الأخبار
أخبار إقليمية
رحيل الشعراء
رحيل الشعراء
رحيل الشعراء


05-05-2015 01:19 AM

أمير تاج السر

في الأيام الماضية، رحل عبد الرحمن الأبنودي، ومحمد مفتاح الفيتوري، اثنان من ألمع شعراء الزمن الجميل، حين كانت للشعر مكانة عظيمة في دنيا الإبداع، وللقصيدة سواء أكانت حديثة أو تقليدية، نجومية تؤهلها للسطوع في أرقى الأماكن، وللبقاء زمنا طويلا في أذهان القراء، وأيضا لتردد في المجالس والطرق والمقاهي وقاعات درس التلاميذ، ويستشهد بها الناس في خطبهم ومكتاباتهم النثرية، وأيضا تقام لها المهرجانات والمسابقات الكبرى في كل مكان.
وعلى الرغم من قلة دور النشر، ومحدودية توزيعها، في الفترة التي ظهر فيها الأبنودي والفيتوري، وكثيرون غيرهما من الشعراء وكتاب القصة والرواية العرب، إلا أن انتشارهما كان كبيرا، وما قدماه من إنجاز شعري، كان يصل وفي كل وقت إلى عشاق الشعر في كل مكان. وأعتقد أن ذلك ناتج من انشغال الناس بالقراءة وسعيهم لاكتساب المعرفة المكتوبة، بوصف فعل القراءة، أداة الترفيه الوحيدة الموجودة في ذلك الزمان، بعكس اليوم، حيث تعددت وسائل اكتساب المعرفة، وانهزم فعل القراءة كثيرا، لينحصر في الغالب، في أجيال شهدت مجد الشعر والنثر.
بالنسبة لعبد الرحمن الأبنودي، الذي يسمى الخال، ربما لتواضعه، وربما لإحساس الآخر الذي يطالع تجربته، بقربه الشديد منه، فقد تعرفت إلى تجربته مبكرا، وكانت قصائده بالفعل شديدة القرب للمخيلة الشعبية، ليس في مصر وحدها، على الرغم من أنها باللهجة المحكية المصرية، ولكن في الوطن العربي كله، وتمنح الإحساس للذي يقرأها أو يستمع إليها، بأنها كتبت في بيته، وصاغها أحد أفراد أسرته، أو جيرانه، وأذكر كيف كان تفاعلنا الكبير، مع خطابات الأسطى حراجي القط، العامل في السد العالي في أسوان، تلك الملحمة الشعرية الاجتماعية الشعبية، وكيف كان إلقاء الشاعر لها، يمنحها بعدا أسطوريا، لتصبح في يوم ما القصيدة الأكثر رصانة، التي يرددها الناس. كان حراجي هو الإنسان الرمز، وفاطمة هي الوطن الخاص والعام. وغير خطابات القط، كتب الأبنودي كما هو معروف، كثيرا من القصائد الوطنية والعاطفية، التي رددها المغنون، والتي ظهرت بصوته في أشرطة مصاحبة لدواوينه، وكان دائما حاضرا بقصائده في المناسبات الوطنية، وصاحب قصيدة راعية للمقاومة، والحرية والعدل، ورأيي الشخصي، أن شاعرا بحجم الأبنودي، من المفترض أن يقيم كتجربة كبرى لا بقصيدة أو قصيدتين ربما كانتا أقل وهجا، وكذا التجارب الكبرى للمبدعين عموما، تحمل الجمال والرصانة داخلها في الغالب، وتشع ليستمتع بها الجميع.
ورغم أن الأبنودي كتب الرواية الا أن مايعجبني فيه وفاؤه لقصيدة العامية المصرية حتى النهاية. وهناك كثير من الشعراء، كتبوا الرواية مبكرا، ومشى إبداعهم الروائي جنبا إلى جنب مع الإبداع الشعري، وكلا النتاجين كان مبهرا، ولعل الألماني غونتر غراس، الذي رحل هو الآخر في الأيام الماضية، من الذين كتبوا الشعر والرواية، حتى رحلوا. ولدينا عربيا على سبيل المثال، الصديق إبراهيم نصر الله، الذي أبدع تجربتين كبيرتين، في الشعر والرواية.
محمد الفيتوري، السوداني الليبي، أو الأفريقي المختال بأفريقيته، وتغنى بوسامة القارة السمراء منذ انطلاقته الأولى، يبدو لي من الشعراء الأساطير، بكل ما كانه، وما قدمه للمكتبة العربية، وللأخيلة العديدة، أن تستعيده ولا تمل استعادته. وبلا شك كان الفيتوري من المؤسسين لحركة الشعر الحديثة، جنبا إلى جنب مع شعراء من مصر والعراق والشام. وكان شعره أسوة بالشعراء السودانيين الذين عاصروه، من أمثال محمد المهدي المجذوب، ومحمد عبد الحي، وغيرهما، ممتلئا بالأساطير والنفس الصوفي، وقد تميز بالفعل في الترميز بالصوفية، وتحويل مفرداتها إلى شعر عذب، طالما طرب له الناس، وكل يعرف قصيدته «ياقوت العرش»، وقصيدته «معزوفة لدرويش متجول»، وغيرهما من القصائد التي أصدرها في دواوين عديدة. وكنت دائما أحس بما يحس به الدرويش، من نشوة، يتمايل بها، كلما قرأت شعرا للفيتوري. وقد ظل الفيتوري يكتب إلى عهد قريب، لكن إنهاك المرض أوقفه، لتتوقف التجربة عند حد معين، كتجربة مميزة ورائدة، في الشعر العربي الحديث.
أعتقد أن رحيل الشعراء، خاصة من أرسوا دعائم، أو رصفوا تجارب جديدة، أو مهدوا الطريق لغيرهم، ليس أمرا هينا، نحن لا نتعامل هنا مع شخص قضى آزمنة سعيدة وحزينة في الحياة، ومضى، إنما نتعامل مع روح، بذرت شيئا منها في حياة الناس، وستظل تحلق دائما.
صياغة الإبداع منح ربانية، ينالها البعض ولا ينالها البعض الآخر، وكلما رحل مبدع، سنظل نذكره، ونظل نتعلم من تجربته، وأعتقد وهذا ما أردده دائما، بأن المبدع ليس مطالبا بافتعال المواقف، إرضاء للناس، وإنما يقوم بصياغة المواقف بناء على رؤيته الخاصة، فينجح حينا ويخفق حينا آخر، إنما تظل مخيلته، هي المخيلة المحترمة، التي علينا اتباع ما تنتجه، ولطالما لم أحب أبدا، أن يزج بمبدع، في جدل بعيد تماما عن الإبداع.

كاتب سوداني

أمير تاج السر
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1137


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة