الأخبار
أخبار إقليمية
فاطمة عتباني.. شراع الإبداع.. ضفاف المشاعر
فاطمة عتباني.. شراع الإبداع.. ضفاف المشاعر
فاطمة عتباني.. شراع الإبداع.. ضفاف المشاعر


05-06-2015 10:30 PM
د. هشام محمد عباس ــــ أستاذ جامعي

عند ملتقى النيل الأبيض مع النيل الأزرق ناحية الخرطوم بحري يتجدد اللقاء بمولد الروائية الأستاذة فاطمة محمد عمر عتباني، فتشربت تجربتها الإبداعية من مياه التلاقي حكايات وقصص عبَّرت عن الخرطوم بحري المعنى المتجسد في وطن صغير سكنت فيه ثقافات وأعراق من كل السودان بل ومن خارج الوطن.

* قدمت فاطمة العتباني مجموعة قصصية رائعة في العام 2003م تحت عنوان (بربارة والمجذوب) وكانت المدخل الأول لتعريفها بالقراء ثم قدمت بعد ذلك مجموعة قصصية أنيقة بعنوان .. (العودة في زمن الرحيل) إضافة إلى ذلك فقد اتجهت نحو الشعر العامي فقدمت ديوان حروف مسافرة وديواناً آخر بالشعر الفصيح بعنوان نبض المشاعر.

* إن تملك الروائية السودانية فاطمة العتباني من الكلمة واستخدامها بمرونة ورشاقة على خلفية موهبتها الشعرية مكنتها من استخدام مفردات خاصة جعلت لكتابتها طعماً ولوناً ورائحة تميز إبداعها الكتابي فأصبح لرواياتها عناوين تختارها بعناية لقصصها وحكاويها.

* هناك شبه عميق بين كتابات فاطمة العتباني وغادة السمان فكلاهما لهما المقدرة الفائقة في الغوص داخل مخابئ الكلمات ومخازن الحروف فإن كانت عناوين غادة السمان .. (أعلنت عليك الحب) و(البحر يغرق سمكه) فإن عناوين العتباني كانت موجودة، بلا ملامح، وفضاء الضياع.

* إن هذه المقدرة الفائقة في اختيار العناوين يبرز مقدرة العتباني في التغلغل في بواطن الكلمات واستخراج المعاني بصورة مدهشة تعطي القارئ الاحساس بأن الكاتب سباح ماهر يصطاد لؤلؤ المعاني في رشاقة ويسر واستعراض بديع.

* إنني اليوم أكتب عن المجموعة القصصية التي قدمتها فاطمة العتباني في العام 2013م وأصدرتها هيئة الخرطوم للصحافة والنشر والتي جاءت بعنوان "قوت النمل" والذي حوى أكثر من عشر قصص كانت قوت النمل أهمها بالإضافة إلى بلا ملامح، كانت موجودة، عم جون، طائر النورس، في انتظار العودة، الهتير، صابرة، شجر الصفصاف، النصر العائد وفضاء الضياع.

* جاء التقديم لهذه المجموعة بقلم البروفسور/ علي محمد شمو وذكر أن "قوت النمل" هو عنوان هذا العمل من القصص القصيرة التي أكدت نبوغ المؤلفة والراوية الأستاذة فاطمة عتباني التي تميزت بالإفصاح والبلاغة والقدرة على التعبير الواضح بلغة تجعل القارئ لهذه القصص القصيرة مبهوراً بذلك المستوى الرفيع من الكتابة بالعربية الفصيحة التي قلَّ من يستطيعون الكتابة بها بمستوى يضاهي ما كتبت به فاطمة العتباني هذا السفر القيم، فهي مكتوبة كما يقول بروف شمو بلغة فصيحة أنيقة المفردات، جميلة المعاني، توحي بأن الكاتبة متمكنة وحاذقة لهذه اللغة التي انحسر من يملكون زمامها في عصرنا هذا.

* في القصة الأولى قوت النمل كأن العتباني تقول إن الحياة تستمر رغم قسوتها والأمل يتجدد رغم الظلام وهذه القصة في تقديري قماش اجتماعي، يفصل حسب المشهد والموقف والقصة، تبرز صوراً اجتماعية متعددة الزوايا وتعكس من خلال هذه القصة التعبير الموضوعي عن قضايا الناس وهمومهم بصورة رمزية غائصة في العمق، وفي قوت النمل قالت العتبان الكثير في عبارات موجزة.

* أما في القصة الثانية بلا ملامح فإن فاطمة العتباني تعكس قضايا التلاقي الوجداني والزواج في السودان وهي بذلك تلامس مشكلات اجتماعية معاصرة وأشارت إلى حلول ولكن بطريقة ذكية وكأنها قالت إن استمرار العلاقات العاطفية وتأخير الزواج لمدة طويلة سيصبح مثل الشجر الذي لا ثمر له ولا ظلال، وفي تقديري أن بلا ملامح لو نطقت لقالت"إن العيون والتلاقي تشحن المشاعر والبعد يذوب الذاكرة العاطفية ويجعلها باهتة واللقاء المادي هو السحاب الذي يمطر الأحاسيس والمشاعر.

* أما القصة الثالثة "كانت موجودة" فهي تعبر عن حالات اجتماعية بطريقة واضحة ووضعت الحلول لتماسك البيت الأسري عندما أهمل أحد الزوجين الآخر، وهي قصة مليئة بسلوك الحكمة والتعاطي الإيجابي مع المشكلات الاجتماعية، وقد أبدعت العتبانى في اختيار خاتمة عميقة لهذه القصة عندما قالت "ذات صباح رنَّ الهاتف وكان هو بعيداً عن مكان وجوده"، قرأت تلك العبارة المقتضبة التي كانت تحويها الرسالة "أين أنت" قالت في نفسها قبل أن تمسح الرسالة "هو موجود ولكن أيضًا أنا موجودة".

* وفي قصة عم جون تحكي العتباني عن العلائق الاجتماعية الراسخة بين السودانيين في الشمال والجنوب وتلكم الصداقة التي نشأت بين جون وحاج عبد الله حتى تطورت إلى مصاهرة، وقد عكست أحداث هذه القصة روح الإخاء والتعايش في نموذج حي السكة الحديد وأحياء السكة الحديد في تقديري وفي كل أنحاء السودان تحكي قصة وطن مصغر بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى، فأهل الشمال في هذه الأحياء يأكلون "الكجيك" و"الكالقو" و"الكرنجك" ويأكل أهل الجنوب الملوحة والقراصة والويكة وقد عكست العتباني من خلال هذه القصة صوراً اجتماعية خلقتها الحرب والنموذج الذي قدمته يخرج مبررات الحروب من أسبابها وتصور الحشود التي زارت جون من الشماليين من حي السكة الحديد في المستشفى أثناء مرضه لوحة للتعايش.

* وفي قصة "انتظار العودة" تحكي العتباني عن مشكلات الهجرة من المدينة إلى الحضر وسوء التقديرات التي يقع فيها المهاجر وهنا تعكس نموذجاً رائعاً للمرأة السودانية "حواء" وشقها لطريق الحياة وتربية أبنائها دون زوجها إبراهيم وتنهي القصة لصورته بأنه يقضي كل المساء في السمر في جلسة بائعات الشاي ويجتهد كل ليلة عندما يخلد إلى الفراش أن يستحضر في ذاكرته صوة باهتة لتلك الأسرة التي ترك الدنيا من أجل سعادتها يعود إليها بالخير من المدينة، فهو لا يعتريه الشك لحظة أنهم مازالوا في انتظار العودة.

* أما الهتير وهي لوحة أنيقة في "قوت النمل" فتحكي عن الشخصيات النمطية الموجودة في كل قرية هو تماماً مثل "الزين" في عرس الزين للطيب صالح ولكن التعامل السلبي معه من المجتمع حوله إلى وحش كاسر ومن هذه القصة تبرز معاني عمق البسطاء في التعبير عن المشاعر.

* وتتناول العتباني قصة "صابرة" وهي صابرة على هجر زوجها وخيانته بالتخلي عنها وأولادها وصبرها على ضنك العش حتى تخرج الأبناء في جامعات مرموقة والملاحظ أن العتباني في كتاباتها تميل إلى تمجيد المرأة ربما انحيازاً لجنسها لكن في تقديري أن هنالك نماذج اجتماعية من الرجال يمكن أن يقوموا بذات دور المرأة وثمة ملاحظة أيضاً أنها دائمًا تبرز المرأة المظلومة الصابرة المتفوقة على الرجل ولا أدري لماذا لا تكتب عن المرأة التي ربما تكون سبباً في انهيار المنزل وتدميره وليست المرأة شخصية "حالمة" كما تعكس العتباني دائماً، ولكن يبدو أنها تعكس واقعاً مضافًا إليه الخيال وهي تستلهم هذا الواقع ربما من البيئة المحيطة بها وإمكانية تعاملها مع المرأة أكثر من الرجل.

* وفي قصتها "النصر العائد" تقدم العتباني صوراً اجتماعية سالبة عن الحرب بإحساس عميق وهي رسالة الأدباء في ملتقيات السياسيين فحبذا لو تم تدريب المفاوضين في الحروب على قراءة مثل هذه القصص فحتماً ستقرب وجهات النظر.

* إن هذا التناول هو جزء يسير من قصص متعددة حواها "قوت النمل" وهي تجربة تعكس عمق قلم الأستاذة فاطمة العتباني بأسلوب ساحر وأحداث متسلسلة وشخوص متعددة موجودة في المجتمع السوداني، فهي بذلك ترسم الكلمة بألوان ومشاعر الشخصيات وتخلط دموع الفرح والحزن في قصص فريدة قريبة من قضايا الناس.

* اختم بالتوفيق للأستاذة فاطمة العتباني، وهي قلم جدير بالاحتفاء وامتداد للمبدعات السودانيات في المجال القصصي والروائي ويقيني أن هذه النماذج يجب أن تدخل ضمن مناهج ومقررات الجامعات السودانية في الكليات والأقسام التي تهتم بتدريس الأدب، وأحذر أن نكتشف مؤخراً ذلكم الإبداع دون أن يجد حظه من التقييم والتقويم والتداول.
الصيحة


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2802

التعليقات
#1261999 [شار الرماز]
1.00/5 (2 صوت)

05-07-2015 03:44 PM
والله سمعت لها حوار بين مذيعه فى الاذاعه السودانيه وانا فى سيارتى وفى الطريق بين جده ومكه وكانت تتحدث بثقه وفهم وعبقريه واقناع فاعجبت بها ولكن لم اعرف سيرتها الذاتيه ولم اعرف اماكن تواجد كتاباتها حتى اطلع عليها فاتمنى ان قراءت سطورى هذه ان ترد على واكون شاكر

[شار الرماز]

#1261953 [adil a omer]
1.00/5 (2 صوت)

05-07-2015 02:30 PM
لجيل الثانى من الفشل والخيبه المغلفه بالابتداع بيجهزوا ليكم فيهو

فتحوا عيونكم كويس الظاهر حيكون فى تغيير فى منظومة الاسياد

امان ربى امان

[adil a omer]

#1261432 [علي]
1.00/5 (2 صوت)

05-07-2015 01:26 AM
هل هذه اخت الكوز المخلوع عتباني ؟

[علي]

ردود على علي
European Union [المفتش] 05-07-2015 06:12 PM
بألمناسبة العتبانية كلهم عائلة كيزانية 100%

[الغاضبة] 05-07-2015 03:24 PM
يبدو ذلك يا علي، في شبه بين الاثنين ومن شكلها يبدو انها كوزةوالله أعلم ... المقدمة عملها علي شمو .... !!!



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة