الأخبار
أخبار إقليمية
الكتابة هي تمرين على الحياة، ومغالبة الأوجاع والألم ، وفق إغواء البحث عن الذات والمعنى والحقيقة
الكتابة هي تمرين على الحياة، ومغالبة الأوجاع والألم ، وفق إغواء البحث عن الذات والمعنى والحقيقة


الروائي السوداني عماد البليك في حوار خاص
05-07-2015 02:23 PM
مفاكرة - علي مختار

الروائي السوداني عماد البليك ... يتميز بخيال واسع واسلوب سردي روائي سهل ممتنع ...نشر اول روايتين دفعة واحدة عام 2004 م وهما ( الانهار العكره ، ودنيا عدي ) وفي عام 2008م نشر روايته(دماء في الخرطوم) وفي عام 2013م نشر روايته القط المقدس ...واخيرا نشرت له دارمومنت بالمملكة المتحدة روايته (شاورما) فأثارت جدلا كبيرا في الاوساط العربية ...وهي رواية تحكي التحولات السيوسيولوجية العميقة في بنية المجتمع السوداني عبر حقب تاريخية مختلفة ..والروائي البليك يؤمن بدور الادب المستقبلي وحافزيته لفعل الحياة والانتماء ... ..فالى مضابط الحوار :
اجراه لصحيفة مفاكرة الإلكترونية : ابراهيم علي
1/ من المعروف ان الكرنوتوب بلغة النقاد او الإطار الزمكاني لروايتك (شاورما) هو السودان وتركيا ما الذي دفعك لكتابتها وماهي الاسئلة السياقية التي اجابتها؟
شاورما هي رواية قبل أن تكون سؤالا، هذا إذا كان من مهمة الرواية أن تجيب على أسئلة بعينها، ولا أظن أنني كتبتها بظن أنني سوف أقدم إجابات محددة، بقدر ما سيكون النص مفتاحا للعديد من الاستفهامات حول تجربتنا السودانية والمجتمع الجديد، الذي تشكل ما بعد خروج الإنجليز من البلاد، ولماذا فشلت الدولة الوطنية وما هو مستقبلنا؟ هي أسئلة عامة لكني لا أزعم أن أي نص قادر على أن يكون مدونة لمضارعة الواقع وتقديم بدائل له. النصوص هي تصورات ذهنية تستند على الواقع نعم، لكنها، لها عوالمها الخاصة التي تتقاطع مع الخارج والمرئي حتى لو لم تلتصق به مباشر، لهذا فإن ما يحدث أننا لا نستنسخ الواقع في النص بقدر ما نحيل إلى المجردات، أي إلى طبيعة المسائل المعقدة التي هي سؤال الحياة الكلي والمجتمع في بلد كالسودان، حيث الرغبة في تغيير الواقع والانتقال به إلى درجات أسمى هذا إذا كان للأدب من وظيفة معينة في هذا الباب، لكنه عموما لا يفعل سوى تحفيز الأذهان وإعمال التخييل لرؤية حياة أرقى. لقد كتبت شاورما لأنني أحسست برغبة في الاكتشاف، كانت الفكرة قد بدأت بسيطة تتعلق بالفشل والنجاح لماذا يحدثان؟ سواء على مستوى الإنسان الفردي أو على مستوى الأمم والشعوب، هل التاريخ له أثر والتراث المتراكم، هل هي قدرية لابد منها، هل للإيمان المترسب والمعتقدات دور في تشكيل نمط حياتنا وصورنا عن أنفسنا، وكان ذات يوم أن رأيت صورة ذلك الصبي الذي قدر له أن يهرب من عائلته لأنها تمارس العنف ضده، لتصبح الحكاية صورة لمجتمع بدأ ينمو جديدا في السودان. فهذا الصبي كان الثيمة التي حركتني للقول، لكنني أيضا لا يمكنني أن أغفل جانبا آخر يتعلق بكيمياء ودفء البحث عن الأمس، أحيانا نعتقد أن الذكريات فيها الحلول المفقودة التي ضيعناها ذات يوم. بطل شاورما كان إنسانا مغامرا وطموحا وخارجا عن التقليد استطاع أن يواجه مجتمعا بأثره ويخرج عن سلطته وتعافى من السلطة الأبوية والأنساق التقليدية وكان براغماتيا لحد كبير، لا أزعم أن هذه الصورة محبذة لي لكنني كنت أحاول أثناء الكتابة التعرف على إمكانية تشكيل وعي جديد للإنسان السوداني أو الإنسان عموما في البلدان التي على شاكلتنا لأن الحكاية أساسا لم تنطلق من صورة سودانية، بل من مشهد لفتى من النيبال على ما أظن كان يعمل في محل شاورما حقيقي لكنه صار سودانيا ودخلت تركيا ليس لما يتعلق بالشاورما بل لأن تركيا لها علاقة تاريخية مع السودان أثرها ما زال حاضرا، ولأن نسق التجربة قد يتشابه لبلدين أحدهما تطور وقفز والآخر ما زال يعاني ما بين المتخيل والحقيقي، هي الكتابة ليس لها من إفادات مقنعة ونهائية لأنها تصورات وظنون وقبل ذلك وعي متحرك باتجاه زمن غير ثابت.
2/ هل أنت راض عن تلقي الجمهور والنقاد لها رغم الصدي الكبير الذي أحدثته؟
لحد ما نعم، فهي قد حققت أكثر مما توقعت ففي ظرف أشهر وجيزة قرئت بكثافة ونشر عنها الكثير جدا من المقالات والأخبار والقراءات النقدية في السودان وعربيا، وهذا جيد بالنسبة لحدود التوقع في الوقت الذي قد يمكث فيه نص معين وقتا طويلا قبل أن يلتفت إليه أحد، كذلك أشير إلى ما تلقيته من رسائل لا تحصر وتعليقات وإشارات حولها، وهذا يعني أنها نجحت في الاقتراب من شيء ما في دواخل الناس، البعض قال إنه البحث عن الذات والنجاح وفسر الأمر من زاوية النماء البشري، والبعض تحدث عن تصوير حقب ثلاثية من السودان المعاصر وبحث عن البعد السياسي في النص، وثمة من ركز على تفكك مفهوم الأسرة التقليدية أو قيمة التعليم اللانظامي في مقابل فشل التعليم المدرسي والنظامي. كل هذه تصورات تمثل انفتاح النص للتأويل والقراءة، وهذا ما يرضيني أن يصبح النص مفتوحا بلا قيود لزرع التفكير والأمل، خاصة لدى قطاع كبير من الشباب الذين كانوا أكثر تفاعلا مع الرواية في كونها تمثل ربما أسئلتهم باتجاه الواقع والحياة الحديثة في ظل ما يعيشه البلد من قضايا وتعقيدات لا حصر لها. بالنسبة للنقد ثمة أكثر من اتجاه وقراءات لا أعني بحصرها بقدر ما يمكنني القول أنني كنت نفسي من خلال أي قراءة أرى صورة أخرى قد أكون لم التفت لها، وهذا جيد على أية حال.
3/ لا يخفى تأثرك بالفرانكفونية والتاريخ البنيوي خصوصا في روايتيك (القط المقدس، وشاورما) ؟
ربما تقصد الاهتمام بالبناء الاجتماعي وتداخلته في محيط السياسة والثقافة والتطور المتعلق بالاقتصاد والمعاش، هذا صحيح نوعا ما، فالحياة كليات لا يمكن فرزها، سواء في الواقع أو النص، وفي النص لابد من هذه التركيب العميق الذي يعيد إنتاج التصورات بناء على قطيعة مع المعرفة التقليدية بما يجعلنا نخرج في النهاية بتصور جديد. إن أي رواية أو قصيدة لا تقدم لنا رؤية جديدة للعالم ليس بإمكانها أن تعيش بدواخلنا. الفرانكفونية اهتمت بإعادة قراءة سياق الواقع الاجتماعي ونقده بدرجة لاذعة وكشف عورات عصر التنوير، وكما يرى فلاسفة فإن أثرها كان عميقا في تيار ما بعد الحداثة، وهي تحاول الربط أو إيجاد وصلات بين كيف نفكر وكيف ننقل الأفكار إلى حيز الواقع المعاش. لا أقول أنني بنيويا أو فرانكفونيا ولكني لحد ما معجب بالأسلوب الفرنسي في قراءة العالم والتعريف به، فالمسحة الفرانكفونية لها دور في تشغيل قطاعات الحياة المتنوعة بأثر ثقافي لابد منه، أي بفكر وفلسفة، وهذا يحرر الفكر من الجمود ويجعله إنسانيا. (القط المقدس) هي رواية كتبت في فضاء من هذا النوع، هي سؤال عن الفنون والثقافة والسياسة في بلد متخيل اسمه فرنسا في ستينات القرن العشرين، ليست هي فرنسا التي أعرفها وتعرفها هي عالم آخر ليس له من وجود بخلاف النص. وهذا يعني أن الرواية هي واقعية في حيزها وهي تجيب على أسئلة "كوزموبوليتية" بقدر ما تجيب على أسئلة منطقية وبسيطة تتعلق بالواقع السوداني مثلا، فكاتب الرواية ينتمي لهوية بلد اسمه السودان، وهذه هي نصوص فترة ما بعد الحداثة التي تزيح الفواصل التقليدية بين الشعوب والأمكنة أو تستبعد قراءة التاريخ بشكله المتوارث. شاورما أيضا كان لها ذلك البعد التفكيكي أو التحليلي للنسق الاجتماعي بشكل عام، ربما لم يكن للثقافة والفنون دورا واضحا فيها إلا في الخلفيات العميقة للنص، وهذا يعني أنها رواية سسيوسياسية (اجتماعية، سياسية) كما فسرها البعض مثل الأستاذ عيسى الحلو، الذي قال إنها تقوم على تقاليد القرن التاسع عشر في الرواية، قد يعني النمط والبناء ولكن حتما لا يعني الأسلوب والتشكيلات المعرفية التي هي اليوم مختلفة تماما. إذن فالبعد الاجتماعي وتفكيك المجتمع وتحليله ونقده هي أحد ما يشغلني من أسئلة في الرواية أو الحياة عموما، لأنه ليس من سبيل للنهوض بسوى ذلك.
4/ ماهي الرسالة التي تود ان توصلها من خلال مشروعك الروائي؟
كثيرا ما أسأل نفسي سؤالا حول لماذا أكتب؟ أو لماذا يكتب الناس، أو بشكل أعم عن الفنون ودورها في الحياة البشرية، هل هي لها رسائل معينة وأدوار أم هي مكملة لأدوار أخرى، أم كما قيل "الفن للفن". كل الإجابات السابقة صحيحة، لكن الفنون هي اشتغالات الجزء المتعالي من الذهن الإنساني ذلك الذي ينشد قيم الخير والجمال والمعرفة، حتى لو أن نتاج الفن أحيانا كان شريرا وقاسيا كما يذهب المفكر الفرنسي جورج باتاي. أنا لا أكتب برسالة معينة يكون لها أن تسجل اشبه بما نقيس و التزم به أو أحدد به غرض الكتابة، كما يحدث عندما تنشيء بحثا أكاديميا وتحدد دوائر معينة يكون عليك ان تشتغل عليها وتجيب على أسئلة بعينها تكون ذات أثر نفعي مباشر بعض المرات. لكن أكتب وفق إغواء البحث عن الذات والمعنى والحقيقة، فالكتابة هي تمرين على الحياة أو هي مغالبة الأوجاع والألم، وربما هي السيطرة على الزمن المنزلق الذي يُعجزنا في كثير من الأحيان ويثنينا بعيدا عن المثال والواجب. تعني الكتابة بهذا الشكل التزاما أخلاقيا إن جاز التعبير، لكنها – الأخلاق- تخضع لقانون آخر يفرضه النص ليس هو أنظمة الحياة الخارجية والمدركة، لأن الخيال أحيانا يقود الواقع بعمله على إيجاد، ليس ما يسمى بالبدائل إنما النماذج الممكنة لحياة أفضل، وبالتالي صور للأخلاق والقيم البديلة، بهذا المعنى قد يكون رساليا.. لا أدري !!
5/ المرأة في دنيا البليك وفي أعماله الروائية؟
المرأة هي حضور أكيد في الحياة وفي النص، لكنني لا أعمل على تقييدها عبر توصيف أو تصنيف أو خواص معينة، فأنا لا أكتب لقضية المرأة كما يقال أو لإحساسي بأنها تتعرض لأي شكل من أشكال العنف أو الظلم في المجتمعات العالمثالثية، إنما أكتب صورة المجتمع الكلية والمرأة كما الرجل والأطفال والرجال كبار السن هي جزء من هذا النسيج المترابط، ففي شاورما مثلا نجد صورة الأم التي تتعرض للقهر من الرجل وتصبر على ذلك دون أدنى مراجعات لأن الوعي الجمعي لا يسمح بذلك، لكن النتيجة هي أنها تعرضت للإهمال من الابن الذي قد يصبح عاقا بمنظور البعض. وهي حاضرة بطبقة أخرى في المرأة التركية أم الولد الذي قتل في أحداث المرتزقة وهم يدخلون العاصمة، وفي العرافة أو الدجالة التي تمارس الشعوذة وفي زوجة الخال التي هي نسيج معقد للشر والخير وفي ابنة الخال التي هي ضحية مجتمع يتغير على عجل للأسوأ أم للأفضل لا أحد يملك الوصفة الكاملة، كذلك في النساء الممارسات للسياسة واللائي تلقين تعليما يفترض أنه مميز، وهن لم يتخلصن بعد من أثر المجتمع الكلي والتعقيد الحاصل بشكل عام، وفي الفتاة الجنوبية التي هي مصدر لإلهام بطل الرواية وإثارة إعجابه وتشكيل روح العشق عنده، وبعدها الأنثى التركية التي دخلت قلبه كأخت ومثقفة وإنسانة لتعكس نموذجا آخر للمرأة المتصورة في أذهان بعض الشباب، كما حدث في مسلسل (نور) التركي. هذه هي نماذج للمرأة في واحدة من رواياتي. أنا لا أقف عند أي منها لكي أمرر رسالة أو هدف أو قيمة معينة، أترك لها أن تُنسج طبعا بناء على وعي يمتزج مع فعل الكتابة.. طريقها العفوي والمفترض في الواقع الاجتماعي لتقرر مصيرها إن كان لها ذلك. ومن خلال ذلك يمكن لأسئلة الأنثى وقضاياها أن تطرح وتقال ولكن دون إملاء من النص، فالقارئ هو الذي يقرر ذلك.
6/ بخيال الروائي .. كيف تتوقع مصير السودان ومآله؟
سؤال مخيف، لأن خيال الروائي أحيانا ينزح إلى أسوأ الصور وليس أفضلها وأخيرها، كما يتخيل الناس. فالروائي بخلاف المفكر لا يعمل على إيجاد الحلول والتوصيفات ويقدم قوالب جاهزة، فهو يعمل على تمرير جرعة الشرور والآثام بدرجة هائلة بحيث يبدو الواقع أحيانا صورة أسوأ من الافتراض. ولهذا يمكنني أن أُحدثك من خارج الرواية، لأن خيال الروائي ليس له من محل يجيب فيه على الأسئلة ويحركها سوى داخل النص المسطور(جسد الرواية)، فساعة أكتب رواية تصور مصير السودان يمكنني أن أجيب على السؤال بدرجة مؤكدة على الأقل في النص. أما الآن فالإجابة هي ببساطة أنني متفائل رغم كل شيء. باعتبار أن التغيير يحدث الآن سريعا في هذا الزمن بالذات، لكن مطلوب عمل كبير لكي يكون هذا التفاؤل له معنى ومنطقي. وإلا كانت النتائج كارثية ربما أدت لمحو أمة من الوجود، وهذا هو خيال الروائي اللاذع والمخيف.
7/ سر النفس الفلسفي بطريقة سردية سهلة ممتنعة في نصوصك الأدبية؟
لا أميل للتعقيد، وهذه تجربتي مع الكتابة وحكمة الحياة عموما، أنه لابد أن تجرب كثيرا وتتعلم لتصل لأفضل الحلول، كذلك هي الكتابة، أظن أن تجارب سابقة لي وفي فترات مبكرة من حياتي كانت معقدة ومملة نوعا ما، على الأقل لي أنا حيث أعيد قراءتها وربما لا أحبها. بإمكاننا أن نرى نصوصنا من الخارج، فلست مع الرأي القائل بأن الكاتب لا يقيم نصه، فبمجرد أن تكتب النص سيكون خارجك وستراه كالآخرين. لكن عموما فالأسلوب يخضع للتقييم من شخص لآخر حسب مزاجه القرائي وثقافته ومعرفته عموما وخبرته في الحياة، فما تراه سهلا ورائعا قد لا يكون كذلك بمنظور آخرين. أما بخصوص الفلسفة فربما تعني المعنى المباشر لها البحث عن الحكمة، أن يكون للقول هدف وغاية وتوظيف ويقودنا لكي نفكر بشكل أفضل في ذواتنا ووجودنا، اعتقد أن أي كتابة يجب أن تفعل ذلك وإلا سقطت في فخ الرداءة، ولن تكون وقتها فنا وليس لها من قيمة إنسانية في إيجاد جسور التواصل بين العالمين فالأدب والفن هما أوعية لنقل الوعي وتعزيزه وترسيم الأفكار وحدود الأمل والرجاءات. وإذا ما تماهى الجانب الفلسفي مع السرد فذلك جيد طبعا.
8/ كيف ترى المشهد الثقافي العربي عموما والسودان خصوصا في ظل التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة؟
من المنطقي أن يتأثر المشهد الثقافي بالواقع السياسي والتحولات التي تمر بها المنطقة، وبالتالي فإن الأزمة سوف تصبح ملتصقة بالمسائل الأولية كالحاجيات الإنسانية البسيطة قبل أن تصبح مشكلة ثقافية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هل هذا يعني إقصاء الثقافة في وسط الأزمات والحروب والمشاكل المعقدة أم أنها يمكن أن تلعب دورا معينا، ثمة جدل حول ذلك الموضوع لأن ثمة من يعتقد أن الثقافة في جوهرها عملا مترفا، لكن هذا طبعا يتعلق بالثقافة في بعدها الكلاسيكي فالثقافة كما ندرك هي سياق الحياة الشامل وهي وجهة نظر للحياة قبل أن تكون محددة بمفهومها التقليدي في كونها مرتبطة بالآداب والفنون وهذا الباب. الآن المشهد يكاد يكون ضيقا لا يسمح بتمرير الأفكار والقيم الكبيرة ولا التأثيرات العميقة التي بإمكانها أن تكون ذات أثر في إعادة تشكيل هذه التحولات، لكن اعتقد أنه يجب أن تقوم الثقافة بدور، لابد من رد الاعتبار لها حتى داخل الأزمة المعقدة والمتشابكة، لابد للمثقف ولكن وفق تعريف جديد يستدعى الجوانب الوظيفية والعملية أن يقوم بمهام نوعية ويساهم في إمكانية إبدال الواقع لصورة أكثر تسامحا مع المعنى الإنساني والعميق للوجود.
9/ كيف ترى الإنتاج الروائي الغزير وتلقي النقاد له هل النقاد مواكبون لهذه التحولات؟
نعم هناك إنتاج كثيف جدا في فن الرواية أو السرد عموما، لأن اصطلاح رواية يضيق بعض الأحيان عن التوصيف، لكن كما أشرت فإن النقد لا يواكب هذه الحركة الروائية الكبيرة، وهي قضية قديمة ومتجددة فدائما ظلت حركة النقد دون مواكبة الإبداع عموما سواء في الأدب أوالفنون عموما، فليس لدينا نقاد بالعدد الكافي للشعر والتشكيل والدراما وغيرها من الإبداعات الإنسانية. وأزمة النقد متعلقة بمسائل عديدة منها أن النقد ليس عملا سهلا كما يتصوره البعض من الوهلة الأولى، لأن النقد عمل دقيق ومنظم ومنهجي وإلا تحول لمجرد خواطر ومجاملات لا غير. كذا فإن النقد له أدوار يجب أن يضطلع بها في سبيل أن ينظم المسار الإبداعي بعيدا عن أسلوب التقييم التقليدي، وذلك بفتح مناهج جديدة للقراءة والمعرفة ودراسة كليات الإبداع ومساراته وارتباط الحركة الأدبية والفنية بالمجتمع وأنساق الحياة عموما، ليس النقد اليوم مجرد أخذ نص معين والعمل على تشريحه وتفكيكه كما درجت العادة أو التأمل في مضامينه، إنه عملية أكثر تعقيدا وفائدة لو تمت بالطريقة السليمة، تقرأ السياقات الشاملة للنصوص والفنون في تقاطعها مع مجمل تحولات العالم من حول الإنسان.
10/ شاورما رواية أقرب الى الواقعية لواقع سحري أسطوري ما رأيك؟
هل يمكن القول بأن الأدب أو الرواية تنظم وتعيد ترتيب الواقع نوعا ما، بهذا المنطق فإن شاورما تعيد إنتاج صياغة حياة معقدة وسحرية وأسطورية كما تقول، وربما هذا التيار الروائي الذي وإن عادت جذوره إلى الروايات الكلاسيكية كما عند رواد الأدب الأوروبي والروسي إلا أنه اليوم يولد بشكل يتناغم مع الحياة الجديدة، نرى ذلك كمثال في الأدب الياباني والآسيوي عموما في آداب الهند والصين، حيث تُكتب رواية واقعية تعيد ترتيب التعقيد في الحياة. في الماضي وإلى وقت قريب ثمة نظرية بأن الرواية هي الدهشة التي تأتي مما يسمى بالواقعية السحرية مثلا في أدب أمريكا الجنوبية، أو نماذج الأدب العبثي كما عند كافكا، أو التخييل الغريب بشكل عام، لكن اليوم ينعكس الوجه لنرى أن الرواية صارت تتجه إلى محاولة فهم الواقع بتبسيطه وليس تعقيده لأنه معقد في الأساس بدرجة واضحة، هذا ما يجيب على سؤالك تقريبا، وفي العلوم يقال إن النظريات تضع أشياء معقدة وصعبة الفهم في قوالب بسيطة ويسيرة وهذا ما يفترض أن تفعله الرواية اليوم، أن تترجم واقعا متشابكا يصعب الإمساك به، بمحاولة أن تقبض على الحقيقي والمنطقي والممكن في حدود لاممكنات متعددة.
11/ سر اهتمامك بالمنسي والمهمل من التاريخ والفئات المهمشة من قاع المجتمع؟
إذا كان التاريخ في سردياته المعلنة والرسمية يكتبه المؤرخون فإن الرواية كما قيل دائما تكتب التاريخ الخلفي والمنسي، إنها تعيد ابتكار العوالم الخفية والمفقودة وراء كل ما تزخر به الحياة من تعقيدات. إن الرواية لها قدرة على الاستنطاق والرؤية والاستبصار للعالم غير المرئي بخلاف التاريخ الذي يتطلب الالتزام والدقة والمصداقية وهي أكاذيب في النهاية، فأي كتابة عن الأمس هي سردية بشكل أو بآخر تحتمل الظنون والخيالات والآمال، أنا اعتبر أنه حتى الكِتاب الذي يسمي نفسه تاريخا هو نوع من السرد الذي يحاول أن يهيمن ويحول نفسه إلى خطاب، الفرق أن الرواية هي خطاب لا يدعي الحقيقة ولا يزعم أنه ما حدث. ولهذا فأنا أكتب عن كل ما هو مغيب ومسكوت عنه وغير مشاهد بالمعنى المباشر أو مشتم بالدرجة الأولى، إذ أن الرؤية الثانية والثالثة هي التي تتيح لنا أن نفهم العالم أكثر وضوحا، وهذا ما يجب أن تفعله الكتابة عموما والرواية.
12/ دور المثقف في عيون البليك؟
إذا كنت قد أشرت إلى أن المثقف اختلف تعريفه وبالتالي دوره، لأن مفهوم الثقافة نفسه يخضع لإعادة تعيين فإن الدور الجديد للمثقف يتجه للنوعية والوظيفية والتخصصية، لكي تكون مثقفا عليك أن تكون فاعلا وفي عمل محدد واضح، ليس المسألة تضحيات شكلانية وأقوال منثورة على قارعة الطرقات، كما أن صورة المثقف القديمة قد اهتزت بل هي تتلاشى حيث يظن أنه البطل والمخلص أو الواعي الأكبر أو العراب الذي يفعل كل شيء ويحمل العصا لكي يعيد ابتكار الواقع، هذا أكذوبة وليس فيه أي واقعية، إن المطلوب، هو مثقف يعرف ماذا يريد ومسلح معرفيا ويتجه نحو الأهداف لا اليوتوبيا.
13/ هل تتبع طقوسا معينة عند الكتابة؟
الطقس يعني بالنسبة لي أسلوب حياة يهيئ لك أن تقترب من فعل الكتابة، هناك من يكتب دون مقدمات ويفعل ذلك كما يزعم في أي مكان في الحافلة أو المقهى أو الشارع. أنا أكتب على الكمبيوتر مباشرة تحديدا على جهاز لابتوب بشاشة متوسطة، ومنذ أكثر من عشر سنوات لم استخدم القلم ولا أعرف كيف أوّلد أي فكرة دون أن أراها على الشاشة، بل صار القلم بالنسبة لي مؤلما في اليد وقاسي ويصعب معه أن يعمل الدماغ. غاية ما أشعر معه بالسعادة أن أرى المساحة البيضاء تتحرك فيها الحروف وتمتلئ تدريجيا ليكون أمامك نص ومن ثم تحرك فيه من فوق لتحت والعكس، تحذف وتضيف وتلون بعض المساحات وهكذا كمن يلعب لعبة ممتعة، لكن لا أميل للتغيير كثيرا في الفكرة الأولى حيث أراها هي البذرة القوية التي يولد منها النص أو هي رحم الكتابة. في الماضي كان القلم والورقة هما كل شيء، كيف تحدث هذه التحولات هذا عالم آخر ومدهش يتطلب التأمل. كما أنني أكتب وبجواري كوب قهوة (نسكافي) في العادة. ولابد أن يكون المكان حولي هادئا، لا أعرف أن أكتب في الضجيج.
14 / ماذا تكتب الآن؟
أكتب أشياء كثيرة في الوقت نفسه، مقالات يومية في المجتمع والفلسفة والحياة أنشرها بشكل يومي في الصحافة، وكذلك أقوم بواجباتي في عملي الصحفي الروتيني وهذا يتطلب أيضا نوعا من الكتابة المنتظمة. ولكن بالنسبة للكتابة التي تعنيها فإنني اشتغل على مشروع روائي لا أعرف إن كنت سأكمله أم لا، لأنني مرات كثيرة أكتب ثم أعود لمشروع قديم أو أنسى، هذه طريقتي. هو مشروع يتعلق بسؤال المستقبل للسودان، السؤال الذي طرحته أنت سابقا، حول المصير والمآل.. إلى أي اتجاه تسير بنا الحياة نحن كسودانيين، ما هو المنتظر بالنسبة لوطننا ولشعبنا؟.. إن الإجابة تبدو مخيفة وشريرة.

صحيفة مفاكرة تشكرك على هذا الحوار الثمين وتتمنى لك كل التوفيق والسداد ..
شكرا لكم واتمنى لكم التوفيق والنجاح

الحوار عن مفاكرة الالكترونية السعودية


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1160


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة