الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
«الحرّاقة» في الميزان الإنساني الأوروبي
«الحرّاقة» في الميزان الإنساني الأوروبي
«الحرّاقة» في الميزان الإنساني الأوروبي


04-30-2015 01:46 AM

واسيني الأعرج

هل هو انتحار جماعي، عن سبق إصرار، تقوده آلة اليأس من كل شيء؟ من المحيط الوطني والعالمي، ومن النفس أيضا. حالة من العدمية لا يمكن تفسيرها إلا بفكرة خسران الحبل السري الذي يربط الإنسان بهذه التربة التي اسمها الأرض.
فقد ارتفع عدد ضحايا الهجرة السرية عن طريق البحر، الحراڤة، بشكل مخيف، إلى درجة أنه لم يعد بإمكان الضمير الإنساني، إذا بقي منه شيء يستحق أن يسمى كذلك، تحمّلها وقبولها، الأمر الذي دفع بالأمين العام للأمم المتحدة، إلى دق ناقوس الخطر ليدفع بأوروبا النائمة في يقينياتها وزهوها ببداية زوال الأزمة الاقتصادية، إلى التحرك بسرعة قبل فوات الأوان وقبل أن يفقد الإنسان قيمته، ويتحول البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة مائية للغرباء ومدفنة للمنتحرين.
الغريب في كل هذا، أن هناك العديد من الأشياء المثيرة التي تدفع إلى التساؤل والغرابة. مثلا، يتوزع الضحايا إلى جنسيات مهيمنة. الأفريقية، المغاربية، والسورية، وغيرها بنسب متفاوتة. مقابل ذلك هناك غياب كلي لأية مبادرة عربية عن طريق جامعة الدول العربية، ولا من منظمة الدول الأفريقية؟ وكأن الأمر لا يهمهما مطلقا إذ لم يحركا ساكنا ذا جدوى، وكأن الضحايا ليسوا عربا أو أفارقة، أي أبناء تلك الأراضي التي تخفي رأسها في الرمال وكأن الأمر لا يعنيها لا من قريب ولا من بعيد.
وهذا يُظهِر بشكل واضح مستوى المواطنة التي يتمتع بها هذا الإنسان في أفريقيا والعالم العربي، الذي يرمي بنفسه في مهالك البحر وهو يعرف جيدا أن احتمال وصوله إلى الضفة الأوروبية ليس فقط ضئيلا ولكنه شبه مستحيل. هذه المواطنة الغائبة والمحتقرة لأبنائها هي التي تجعله يتشبث بالواحد من المئة في مغامرته وهو خير العارفين أن ما يقوم به لا يعدو أن يكون انتحارا مقنعا وقاسيا. الثورات العربية التي فككت النظم السابقة الظالمة، لم تنتج للأسف أي نظام بديل لحماية أرواح الناس وممتلكاتهم. أن تقوم بثورة هذا يعني أن تفترض كل الاحتمالات وتقدم البدائل الممكنة لحماية الأوطان من التلاشي. وكأن الثورات نفسها أصبحت دافعا للمغادرة بدل التشبث بالأرض التي تمت التضحية من أجلها ومن أجل التغيير. قد نفسر ذلك طبعا بحداثة الفعل لكن هذا وحده لا يكفي، ربما انعدام الرؤية المستقبلية أساس لذلك كله. الغرابة الثانية، وهي مثيرة للانتباه أيضا، وتتلخص ردة الفعل الأوروبية العسكرية أكثر منها الإنسانية.
بكل تأكيد تواجه إيطاليا الموجات المهاجرة أكثر من غيرها إما كأرض عبور بحثا عن بلد تجد فيه تسهيلات للاستقرار، أو كأرض للبقاء عليها مهما كانت قسوة الصعوبات بالخصوص بعد النجاة من رحلة الموت. لكن هذا كله لا يبرر أبدا فكرة الالتجاء إلى الحلول العسكرية أبدا.
كان على أوروبا المتسائلة عن معضلة الهجرة السرية، والباحثة عن الجدوى، في مؤتمرها الاستثنائي الأخير في بروكسيل، الذي خصص لفحص دراسة مأساة الهجرة السرية والوقاية منها ومحاربة الشبكات المافياوية، كان عليها الخروج من فكرة الحلول العسكرية، والعمل على تعميق المساعدة الإنسانية باستقبال يتجاوز فكرة الكوطات التي حُددت بحسب إمكانات كل بلد، والعمل بشكل أعمق على الإصغاء إلى أصداء الضفة الأخرى التي تريد إســـماع صوتها بكل الوسائل، بما في ذلك الانتحــــار الجمـــاعي كما يفعل الحوت عندما يخسر ألفته مع المكان. حتى فكرة رفع المساعدات إلى ثلاثة أضعاف، من ثلاثة مليارات إلى تسعة، التي تنفذ في البحر في السواحل اليونانية والإيطالية من خلال Triton، و Mare Nostrum وتدعيم وكالة فرنتكس Frontex المكلفة بحراسة الحدود المائية التي أصبحت عرضة لكل الاختراقات، لم تعد كافية لإنهاء هذا الانتحار الذي ليس في النهاية إلا صدى لأزمات متواترة تمس أفريقيا والعالم العربي.
من المهم بالنسبة لأوروبا طرح السؤال القاسي الذي لا يمكن التهرب منه: لماذا تحولت ليبيا مثلا إلى مساحة للموت الداخلي، بسبب فوضى التقتيل والحرب الأهلية؟ الغريب في هذا الاجتماع الأوروبي الأخير هو القرارات المتخذة والتي تنتمي إلى زمن يذكر بالاستعمار الذي أطلق العنان لقوته ليفرض نظامه الذي لم يخرج الكثير من الأمم منه حتى اليوم، منها قرار التدخل العسكري في السواحل الليبية، وتدمير الزوارق قبل إقلاعها.
الأمر الذي يعني قتل «الحرّاقة» بكل بساطة في عقر ديارهم. هذا المقترح طبعا سيحتاج إلى موافقة ضرورية من مجلس الأمن. السؤال الأكثر جدارة الذي تتفاداه الثمانية وعشرون دولة أوروبية ممثلة في المؤتمر، هو ما المبرر الأساس لتنامي الهجرة السرية بهذا الشكل المتسارع؟ المرض الحقيقي يكمن في صلب السؤال نفسه. حل معضلات الأسباب، هو مقدمة إيجابية للحل الكبير والنهائي. ماذا عن الحروب التي لعب فيها الأوروبيون، وما يزالون يلعبون الدور الحاسم، بسبب المصالح الاقتصادية التي لا يهم فيها مصير العربي إلا قليلا؟ أشار الرئيس الفرنسي، فرانسوا أولاند، إلى ذلك حينما لمح إلى أن الحرب على ليبيا لم يكن تحضيرها جيدا. والملاحظة غمزة غير بريئة ضد غريمه ساركوزي الذي جعل من قتل القذافي، برفقة فيلسوف الحروب، برنار هنري ليفي، رهانه الأساسي، بحجة حماية بن غازي، ليحول ليبيا في النهاية إلى مساحة للموت اليومي، ومركزا للاتجار بالأسلحة وتهريبها نحو بلدان المغرب وإفريقيا.
ماذا عن التبادلات الاقتصادية السرية، غير العادلة، وماذا عن خيرات هذه البلدان التي تنهب من هذه الدول التي تنخرها الحروب الأهلية المدمرة، وهي غنية بخيراتها؟ ماذا عن النفط العراقي والسوري والليبي؟ الذي تبيعه المجموعات الدينية المتطرفة، لتمويل حروبها المدمرة للذات؟ ينقص أوروبا اليوم الرجل الشجاع الذي يضع كل شيء على الطاولة، ويتدارسه بجدية والتزام وصرامة وإنسانية أيضا لكي لا يتكرر من جديد ما حدث في ليبيا.
الحلول الأمنية لا تقدم شيئا لأن الهجرة السرية فقدت كل خوف أمام الموت. والشبكات المافيوية لن تتوقف عن عملها، ما دام يدر عليها الأموال الطائلة لتوسيع تجارتها.
أية متوسطية يريدها الأوروبيون في غياب كلي للمعنيين بالأمر من الضفة المواجهة؟ متوسطية إنسانية يتم من خلالها تفهم ما يحدث. أن يغرق أكثر من ألف مهاجر سري في يوم واحد، يحتاج أولا إلى تأمل الظاهرة بحكمة وإنسانية وتبصر، وليس فقط الالتجاء إلى حل أمني يهدف في النهاية إلى غلق الحدود المائية، وربما فتح حروب جديدة مع ليبيا ولكن أيضا، ومع كل السواحل التي يأتي منها المهاجرون السرّيون، مما يضع الضفة المقابلة من المتوسط ليس فقط في مرمى الطيران الأوروبي، ولكن أيضا تنمــــية الأحقاد التي وصلت إلى سقف لم يعد يهدد السواحل الجنوبية من المتوسط، ولكن أوروبا نفسها. قد يبدو اليوم التفكير في مخطط مارشال الذي غير وجه العالم بعد الحروب المدمرة، غريبا لكنه أكثر من ضرورة، ويحتاج إلى قناعة واسعة وسخية، غير تلك المتسيدة اليوم في أوروبا، تحكمها رغبة حقيقية في حلّ إنساني حقيقي خارج نفاق السياسات المرحلية وأولوية الاقتصاد. تحتاج أوروبا إلى سخاء كبير ورؤية مستقبلية حقيقية وذات جدوى أيضا لسكان الضفة الجنوبية. لا يمكن لأوروبا أن تحل مشكلاتها فقط بمعزل عن الضفة الجنوبية لأنها مرتبطة بها عضويا وتاريخيا. ولا يمكن للنفاق السياسي أيضا أن يوفر مناخا لحلول حقيقية. اليأس في النهاية رديف للمغامرة، صنوها، والمغامرة لا حدود لجنونها.

واسيني الأعرج
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1347


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة