأحداث ونفي سعد ورفاقه اشتعلت ثورة عام 1919، وكانت مشاركتها السياسية الأولى فترأست هدى شعراوي لجنة الوفد المركزية للسيدات وقادت تظاهرة من 300 سيدة صرخن فيها من خلف براقعهن البيضاء مطالبين بخروج الإنكليز من أرض مصر، وسقطت من بينهن أول شهيدة ألهبت جذوة الثورة في نفوس المصريين. كان ذلك في 16 مارس 1919 الذي يؤرخ له الآن بيوم المرأة المصرية. بعد ذلك تأسس الاتحاد النسائي المصري في نفس التاريخ عام 1923، وفي نفس العام تلقت دعوة لحضور مؤتمر الاتحاد النسائي العالمي في روما بصحبة نبوية موسى ورفيقة كفاحها سيزا نبراوي. ولا ينسى المصريون الواقعة الشهيرة التي دائمًا ما تعرف بها شعراوي أنها في مايو سنة 1923 عند عودة الوفد النسائي المصري من الإسكندرية في القطار رفعت شعراوي النقاب عن وجهها، وقد كانت خطوة جريئة. ولا يمكن أن ينسون لتلك المرأة جهودها في الارتقاء بحال الفتاة المصرية بمطالبتها رفع سن الزواج حتى سن 16 عامًا، وحق الفتاة في أن تتعرف على شريكها في فترة خطبة وألا تزوج رغمًا عنها والحق في أن تتعلم وتشارك الرجل جنبًا إلى جنب في معترك الحياة، وقد كان جليًّا تأثير تجربتها الشخصية على كفاحها.

ظلت هدى هانم شعراوي تكافح من أجل التغيير والحرية التي كانت تعشقها حتى رحلت عن عالمنا عام 1947 بعد أن أثرت عميقاً في تاريخ الحركة النسوية المصرية والعربية. المرأة التي كانت تؤمن بأن الفرد يجب أن يعيش للمجموعة والمجموعة للفرد تحقيقًا للرابطة الأدبية والمعنوية التي تتحقق بها المصالح العامة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1431


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة