الأخبار
منوعات سودانية
ملك النيل: عبيد إبراهيم.. صياد ترفع له الأسماك زعانفها
ملك النيل: عبيد إبراهيم.. صياد ترفع له الأسماك زعانفها
ملك النيل: عبيد إبراهيم.. صياد ترفع له الأسماك زعانفها


04-12-2015 11:52 PM
سنجة- محمد عبدالباقي

تراه جالساً على شاطئ النيل الأزرق قبالة مدينة سنجة ساهماً دون حراك، كأنه لا يريد أن يكون صوته نشازاً مَع موسيقى ارتطام المياه باليابسة، لكن يبدو وجهه صبوحاً عندما تلقي عليه السلام، فينهض بهمة ليعانقك حتى يخال لك أن بينك وبينه معرفة سنوات.

هكذا يقضي (عبيد ابراهيم عبدالله) ساعات وافرة على الشاطئ وهو يرهف السمع للخرير التى تنساب أمامه بهدوء ورقة يفتقدها دائماً بعد مرور شهري فبراير ومارس، لا يبتعد (عبيد) عن النيل الأزرق كثيراً فهو إما يبقى جالساً بجواره يتأمله من الخارج أو سابح على سطحه ليصطاد الأسماك منذ نحو خمسة وأربعين عاماً.

#إلفة ومحبة

كأن بينهما رباط من دم ورحم، لا يغادر (عبيد ابراهيم) شاطئ النيل الأزرق مطلقاً، إلا لساعات معدودة، يذهب فيها لبيته ثم يعود مسرع الخطى للنيل وقلبه ينبض بالشوق، كأنه يخاف أن لا يجده في ثباته المستديم، لا يتذكر (عبيد إبراهيم) كيف بدأت علاقته بالنيل، ولكنه يؤكد أنه صار جزءاً منه، لا يقوى على مفارقته البتة، فيقضي يومه بين دوامتين، إما يظل جالساً بالقرب منه يتأمله أو سابحاً عليه يصطاد من خيراته التي لا تحدها حدود، هذا هو نهجه الذي أتبعه منذ بداية سبعينيات القرن المنصرم حينما امتطى ولأول مرة (فلوكة)، مركب صغير وضرب عرض النيل بحثاً عن الأسماك كأصغر صياد، سلاحه ورأس ماله شبكة وطُعم يصلح للاستخدام لمدة (48) ساعة كأقصى مدة يقضيها في عرض النيل، كانت تلك رحلته الأولى وهو نفسه لم يكن يتوقع أن يستمر يجوب المياه شمالاً وجنوباً لنحو خمسة وأربعين عاماً خلف صيد مجهول لم يصطده بعد، جعله في حالة إدمان محبب للمياه وراحتها وخريرها وأصوات المخلوقات التي تعيش فيها.

# ملك النيل

أكثر من أربعين عاماً قضاها (عبيد إبراهيم) ملكاً للنيل الأزرق رغم عنفوانه المعروف خلال نصف العام، فجابه شمالاً إلى أن بلغ الشلال الرابع واتجه جنوباً إلى خزان الرصيرص، حيث كان يقضي أيام في عرضه، فالرحلة بين مدينة سنجة والشلال الرابع تستغرق أيام بلياليها في ذهابها وأيابها، وقد تبدو مملة ورتيبة للبعض وشبه مستحيلة للبعض الأخر، لكنها بالنسبة لعبيد تمثل المتعة بعينها لأنها تجعله مرتبطاً أكثر بالنيل ومياهه التي يتغير لونها كلما امتزج بالنيل الأبيض عند المقرن الشهير بين الخرطوم وأم درمان، ودائماً كانت مثل تلك الرحلات الممتدة تعود بنفع وافر عليه من خلال كميات كبيرة من الأسماك تعلق بشباكه في ذهابه وإيابه، وبما أن الصيادين كانوا قلة في ذلك الوقت فإنه كان أوفرهم حظاً وأوسعهم رزقاً - بحسب وصفه - لأسباب لازالت خفية عليه، وإن كان هو نفسه لا يريد كشفها لأحد، فدائماً يعزو الأمر لتوفيق الله وحده الذي يعينه على قضاء أغراضه ويوسع له في رزقه وهو حامداً شاكر.

# مأساة الحاضر

عندما يعود (عبيد إبراهيم) بذاكرته لبدايته العملية يجد أنهم كانوا موفورين الحظ حينها، لأنهم كانوا قلة يحصون على أصابع اليد الواحدة، وجميعهم معروفون لبعضهم البعض، فهكذا استمر بهم الحال من مطلع السبعينيات إلى وقت قريب، امتلأ بعده النيل بعرضه بالصيادين من كل الأعمار، اخترقوا كافة القوانين التي تنظم عمليات صيد الأسماك، حيث كان الصيادون في السابق يلتزمون بالتوجيهات القانونية الصارمة التي تمنع استخدام الشبكات إلا وفقاً لمعايير تحدد سعة فتحاتها من أجل منع صيد الأسماك الصغيرة، لكن هذا كله الآن صار من ذكريات (عبيد إبراهيم) الذي أبدى حزنه وأسفه على ما صار متبع اليوم، وهو أن الصيادين الجدد يستخدمون شباكاً صغيرة الفتحات مما يمكنهم من كنس الأسماك صغيرها وكبيرها من عمق المياه دون أن يمنحوا الفترة الكافية لتصبح مناسبة للصيد. وأرجع اختراق الصيادين للقانون إلى تهاون إدارة المصائد والرقابة بعدم قيامهم بالمتابعة والتفتيش الدقيق بين الحين والآخر، وأن مهمتهم أصبحت لا تتعدى الظهور في بداية كل عام لأخذ الضرائب والتصاديق السنوية، وبعدها لا يظهر لهم أثر إلا في العام القادم، وتوقع (عبيد) أن يؤثر هذا النهج على الأسماك لو استمر طويلاً، فقد يأتي اليوم الذي تنعدم فيه الأسماك من النيل بصورة تامة.

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1322


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة