الأخبار
أخبار إقليمية
الفيتوري بين شجن القصيدة وطيف الطاغية
الفيتوري بين شجن القصيدة وطيف الطاغية
الفيتوري بين شجن القصيدة وطيف الطاغية


04-29-2015 11:47 PM
سؤال تردّدتُ كثيراً قبل أن أصوغه على هذا النحو، لجهة الالتباس والإشكاليات والتعقيدات التي تشكّلت خلال المسيرة الإبداعية والإنسانية لهذا الشاعر، إن على مستوى مواقفه أو ارتباطاته السياسية/ الفكرية على حدّ سواء. ارتباطات تنطوي على مقدار من التناقضات، لذا علينا أن نتمهّل كثيراً قبل الدخول في عوالمه، وإطلاق الأحكام القِيميّة على هذه المسيرة بجوانبها المتعددة. فمن أيّ الزوايا ندخل إلى هذا العالَم المتعدّد؟

ابتداء نتساءل عن المسار العامّ للشاعر، في معنى أنّ ما يطغى على هذا المسار هو التجربة الشِّعرية، بما لها وما عليها، بسطحها وأعماقها، وما عدا ذلك يعتبر من مناخات وهوامش لهذه التجربة، لكنّ الصحيح هو تناول التجربة مرتبطة بهوامشها. ولعلّ أبرز المواقف المرتبطة بهذه التجربة، هو ما يخص علاقته بالنظامين السوداني (النميري) والليبي (معمّر القذافي). والسؤال: هل كان يدرك الشاعر الهارب من جحيم الطاغية النميري في السودان، أنه يعيش في كنف طاغية ليبيا وجحيمه، حين قدّم له المديح، وتسلم موقع مستشار ثقافيّ له، ثم راح يمثّل ليبيا (القذافي) في المحافل والمنابر؟

حياة الفيتوري، وانتماؤه الأصغر (عائلته وأصوله) وهويته الأكبر (قوميّته وعرقه ولونه)، وغير ذلك من تفاصيل، يبدو أنها كانت مناخات إشكالية لجهة دورها في «تربيته» الأولى، وفي تحديد أسئلته واهتماماته الشعرية لاحقاً، وهو ما يقرره من قرأوه أو اقتربوا منه إلى هذا الحدّ أو ذاك. فهو شاعر سوداني أصيل، ودوره في الشعر السوداني والحركة الثقافية الحديثة مهم وكبير، وفيه تتداخل الانتماءات السودانية والمصرية والليبية، ولكن ثمة من يعتبره «ضحية للصراعات السياسية التي تحيط بعالمنا العربي».

على صعيد الهوية والانتماء والتكوين لهذا الشاعر، نستعير ما جاء في مقالة للكاتب الليبي حسين المزداوي (نشرت ضمن ملف في مجلة الدوحة، تشرين الأول - أكتوبر 2014)، الذي يقول أنه توقف أمام دواوين الشاعر محمد الفيتوري وشخصيته، هو الذي يحمل جواز سفر ليبيًّا، و(كان) يشتغل حينها بالسفارة الليبية في الرباط. فعلى رغم قامته الشعرية السامقة، لم يجد (المزداوي) له ولا لشعره حضوراً في المشهد الشعري الليبي. فلا علاقة لمفرداته الشعرية بخصوصية المكان الليبي، عدا تلك القصائد التي تغنّى فيها بمعمر القذافي ومجّده فيها. ويتساءل «هل يكفي شطط المدائح السياسية، والأصول البعيدة، وهل يكفي جواز السفر لولوج خصوصية الحالة الثقافية لأي شعب؟».

وفي هذا السياق، يرى مزداوي أنه «منذ البداية كان انتماء الفيتوري أمراً مرتبكاً، فقد وُلِدَ في منطقة الجنينة على أطراف غرب السودان، من أب ليبي وأم سودانية، ورثت سوادها من والدتها الأمَة المسترقة، جدة الشاعر، فأورثته سواداً في البشرة، وحصة موجعة من سيرة العبودية لتصير، فيما بعد وطنه وانتماءه ولونه الإنساني وقامته الشعرية المتسامقة. ولذلك كافح في التشبث بهذا الوطن الجديد، وهذا اللون الذي انتشله من مأزقه الوجودي، فأصبح موضع تقدير وإشادة، بدلاً من أداة تحقير وازدراء. ومع أن ظهور الفيتوري كشاعر متفرد جاء مع احتدام الحداثة الشعرية العربية، وانطلاق قصيدة النثر، كان هو على يمين حركة الحداثة الشعرية العربية، مع ما شابَ قصيدته من غنائية ومباشرة وخطابة تجاوزها العصر».

ويفاجئنا المزداوي بسلوك الفيتوري ووعيه تجاه «ليبيّته»، كأنّه ضحية «عقدة اللون». فهو يورد هذه الحادثة ذات الدلالات العميقة: عندما أبلغ الفيتوري بوصوله إلى سن التقاعد، وهو في السفارة الليبية في القاهرة، على رغم تقهقر تاريخ ميلاده الحقيقي لأكثر من ست سنوات جعلته ينعم بمزيد من سني الامتيازات، لم يجد أمامه إلا إشعال بركان الهجاء الخامد في أعماقه. فأنشأ قصيدة هجاء في السفير الليبي في القاهرة، يُعيِّره فيها بسواد لونه، ويصفه بأنه «عبد»، ونسي أن لونه الشعري ما كان له أن ينجح ويترسخ لولا دفاعه عن السود، ورفض عبوديتهم في شعره. ولكن بمجرد أن شعر بأن غطاءه المالي وامتيازاته السرمدية بدأت تتهاوى، حتى وزع قصيدةً هجا فيها صديقه الأسود وعيّره بلونه.

هذه الحادثة تستوقفنا لنتساءل عن طبيعة وعمق الموقف من اللون، ومن أفريقيا التي تغنى بها الفيتوري، وهنا نستذكر حواراً بينه وبين المفكر المصري محمود أمين العالم (مجلة الدوحة، العدد المذكور أعلاه)، حول مفهوم الزنوجة والانتماء إليه، نخلص من هذا الحوار إلى أن انتماء الفيتوري إلى أفريقيا، إضافة إلى انتمائه العربي، هو انتماء إلى اللون، وليس إلى هوية أفريقيا بكل عناصرها، فيما الانتماء لا يجوز أن يكون إلى لون البشرة، بل إلى قضية، وهو ما يعني سطحية هذا الانتماء واتكاءه على «عقدة» اللون فقط.

تتمثل المسألة الثانية والمربكة في مسيرة هذا الشاعر، في علاقته بالقذّافي، بعد هجرته من السودان، فأية أسباب قادته في هذه العلاقة؟ وإلى أي مدى ذهب بها كل منهما؟

ثمة علاقات ربطت الشاعر بزعماء سياسيين، على اختلاف المواقع والمواقف، لنجد «علاقته بالسلطة والرؤساء معقّدة»، فقد «أحبّه أنور السادات، وقرّبه إليه في بداية مسيرته، وأرسله ليشارك بلاده في عيد استقلالها عام 1956، وبعدها بسنوات هجاه الفيتوري في قصيدة يمدح فيها القذافي الذي رحب به بعدما طرده النميري وسحب منه جواز سفره وجنسيته، فمنحه القذافي كل ما يريد: وسام الفاتح وجنسية ليبية وجواز سفر ديبلوماسياً ووظيفة سفير، هذا ما جعل الفيتوري يصفه في إحدى قصائده بأنه مثل بعض «المتنبئين».

والإشارة هنا هي إلى قصيدة للفيتوري يكرر فيها عبارة «ها أنت ذا»، مخاطباً القذّافي قائلاً: ها أنت ذا فوق صخر الموت تزدهرُ/ تصحو وتصحو المرايا فيك والصورُ/ ها أنت ذا تنفض الأجيال ثانية/ فتستفيق الضحايا حيث تنتصرُ/ ها أنت ذا أيها الآتي وقد سقط.

الغيم القديم وجفّ العشب والشجرُ... يا حامل الوَحدة الكبرى إلى أفقٍ/ راياتُه النجمتان المجد والظفرُ»...

ويلحّ في مقاطع أخرى على «إنجازات» القذافي، والتعريض بمناوئيه، حتى أنه يخرج «الزعيم» من طينة البشر ومصائرهم، حين يبشره بأنه «استثناء» ومختلف عن بقية البشر: فليسمع الحالمون الراقدون على/ بطونهم والدجى من فوقهم حجرُ/ أن المقادير تستثني الرجال وإن/ تشابه البشر الأفذاذ والبشرُ».

كان الفيتوري، من بين ما كان، وهنا وجه من وجوه الغرابة، شديد الإعجاب بالرئيس محمد نجيب، بينما هاجم جمال عبدالناصر، هجوماً لاذعاً في قصيدة بعنوان «مات غداً» قال فيها: مات/ وملء روحه المسودّة المحترقة / رمز يغطّيه دم المشانق المعلّقة/ وصرخات الثائرين في السجون المُطبقة/ كما كتب قصيدة في بغداد عنوانها «يأتي العاشقون إليك». وأعجب بها صدام حسين كثيراً، فقرّبه منه ومنحه جائزة قيمتها مئة ألف دولار.

وإلى ذلك، فقد كان صديقاً حميماً للرئيس الجزائري السابق أحمد بن بلة، وقد كتب عنه يقول: يا بن بيلا/ ما أجمل أن يصحو الإنسان/ فإذا التاريخ بلا قضبان/ وإذا الثورة في كل مكان»...
دار الحياة


تعليقات 1 | إهداء 1 | زيارات 1507

التعليقات
#1257423 [كسرة بي موية وعصيدة بي لبن]
0.00/5 (0 صوت)

04-30-2015 12:37 PM
رحل (الفيتورى) فقف يازمانى :.... رحل (عاشق إفريقيا) الذى بذر لها بذور النضال . رحل وترك (الحصاد الأفريقى،والعربي) يحصده الزائفون. الزائفون الذين توهموا أنهم أبطالاً ماذا فعلوا بنا وبه يقول عنهم: قتلوني... وأنكرني قاتلي وهو يلتف بردان في كفني... وأنا من ؟ سوى رجل واقف خارج الزمن(رحمك الله بل أنت الزمن)... كلما زيَّفوا بطلا قلت : قلبي على وطني. رحل عنا (الفيتورى) المناضل السودانى والرمز الإفريقى العربي والضمير الإنسانى. رحل وأوصانا قائلا لنا: لاتحفروا لي قبراً سأرقد في كل شبر من الأرض... أرقد كالماء في جسد النيل أرقد كالشمس فوق حقول بلادي. مثلي أنا ليس يسكن قبرا . رحل عنا (الفيتورى) بعدما غرس فينا بذور الشجاعة وقتل فينا الخوف قائلاً لنا: لا خائفاً.. إن صوتي مشنقة للطغاة جميعا... ولا نادماً... إن روحي مثقلة بالغضب... كل طاغية صنم.. دمية من خشب. إخوتى الاحرار: رحل عنا بعد سطوع فجر الحرية وشروق شمسها فى صبح بهيج: أصبح الصباح.. وها نحن على البعد التقينا.. التقى جيل البطولات.. بجيل التضحيات. التقى كل شهيد قهر الظلم.. ومات. الأخوة الأحرار فى كل مكان : قلت لكم (الفيتورى)..(رحل). وبعد رحيله :قف يازمانى. فإمايعود لنا بعد الرحيل. وإما نحن إليه فى الغد (راحلون).

[كسرة بي موية وعصيدة بي لبن]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة