الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
ماريو فارغاس يوسا يفتح نافذة على ماركس ونيتشة
ماريو فارغاس يوسا يفتح نافذة على ماركس ونيتشة
ماريو فارغاس يوسا يفتح نافذة على ماركس ونيتشة


04-10-2015 11:43 PM
رواية 'البطل الخفي' تبين عبقرية الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا في الكشف عن السلوك المتوحش لسلوك قاطني مملكة السوق.
العرب رياض رمزي

إننا نعيش في عالم يؤدي فيه الطموح عادة إلى انهيار المبادئ والقيم

تدور أحداث رواية “البطل الخفيّ”، الصادرة حديثا، مترجمة إلى الإنكليزية، عن دار نشر “فابر وفابر” البريطانية، للكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا، حول الانتقام وعمليات الابتزاز، وتظهر فيها شخصيات قدمها يوسا في أعمال سابقة مثل “الرقيب ليتوما”، كما تمزج الرواية بين الفكاهة والميلودراما وتدور أحداثها في البيرو خلال الوقت الراهن.

تركّز أحداث رواية “البطل الخفيّ”، لماريو فارغاس يوسا على شخصيتين يحاولان رفع المبادئ الأخلاقية في بيئة عدائية يرفض رجل الأعمال “فيليسيتو ياناك” دفع أموال لمجرمين يحاولون ابتزازه، بينما يقرر المستثمر “إسماعيل كاريرا” الانتقام من أبنائه الذين يحاولون قتله ليرثوا ممتلكاته.

عندما أنهيت قراءة الرواية، التي تدور جلّ أحداثها في مدينة بيورا البيروفية الساحلية حيث قضى يوسا (79 عاما) جزءا من طفولته، حاولت تنشيط ذاكرتي كي أجد المصدر الذي نهل منه فارغاس يوسا، الفائز بجائزة نوبل عام 2010، إبداعه، ولمعرفة الإجابة عدت في البداية إلى الأسباب الموجبة لمنحه جائزة نوبل فوجدت ما يلي “قدرته على إظهار هيكل السلطة، وحدة ثورة وهزيمة من يتصدى لها”.

خلفية فلسفية

بما أني أدرك أن قدرة الكاتب العظيم مرتبطة بخلفية فلسفية تشكل النسغ في عمله الإبداعي كان عليّ كذلك أن أبحث عن مصادره الفكرية.

عدت إلى أيام الدراسة وتذكرت ما قاله ماركس عن فيتيشية أو ما يسمى صنمية البضاعة التي تعني أن كل المشاركين في النشاط الاقتصادي داخل مملكة السوق يعيشون وفق قوانين داخلية يضعها السوق دون تدخل من قوانين وضعية: قوانين المنافسة المتوحشة التي تجعل من صراع البقاء للأقوى قانونا سائدا، حيث يتجرد المشاركون في نشاط هذا السوق من العواطف، الأخلاق، العلاقات البشرية، ليكون المكان أقرب إلى غابة منه إلى ملكوت إنساني، مادام المتعاملون فيه يؤمنون بأن البضاعة ومن ثمّ الربح هو الصنم المعبود في هذه المملكة، والتي يباح فيها تدمير الآخر والغدر بالقريب والبعيد، كمهنة موازية لممارسة النشاط الاقتصادي، حيث يكون نشاطا مشروعا يمارسه الكل.

حسنا ليس ماركس وحده من يشكل مصدرا إبداعيا لفارغاس يوسا، بل وجدت أن نيتشة أيضا لم يفلت منه. يقول نيتشة لا توجد أخلاق بل هناك رغبة في السيطرة، وأن مصدر كل الدوافع هي إرادة القوة والتسيّد على الآخرين.

إذن لكي تكتب رواية عظيمة كهذه، عليك أن تعرف أفكار فلاسفة من مشارب مختلفة، وهكذا فمن يرغب أن يكون شاعرا عليه أن يستظهر أشعار شعراء ينتمون إلى مدارس مختلفة.

شخصيات متناقضة

أبطال الرواية السادسة عشرة للكاتب البيروفي شخصيات تمارس نشاطا اقتصاديا في السوق، بطلاها شخصيتان متواضعتان بمواصفات البطولة المعهودة، فهما لم ينجزا عملا استثنائيا يضعهما في مصاف الأبطال الذين يخلدون أنفسهم من خلال إنجاز يرفعهم فوق مستوى البشر بحيث يقال عنهم “أفراد يحركون التاريخ ويغيّرون بأفعالهم مساره”.

بيد أنهما ينتميان إلى نوع آخر من الأبطال: مختفين، سريان يمارسان عملا فيه بطولة من نوع خاص، لأنه عمل فيه خطورة على حياتهما، الشخصية الأولى فيليستو يانكي رجل الأعمال الذي يملك شركة نقل في مدينة بيورا يحقق نجاحا جاء نتيجة كد واجتهاد، ولم يرث ثروة من والده، الذي لم ينفك في حياته ينصحه، مستشهدا له بأمثلة مما فعله الفقر معه؛ فقد كان يقول له “لا تكن معبرا تسمح لأحد بالدوس عليك كي يعبر إلى غايته”.

لكن هناك من يجد في نجاح الآخرين -وفقا لمنطق قوانين السوق- مصدرا لكي يحصل على الربح، حيث يجد فيلستو صباح يوم من الأيام، وهو يتهيأ لفتح باب رزقه، ورقة دُسّت في مكتبه تطالبه بدفع فدية 500 دولار شهريا لقاء حمايته من شرور أنفسهم.

الورقة خالية من التوقيع خلا -زيادة في الترهيب وكجزء من صناعة الرعب في مملكة السوق- صورة لعنكبوت بمجسات عديدة، ستضيق الخناق عليه إن قرر عدم الرضوخ، كما تضمنت الورقة تذكيرا بأن لديه الكثير مما سيفقده إن اختار تجاهل تحذيراتهم وقرر ألا يقدّم الفدية.

لكنه تذكر أن والده قال له قبل موته ناصحا “إياك والخضوع أو الفرار”. هذا هو وضع بطولته البسيط: رفض الخضوع الذي يجر عليه هياج وحنق أعدائه. وهذا شكل المواجهة البطولية بين طرفين أحدهما يؤمن أن للكد والاجتهاد نتائج مجزية، وطرف آخر يؤمن أن الجريمة تكافئ مرتكبيها.

الشخصية الثانية إسماعيل كاريرا صاحب شركة تأمين في مدينة ليما العاصمة والذي بدأ يصيب نجاحا وثروة من عمله. يواجه إسماعيل هجوما ليس من غرباء لا يعرفهم، كما في مثال الشخصية الأولى، بل من ولديه العاطلين (المعروفين بلقب الضبعين) اللذين يحتفلان عند دخول والديهما المستشفى أملا في أن يرثا ثروته، لكنه يفاجئهما ليس بالشفاء فقط، بل بإعلان نيته الزواج من البنت اليافعة التي تخدمه في البيت.

يقف الولدان بقوة ضد علاقة الحب التي تربط والدهما بهذه الفتاة التي أحبها، لأنهما يسعيان إلى أن يرثا ثروة أبيهما خالصة دون مشاركة أي دخيل حتى وإن كان حبيبا. وكردّ على تعلق الأب بحبه يندفع الولدان إلى التخطيط لقتله. في كلتا الحالتين لا تبدو الشرطة مهتمة بالأمر حتى أن هناك من يطالبه بالسلامة في المواجهة.

تسير حبكة الرواية نحو ذروتها عندما يتم اختطاف الحبيبتين (مابل حبيبة فيليستو وأرماندا زوجة إسماعيل الشابة) واختفاؤهما من الحياة، في مواجهة بين الحب والكره، الآباء مقابل الأبناء والغرباء، وفي مكان اسمه السوق في مدينتي ليما وبيورا.

مرجعية المكان

تجري أحداث الرواية في مكانين متباعدين (العاصمة ليما وبيورا المدينة الساحلية في شمال البيرو) لكن ما يربط بينهما هي قوانين واحدة في كل مكان يتقابل فيه بائعون مع مشترين، ألا وهي قوانين السوق، التي توحّد سلوك المشاركين فيه.

تبين هذه الرواية ليس عبقرية الكاتب فحسب في الكشف عن السلوك المتوحش لسلوك قاطني مملكة السوق، بل كذلك قدرته على مسك يد الشخصيات الرئيسية كي يتحقق ما كان يسعى الراوي إلى نقله من أفكار على لسان شخصيات صادقة وحقيقية.

هذه الشخصيات تتجول في شوارع المدينتين اللتين تجري على أرضهما أحداث الرواية، أين يتعرف القارئ على الأمكنة التي جرت فيها الحوادث، حيث يحفل نص الرواية بمشاهد بصرية للمدينتين بشوارعها ومبانيها وشرفاتها، وحتى من المطر المتساقط الذي تشعر، من خلال نقره على النوافذ، بتسارع وتيرة هطوله وتباطؤها.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 666


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة