الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
برناردو برتولوتشي المدهش أبدا
برناردو برتولوتشي المدهش أبدا
برناردو برتولوتشي المدهش أبدا
من فيلم "أنا وأنت" أحدث أفلام السينمائي الكبير


04-12-2015 03:39 AM
مرض العضال الذي أصاب العمود الفقري للمخرج السينمائي الإيطالي وأقعده عن الحركة لم يحل بينه وبين العودة إلى إخراج فيلمه الأحدث 'أنت وأنا'.

العرب أمير العمري


من يصدق أن المخرج السينمائي الإيطالي برناردو برتولوتشي الذي يعتبر أحد أكبر “شباب” سينما التمرد على القوالب والأنماط القديمة، الثائر على الماركسية، والمتمرد على تقاليد الواقعية، قد أوشك على أن يتم عامه الرابع والسبعين.


في هذا الفيلم كل العلامات المميزة لسينما برتولوتشي: القلق والتمرد والغضب والخروج على المألوف، والاستخدام المميز للصورة، وشغف برتولوتشي بالأجيال الجديدة من الشباب، ومحاولة فهمهم، دون فرض أي نوع من الوصاية عليهم.

بعد عرض “التانجو الأخير في باريس” في مهرجان نيويورك السينمائي عام 1972 كتبت بولين كيل، الناقدة الأمريكية الأكثر شهرة وتأثيرا حتى وفاتها عام 2001، تقول: “يجب أن يحفر هذا التاريخ في ذاكرة السينما”، وقارنت كيل بين عرض الفيلم، وبين افتتاح باليه “حفلالربيع” لسترافنسكي في نيويورك الذي أعتبر أحد أهم أحداث القرن العشرين الفنية، ووصفت فيلم برتولوتشي بأنه “أكثر الأفلام الإيروتيكية قوة”.

معهد الفيلم الأمريكي احتفل بالعرض العالمي الأول لفيلم برتولوتشي الشهير “الإمبراطور الأخير” The Last Emperor(1987) في نسخة ثلاثية الأبعاد 3-D. وبعد ذلك مباشرة، تمكن المخرج الايطالي الكبير من قهر الإعاقة فتشبث برواية صديقه نيكولو أمانيتي”أنت وأنا” You and Me وقام بتحويلها الى فيلم سينمائي يعتمد على شخصيتين فقط: الصبي الذي يهجر بيت أسرته ويقيم في شقة مهجورة تحت الأرض، وحيدا معزولا عن العالم، وشقيقته التي تتردد في اقتحام خصوصيته في البداية، ثم تتجرأ وتلحق به، مع كل ما يتداعى من هذه القصة من تطورات تكشف اهتمام برتولوتشي القديم بموضوع تمرد الشباب ورفضهم للواقع.

برتولوتشي لم يكن أصلا يود أن يصبح سينمائيا، بل كان يتطلع إلى أن يصبح شاعرا مثل والده، لكن المخرج والشاعرالإيطالي بيير باولو بازوليني الذي كان صديقا لوالده، عرض عليه العمل مساعدا له في أول أفلامه

يقول برتولوتشي عن هذه التجربة “لم أكن لأبدأ التصوير إن لم أقع في غرام الشخصيتين”. الصبي والفتاة (شقيقته) يغرقان في المخدرات، يكومان الأطعمة داخل المنزل، يرفضان المغادرة ومواجهة العالم الخارجي، إنه نوع من التمرد الذي يقود عمليا الى الانتحار، لكن برتولوتشي ينجو بالفتاة، يجعلها تظل على قيد الحياة في النهاية، على العكس مما جاء في الرواية الأصلية.

ويتشابه الفيلم مع فيلم برتولوتشي ذائع الصيت “القمر” La Luna(1979) الذي منع من العرض في بلدان كثيرة، فهنا أيضا نرى ملامح نزعة أوديبية لدى الصبي الذي يسأل أمه على مائدة الطعام سؤالا افتراضيا مقلقا: ماذا يمكن أن يحدث إذا ما أصبحنا، أنت وانا، الناجين الوحيدين في العالم، كيف يمكننا أن نعيد إعمار العالم بالبشر؟

برتولوتشي لم يكن أصلا يود أن يصبح سينمائيا، بل كان يتطلع إلى أن يصبح شاعرا مثل والده، لكن المخرج والشاعر الإيطالي بيير باولو بازوليني الذي كان صديقا لوالده، عرض عليه العمل مساعدا له في أول أفلامه، فيلم “أكاتوني” عام 1961.

أما برتولوتشي فقد أصبح مخرجا في عام 1962 عندما قدم فيلم “جامع الثمار”. وبعده أخرج حتى يومنا هذا 24 فيلما. وهو نموذج للسينمائي الذي يسيطر على أفلامه سيطرة كاملة من البداية، أي من الفكرة ثم السيناريو فالإخراج، وهو بالتالي نموذج للمخرج- المؤلف، أي صاحب الرؤية الخاصة، التي يعبر عنها من فيلم إلى آخر. ولكن أفضل وسيلة لفهم “سينما برتولوتشي” هي مشاهدة أفلامه، وليس التوقف أمام علاقته بالسياسة، أو أمام سيرته الذاتية، تطبيقا لمقولة ميشيل فوكو: “إن المؤلف ليس سوى أداة لخدمة عمله الفني، وليس هدفا في حد ذاته”.



تأثير جودار

كانت الهزة الكبرى الأولى التي حدثت في عالم السينما وغيرت الكثير من الأفكار والمفاهيم والجماليات هي ظهور “الواقعية الجديدة” في إيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية. وكانت الهزة الكبرى الثانية بعد ذلك بنحو خمسة عشر عاما مع ظهور “جون لوك جودار” في فرنسا.

فقد ترك جودار تأثيرا لاشك فيه على الكثير من مخرجي السينما في الستينيات، من بازوليني وفاسبندر إلى بونويل وبريسون، لكن برتولوتشي يعتبر أحد تلاميذ جودار المخلصين، والعلاقة بينهما – أو بالأحرى بين أفلامهما- أقرب ما تكون إلى علاقة حب وكراهية في آن. وفي مقال نشره في عدد يناير1967 من مجلة “كاييه دو سينما” (كراسات السينما) الفرنسية، أعرب برتولوتشي عن إعجابه الكبير بجودار وأفلامه، وبقدرته الهائلة على تكسير اللغة والابتكار في الأسلوب وشكلالسرد، وكان المقال يعكس على نحو ما، شعورا بـ “الغيرة” من جودار وجرأته السينمائية.

وإذا كان تأثر برتولوتشي بأستاذه بازوليني قد تبدى في أول أفلامه “جامع الفاكهة”، فقد ظهر تأثره الكبير بسينما جودار فيما بعد، في معظم أفلامه قبل “الامبراطور الأخير” تحديدا.فبرتولوتشي يبدو قريبا من التعبير الذاتي، أي أنه يستخدم الكاميرا لكي يعكس رؤيته الشخصية للواقع، للعلاقات بين الأشخاص، للأحاسيس الدفينة، للمشاعر والأفكار التي يصعب تجسيدها بالصورة. وهو مثل جودار، يستخدم الانتقال السريع (عن طريق القطع)، كما يتلاعب بعنصري الزمان والمكان، ولكنه يبدو وكأنه يستخدم أساليب جودار على نحو يتعارض مع مفهوم جودار نفسه لها، رغبة في تجاوزه.

وفي فيلمه الثاني “قبل الثورة” (1964) تتضح المكونات الفكرية عند برتولوتشي، فهو يحاول المزج بين الفرويدية والماركسية، وهي محاولة ستتضح أكثر في أفلامه التالية وتظل تؤرقه طويلا حتى فيلم “بوذا الصغير” (1993). إنها ببساطة فكرة البحث الذاتي عن السعادة الشخصية، سعادة الفرد وليس ذوبانه في المجموع، ولكن دون أن يتعارض هذا مع بحثه عن السعادة للآخرين أيضا.

وهو موقف يعبر عن شعور بالحيرة، بنوع من الاغتراب عن المذهبية العقائدية- الماركسية- وطروحاتها الفكرية فيما بعد الحرب العالمية الثانية.هنا يصبح الأسلوب السينمائي عند برتولوتشي، حقيقة أخلاقية، وحقيقة سياسية في آن. وهو لا يفصل بينهما رغم إدراكه بأن الشكل سياسي بالضرورة، وايديولوجي بحكم طبيعته.



في هذا الفيلم نرى “فابريزيو” مع أستاذه ومعلمه “سيزار”، والاثنان يشاركان في احتفال للحزب الشيوعي. ولكن فابريزيو يشعر باليأس من قدرته على اعتناق الأيديولوجية الماركسية رغم قناعته بصحتها، فالأحداث التي تحيط به تساهم في عزلته، وتحصره في لحظة عاطفية، وتكرس إحساسه بعجز الأيديولوجيا عن حل مشاكله الشخصية.

وفي “التانجو الأخيرة في باريس” يسعى بول (مارلون براندو) إلى خلق عالمه الخاص المعزول تماما عن العالم الخارجي من خلال الإغراق في الجنس، وهو ينكر هويته الاجتماعية، كما يرفض الانتساب العائلي برفضه الأسماء، ويتعامل فقط من خلال الواقع الرمزي المجرد: الأنا والآخر، ويتطلع الى تحديد شكل العلاقة بين الدولة والبطريرك – الأب والعائلة والفرد. وموته في النهاية ما هو سوى تتويج لمحاولته الدائمة الانتحار عن طريق الافراط في الجنس.

روح الأوبرا

يقترب برتولوتشي في “التانجو الأخير” من روح الأوبرا، فالخط الدرامي الروائي يتم توظيفه لخدمة الموسيقى والدفع بها الى الأمام، تماما كما في الأوبرا. وفضلا عن ذلك يمتليء الفيلم بمشاهد تشبه الألحان الثنائية في الأوبرا التي يؤديها شخصان كما في مشهد الحوار بين بول وجيني، وبول وأم زوجته، ويعتبر مونولوج بول أمام جثة زوجته، من أعظم “الألحان” في السينما المعاصرة.

ويبدو تأثر بروتولوتشي بالفن التشكيلي واضحا في هذا الفيلم المحوري من بين أفلامه، فعناوين الفيلم تظهر في البداية على لوحتي “بورتريه” للفنان التشكيلي الإنجليزي الشهير فرنسيس بيكون: الأولى لرجل يرتدي ملابس داخلية بيضاء يرقد على سرير صغير أحمر، وفي الخلفية جدار أصفر بينما الأرضية خضراء. والثانية لامرأة ترتدي سترة بيضاء وتنورة بنية اللون، تجلس على مقعد خشبي وقد عقدت ذراعيها وساقيها، في حجرة ذات جدران سوداء وأرضية قرمزية، مع صورة مظللة لفأر في أسفل مقدمة اللوحة.

وأثناء نزول عناوين الفيلم (التترات) نرى اللوحتين، واحدة تلو أخرى، ثم جنبا الى جنب في “كتالوج” لمعرض الفنان فرنسيس بيكون في باريس قبل بدء تصوير الفيلم مباشرة، وقد زار المعرض برتولوتشي بصحبة مدير تصويره فيتوريو ستورارو، وأيضا الممثل مارلون براندو.

وترمز اللوحتان إلى الشخصيتين الرئيسيتين في الفيلم: بول وجيني، وتساهمان في التمهيد للأسلوب البصري والبعد النفساني في الفيلم.

ويبدو تأثير بيكون على برتولوتشي واضحا لدرجة أن برتولوتشي يسعى أحيانا الى محاكاة تكوينات بيكون، فبعد مشهد ممارسة بول الجنس مع جيني بشكل عنيف، هناك لقطات صامتة لبول وهو يرقد على أرضية الغرفة في أوضاع مختلفة (فوتومونتاج) تتقاطع مع لقطات لمحطة مترو في باريس. في اللقطة الأولى تدلف الكاميرا من خلال ممر الى أن تصل الى الباب، فنرى بول راقدا على الأرض على جانبه وذراعه الأيمن ممدد، وفي الخلفية نلمح شيئا أبيض ملتفا نراه في معظم اللقطات داخل الشقة الخالية.

أما اللقطة الثانية فهي أكثر اقترابا من بول الذي نراه راقدا على ظهره متقاطع الساقين، وبقايا الزبد ملقاة بالقرب منه على اليسار. وفي اللقطة النهائية من المشهد، نرى بول عن قرب راقدا على جانبه، وتبدو أوضاع الجسد داخل الكادر وجدران الغرفة والعلاقة بينها مشابهة لأسلوب فرنسيس بيكون.

ويحاول برتولوتشي أيضا إعادة خلق عالم بيكون من خلال التكوين، واستخدام الألوان وأوضاع الكتل داخل الكادر، ويحاول أن يستوحي بعض التشويهات الجمالية لأشكال بيكون عندما يستخدم المرايا والزجاج: الجسد الانساني الذي يبدو في كتلة تنضح بالألم عديمة الملامح. إنه يقترب من خلق معادل سينمائي للشكل والمضمون في أعمال بيكون: الألم السيكو- جنسي للوجود، والانفصال التام الذي ينتج عن ذلك الألم.

إن “التانجو الأخير” هو إبن شرعي للثقافة الأوروبية المعاصرة، ثقافة البحث القلق عن معنى الوجود.. عن التحقق والبحث عن السعادة ومحاولة اختراق الكآبة من خلال اللذة، مع طغيان النزعة العدمية لحظة البحث عن النجاة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1135


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة