نهار الفتيات
نهار الفتيات


04-12-2015 03:37 AM

لحظة الخيال الراقدة منذ سنين، ظهرت ثلاث فتيات بأعمار متقاربة ووجوه متشابهة، تطلعن إليهم بعيون عميقة هادئة شفافة حالمة.

العرب عبدالله صخي


بين أسرّة الفندق القديمة المتجاورة الواطئة كان يقف يحدق خائفا في الظلام. لم ينم تلك الليلة، يطوف ببصره على الأسرّة فوق سطح الفندق ثم ينزلق بجسده المنهك في الفراش، فيرى شبح رجل في الظلام. لم يستطع أن يميز ملامحه، إنما تراءت له صورة ربّ العمل الذي كان يجوس في العتمة، فيما هو يراقبه بوجل واحتراس. لم ينم تلك الليلة فيما نام العمّال الآخرون نوما مضطربا تحت سماء تنأى أكثر فأكثر كلما اقترب الفجر.

مع بداية العطلة المدرسية في كل صيف اعتاد إبراهيم العمل في البناء داخل العاصمة ليتمكن من شراء احتياجات السنة المقبلة. لكنه في ذلك العام بدأ عطلته بالعمل في مدينة بعيدة.

ومع أن يوم العمل سيكون هناك أطول من المعتاد، وسيمضي أسبوعا بعيدا عن أهله إلا أنه يتلقى أجرا أعلى. ولتقليل النفقات يعمد بعض العمال إلى أخذ أفرشتهم معهم للإقامة في المبنى الذي يشيدونه، لكن المجموعة التي وافق على العمل معها تقيم في فندق رخيص يطل على نهر ضيق تحجبه بساتين البرتقال وصفوف النخيل العالية.

كانوا ينهضون مبكرين، قبل الشروق، يتناولون إفطارهم في السوق المحاذي للنهر، ثم يتوجهون إلى مكان العمل في مواقع مختلفة من المدينة. وعند هبوط الظلام يعودون منهكين يتلمسون طريقهم إلى سطح الفندق على سلم آجري يتصل بالرصيف بعد أن يمضوا المساء في مقهى مجاور.

***

في اليوم الأول له بدأوا عملهم في بيت جديد يطل من جهته الخلفية على منزل من طابق واحد بغرف متسلسلة خفيضة تواجه ساحة مستطيلة. كانوا أربعة، عامليْن وأسطييْن أحدهما ربّ العمل، أيقظوا بضجيجهم البيت المجاور. وعلى الفور، كما هي عادة العمل في البناء، شرع إبراهيم وحميد بنقل الجص في طاسات كبيرة ثقيلة فيما يحثهما ربّ العمل على الإسراع كلما تأخرا أو شاهدهما يتوقفان أو يتحدثان أو يتلصصان على المنازل القريبة من النوافذ أو السطوح، وأحيانا يطلق كلمات نابية جارحة، وإذا امتعض أحد يرد عليه، بعبارة كررها مئات المرات، بأن العامل كان يضرب بالفأس إذا أخطأ أو تأخر.

لا وقت هنا للانشغال أو لالتقاط الأنفاس، جري متواصل بين موقع الجص والغرف التي يتعين عليهم تبييضها من الداخل. ثمة فرص نادرة للاستراحة يتكئ حميد أثناءها على براميل الماء ويغنّي. تلك هي وسيلته لإيصال رسائله إلى الفتيات اللواتي يمضين صباحاتهن في الشؤون المنزلية، وعند الضحى يستلقين في غرفهن المبردة يتصفحن مجلات فنية أو يستمعن إلى الأغاني من الإذاعة أو آلات التسجيل.

كانوا دائما بحاجة إلى صوته لإثارة سكون الغرف المعتمة مسدولة الستائر، لاستدراج النوافذ والأبواب كي تنفتح لقلوب العمال الجوالين الباحثين عن ومضة حب في كل مدينة يذهبون إليها. لكنهم ذلك اليوم لم يكونوا بحاجة إلى صوته.

خلال الساعات الأولى، وتحت إلحاح ربّ العمل، اشتغلوا بحماس. كانت الشمس تلقي أشعتها على كثيب الجص فتنعكس حزما قاسية شديدة السطوع تغشي العيون المبللة بالعرق.

وفي ساحة البيت الذي يطلون عليه انتشر شعاع غزير هبط من قبة السماء الزرقاء الصافية. في تلك اللحظة، لحظة الخيال الراقدة منذ سنين، ظهرت ثلاث فتيات بأعمار متقاربة ووجوه متشابهة. تطلعن إليهم بعيون عميقة هادئة شفافة حالمة. وكما لو أن حضورهم المفاجئ غيّر رتابة أيامهن الطويلة البطيئة الراكدة أحسسن برعشة في أعماقهن فتهامسن وابتسمن.


رششن الأرض بالماء بأكف دقيقة طويلة الأصابع، وقطعن الساحة مرات عدة بأجساد متفتحة كزهور برية، وبين حين وآخر ينشغلن بالنظر في نقطة مجهولة ثم يصغين إلى شيء لا يسمعه سواهن، ربما نشيد أو ترتيل أو حداء ينبعث من حكاية أسطورية كظهورهن الاستثنائي وسط الشعاع الخارق.

لم يصدق العمال كيف تركت الفتيات أجسادهن لتلك الحرية الغريبة. ارتجفوا، ارتجف جزء ما خفي وغامض في أعماقهم التي تتشظى عند تماسها مع جزء خفي وغامض لدى الآخر، ثم تتحول إلى أنهار صغيرة غائرة محتبسة تتوسل ثغرة ما للانبثاق والجريان في مسيل متصل لا يتوقف.

فتر حماسهم للعمل واحتشدوا في النافذة، أربعتهم في النافذة، يحدقون في سيقان الفتيات اللواتي هبطن من الحلم أو الغرائز أو الذاكرة.

ولأول مرة لم يعترض ربّ العمل بل بدت حركته باردة وذهنه شاردا يتطلع في الجدار الأبيض الصقيل أمامه ويختلس نظرة لفتاته التي خرجت من الغرفة (أي واحدة منهن؟) لمشيتها خفق أجنحة ولاهتزاز جسدها رنين. كان يتصبب عرقا وإحساس مقيد يجعله يرسل نظرات وحشية متتابعة.

جلست الفتاة تنظف الرز وقد انحسر ثوبها عن ساقيها. ربما كانت تتعمد ذلك. رأى لباسها الداخلي رماديا معتما وإذ حركت ساقيها دون أن ترفع رأسها إليهم تسرب هناك ضوء خاطف. اقتربت الفتاة، التي لاتزال تكنس، من صنبور الماء بللت وجهها وتركت قطرات تنحدر نحو صدرها فلمسته وهي تنظر إليهم بعينين متوثبتين. رفعت تنورتها لتمسح وجهها المحمر من وهج الشمس دون أن تنحني فانكشفت ساقان بيضاوان مكتنزتان.

خطر لربّ العمل أن يصرفهم ويبقى وحده، وحده سيتابع المشهد الخيالي الأثير كما في المنام، لكنه لم يجد مبررا مقنعا، فيما تمنى الآخرون ألا تغيب الفتيات طويلا في الغرف ساعة القيلولة.


لوقت قصير ظل إبراهيم يحدق في الفراغ، الفراغ في الطاسة التي أمامه وفي كثيب الجص الذي غدا حارا لافحا ثم في برميل الماء فيرى صورته.

بدا أصغر سنا ووجهه مدورا كوجوه الأطفال ولم ينتبه إلى فتاة في الجهة الثانية البعيدة أزاحت الستارة عن نافذة عريضة واستلقت على الأريكة.

عند انتصاف النهار كانت غرف الفتيات الثلاث تعوم في فضاء من الضوء الشاسع فيما سكنت الأشجار وأسدلت الستائر لتحجب الحياة الثرية السرية خلف الجدران السميكة.

حانت استراحة الغداء فتسللوا واحدا واحدا وتفرقوا في أرجاء البيت في الزوايا الباردة وتناولوا طعامهم صامتين. كان من عادتهم أن يجلسوا معا لكنهم هذه المرة تباعدوا واختار كل منهم زاويته كأنه يحتمي هناك من الآخر المفترس المترصد الضاري. ب

دوا كما لو أنهم يخشون النظر إلى بعضهم، يخشون أن تكشف عيونهم هواجسهم وارتجافات قلوبهم ونواياهم الطيبة والشريرة، البريئة والمخادعة، الطاهرة والدنسة.

من زاويته البعيدة، من مخبئه، استغرق إبراهيم في السكون البارد الظليل، هدأ جسده وشعر بالنعاس فرأى فتاته (أي واحدة منهن؟) تقترب منه، وسألها:

ماذا تفعلين حين تنهضين من النوم؟

أمشط شعري.

بالحناء؟

بالمسك والمحلب.

وبماذا تفكرين؟

بالنهار، ثوب الزفاف.

والليل؟

يقظة الجسد المحروم.

وبماذا تحلمين؟

بعامل جوال يطوف المدن بحثا عني.

***

انتهت ساعة القيلولة ولم تخرج الفتيات.

أنصتوا فسمعوا لأول مرة أصواتا في المنازل القريبة، ثم انتبهوا إلى رنين ملاعق الشاي. كانت الشمس تنحرف عن الغرف ويهبط ظل طويل على النوافذ لكن الستائر ظلت مغلقة ولم يمرق أحد أمامها، فيما كان ربّ العمل يتابع بعينه الزئبقية المراوغة أخيلة أجساد عارية في عمق الغرفة المظلم.

قبل الساعة الأخيرة من ذلك النهار ظهرت إحدى الفتيات في باب غرفتها، وبحركة نشيطة مباغتة أخرجت نهدها مبتسمة متحدية عدوانية.


تعلقت عيونهم هناك، في ملتقى شعاعين، شعاع يهبط من الأعلى وآخر يتدفق من نهد الفتاة الذي بدا صغيرا محتدما متوثبا كأنه يود أن ينط إلى أمام لكنه، حين اتكأت على الجدار تاركة جسدها ينزل إلى الأرض، انشّد إلى فتحة الصدر واتخذ شكل نصف قمر. وإذ استرخت أكثر انفرجت ساقاها وانحسر عنهما الثوب.

استمروا يحدقون مبهورين يتدافعون صامتين نحو النافذة التي تسمح بأكبر قدر من الرؤية. ولم ينظروا في ساعاتهم المخبأة في جيوبهم لمعرفة الوقت لذا لم ينتبهوا إلى انتهاء عمل ذلك النهار إلا عندما رمى ربّ العمل “المالج” من يده يائسا متوترا. عندها انسحبوا ببطء مندهشين كيف انقضى اليوم الذي اعتادوا على أن يعدوا ساعاته الثقيلة البطيئة.

***

في المقهى المحاذي للفندق جلسوا منهكين يشاهدون التلفزيون، لكنهم لم يروا شيئا ذلك أن صور الفتيات كانت تتتابع أمامهم. لم يتبادلوا أي كلام أو تعليق، ربما كانوا يتحدثون لأنفسهم أو إلى فتياتهم. من منهم كان يميز فتاته؟ ومن حين إلى آخر كانوا يبصرون المارة على الرصيف أو وجوه رواد المقهى المألوفة أو انعكاس وجوههم في المرآة الطويلة على الجدار أو هدايا وكؤوس فريق لكرة القدم.

عندما هبط الظلام نهضوا مرهقين، ارتقوا السلم المتصل بالرصيف المؤدي إلى سطح الفندق واستلقوا على أسرة متجاورة تحت سماء واسعة، أسرّة لاتزال ساخنة كأن حرارة شمس النهار محشوة في الفرش والوسائد، أسرة ممتلئة بالأحلام المكبوتة والرغبات السود الدفينة في قلب الخشب المتآكل أو الحديد الصدئ أو القطن الأصفر.

تأملوا اختلاجاتهم العنيفة التي تحاول التحرر من الأجساد المقهورة للخلاص من لظى الدماء المتوهجة، أرواح محمومة تضطرب فيها الشرور والدناءات والأدعية والحب والأغاني والقبل والتراتيل.

في وقت ما من الليل استيقظ إبراهيم مرتعبا عندما شعر أن يدا خشنة متوترة قاسية تنبثق من الظلام وتتسلل إلى بطنه. فزعَ وسكنت كل حركة فيه ودب في جسده الصغير الناحل ارتعاش مروع. يدفع اليد فتبتعد عنه لكنها سرعان ما تعود تفتش عن ثغرة من جديد. هل كان يحلم؟ هل كان مستيقظا؟

لم ينم تلك الليلة، ظل يطوف ببصره على أسرّة النزلاء فوق سطح الفندق، ثم ينزلق بجسده المنهك في الفراش، فيرى شبح رجل في الظلام.

لم يستطع أن يميز ملامحه، إنما تراءت له صورة ربّ العمل الذي كان يجوس في العتمة، بين الأسرّة، فيما هو يراقبه بوجل واحتراس. لم ينم تلك الليلة فيما نام العمال الآخرون نوما مضطربا تحت سماء تنأى أكثر فأكثر كلما اقترب الفجر.

كاتب روائي من العراق مقيم في لندن


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1541


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة