الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
مكسيم غوركي ناقد جارح للأنتليجنسيا الروسية
مكسيم غوركي ناقد جارح للأنتليجنسيا الروسية
مكسيم غوركي ناقد جارح للأنتليجنسيا الروسية


04-27-2015 03:47 AM
مسرحية 'المصطافون' تعتبر نقدا جارحا للأنتليجنسيا الروسية التي أنساها النجاح جذورها فصارت امتثالية سلبية أسلمت مصيرها للقضاء والقدر.
العرب

بين مكسيم غوركي وصديقه تشيخوف سمات كثيرة، فقد بدآ مسيرتيهما في الصحافة، ثم اقتحما عالم الأدب، قبل أن يخوضا تجربة ناجحة في الفن المسرحي. وإذا كان كلاهما قد سجل حضورا بارزا في الآداب العالمية، فإن تجربة غوركي المسرحية كانت دون تجربة صديقه إشعاعا، رغم أنها لا تقل عنها قيمة. وهو ما لمسناه خلال عرض مسرحيته “المصطافون” منذ أيام في الكوميدي فرانسيز بباريس.

يحفظ التاريخ عن مكسيم غوركي (1868- 1936) أنه كاتب عصامي وناشط سياسي ماركسي، نشأ في وسط فقير، فكان أدبه ملتزما بقضايا الفئات الشعبية الضعيفة، ومواقفه متعاطفة مع الأحزاب التقدمية، وخاصة حركة البولشفيين، ما جعله محل مراقبة من البوليس السري للقيصر، وحتى سجنه.

بعد قصص عن البؤساء والمهمشين في روسيا، انصرف إلى المسرح برؤية جديدة في مقاربة للواقع، ورصد إرهاصات لانقلاب وشيك، بطريقة تخالف مسعى تشيخوف. كلاهما يتساءل: ما العمل؟

وإذا كان تشيخوف يصوّر إنسانا معطلا قلقا حتى الموت ويكتفي بطرح السؤال، فإن غوركي يرسم بداية تشكل وعي كفيل بتغيير الواقع، ويقدم بعض إجابات، على لسان أبطاله، كما في مسرحية “الحضيض” التي عرّى فيها قاع المجتمع، ولاقت النجاح في روسيا وأوروبا وحتى في أميركا، ثم في مسرحية “المصطافون” التي أوحى له تشيخوف بثيمتها.

هذه الدراما التي ألفها عام 1904 تصوّر في أربعة فصول حياة نفر من الأنتليجنسيا، انقطعت صلتهم بوسطهم الذي نشأوا فيه، وبواقع مجتمع أنهكه التاريخ.

فكانت قطعا مع مسرح الأطروحة والمسرح الرمزي اللذين كانا سائدين في ذلك الوقت، فهو مسرح يستفز المتفرج ويرغمه على التحرك والبحث في غضون المجتمع عن معنى بعيد عن الاستكانة والاستسلام.

تدور الأحداث في مصيف على البحر، حيث اعتاد باسوف وزوجته فرفرا أن يلاقيا أصدقاءهما خلال عطلة الصيف. محامون وأطباء ومهندسون ومقاولون يزجون وقتهم في اللهو والعبث والحديث عن الحب والموت والفن والموسيقى وكل ما يمكن أن يملأ أيامهم المتشابهة، ويطرد عنهم السآمة والملل.

إن قدوم شخصين جديدين هما ماريا لوفنا، المثقفة الملتزمة، وشاليموف الشاعر الذي هجره الإلهام، سوف يهز اتزانهم ويخلخل قناعاتهم ويجبرهم على اتخاذ موقف مما يجري في البلاد. فتنحل الألسن، ويشتد الخلاف، ويفصح كل واحد عما كان يخفي، مثل فلاس وزاميسلوف وكلاهما عاش طفولة قاسية، وحتى فرفرا التي اعترفت بأن أمها كانت تعمل غسالة في البيوت. وبذلك يكشفون عن حقيقتهم عارية في خضم وجود مقبل على التغيير.

لم يلتزم المخرج جيرار ديزارت بالنص الأصلي، بل فضل عليه صيغة ركحية كان أعدّها بيتر شتاين وبوتو ستراوس لفرقة شاوبونه الألمانية في أواسط السبعينات، فبينما كان نص غوركي كلاسيكيا في بنيته، يعرض الأحداث ويقدّم الشخصيات فصلا بعد فصل ومشهدا بعد آخر، جاءت الصيغة الحالية جامعة منذ الوهلة الأولى لأبطال المسرحية جميعا، وعددهم خمسة عشر، ووُضِع المتفرج مباشرة أمام صورة مصغرة من المجتمع، وصورة مصغرة من الأحداث تتنامى بالتوازي.

هذا التوازن في تنامي الأحداث ومصير كل شخصية لا يحول دون وجود مراكز ثقل. صحيح أن المتفرج يكتشف في البداية تلك المجموعة من البورجوازيين الصغار، ولا يفهم إلاّ تدريجيا موقع كل شخص وهويته، ولكنه سرعان ما يدرك أن ثمة من يشذ عن المجموعة، وينهض بخطاب مغاير يستقطب الاهتمام ويثير الجدل والنزاع، خصوصا ماريا لوفنا.

والبورجوازية الصغرى التي يبشّر غوركي بوشك زوالها، كانت حديثة عهد نسبيا في روسيا في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. عند تأليف المسرحية، كان قد انقضى على إلغاء الاستعباد (1861) أكثر من أربعين عاما، حدثت خلالها تحولات عميقة في العلاقات بين فئات الشعب، وشهدت المدن الروسية بروز طبقة بورجوازية صغرى لم تكن موجودة من قبل، واستولت على مواقع القرار.

وفي غمرة انتشائها ولا مبالاتها، لم تنتبه تلك الطبقة إلى تصاعد الحركات الماركسية الثائرة على النظام القائم، ولا إلى الكارثة التي سوف تعصف بها، وهو ما حصل عام 1905، عند اندلاع الثورة في صيغتها الأولى. أي أن المسرحية كتبت وعرضت في ظرف بالغ التوتر، وغوركي كان قد تنبأ بما سوف يحدث.

المسرحية نقد جارح للأنتليجنسيا الروسية، التي أنساها النجاح الاجتماعي جذورها، فصارت امتثالية سلبية أسلمت مصيرها للقضاء والقدر، في ظرف كان يهدد بالانفجار والتداعي.

وهي صدى لانفصال النخب التي تقدّم النجاح الوظيفي والاجتماعي على العمل الذي ينفع الطبقات الشعبية التي ما عادت تحس أن ثمة من يمثلها أو يسمع شكواها. وبالرغم من كونها متجذرة في فترتها التاريخية، تعلن بجرأة عن قرب اندلاع الثورة البلشفية الأولى، فإنها لا تفقد راهنيتها بتقادم الزمن، وهي تطرح قضايا ستكون محل تطورات جذرية في شتى بلدان الغرب، مثل النسوية والمساواة بين الرجل والمرأة والعلاقة بين الأزواج.

كما أن ما حملته من نظرة تأملية عما ينبغي أن يكون عليه دور الكتاب والفنانين، والمعنى الذي ينبغي على المرء أن يعطيه لوجوده تجعلها سابقة لعصرها. هي لوحة عن مجتمع متأزم، في عهد ولّى، ولكنها تكتسي أهميتها من كونها مرآة تعكس هموم الحاضر ومشاغله، وتنذر بهزات مجتمعية مماثلة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1168


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة