الأخبار
أخبار إقليمية
الفيتوري: له في شعره شؤون
الفيتوري: له في شعره شؤون
الفيتوري: له في شعره شؤون


05-10-2015 02:40 AM
عبد الله علي إبراهيم

لا أعرف مصيراً في الحياة والشعر أدل على توحشنا حيال الثقافة من مصائر الشاعر الراحل محمد الفيتوري. فتزاحمنا حتى وهو عند حافة دار البقاء نبغي أن يكون مثواه الأخير بينا لابين غيرنا. وهو الشاعر الذي استغنى عن القبر وخلع شاهده لأنه سيرقد:
في كل شبر من الأرض
أرقد كالماء في جسد النيل
أرقد كالشمس فوق حقول بلادي
مثلي أنا ليس يسكن قبرا.
وكان أشد الأصوات في هذا الزحام نكرا هو صوت سفير السودان الذي لم يرع لأسرة المرحوم حرمة حق دفن قتيلها وما فتيء يذكرها بحضور معاليه بتعليمات من رئاسة جمهورية السودان لنقل جثمان الشاعر ليقبر في السودان. وطلباً للستر المستحق سنتجاوز عن المزايدة الضارة التي أحدقت بجسد الشاعر العليل عن جوازه، وعلاجه، وسائر استحقاقته. فلا أعرف كاتباً في السودان غادرنا إلى دار البقاء في العقود الأخيرة لم نزعجه بهذه المزايدة العجفاء عند الحافة بين الحياة والموت. ولا ننسي اسقاطنا شقاقنا العقيم المؤسف عليه: هل كان عربي الوجه؟ هل كان أفريقي الوجه؟
إذا جسد المتنبي عبقرية العيش العصيب في كنف دول الأمارات التي تجزأت من الدولة العباسية فالفيتوري تجسيد لعبقرية جغرافيا الفراعنة الشعبويين الثوريين لما بعد خمسينات القرن العشرين. وليس أقل جرائر هذه النظم الشعبوية بحقه أنها جعلت منه شاعراً ثورياً برغم أنفه. فبتأميمها الثقافة باسم الثورة صارت الثورية هي اسم اللعبة. فأنت قد تطلبها فقط لأنها من سبل كسب العيش في النظم العربية المعروفة بالتقدمية
جاء الفيتوري للسودان خالي الوفاض من الثورية. جاء يملأ وظيفة رئيس تحرير مجلة "هنا أم درمان" الحكومية بترتيب ما بينه وبين محمد طلعت فريد فريد، وزير الاستعلامات والعمل بحكومة الفريق إبراهيم عبود (1958-1964) كما جاء في مقال وسيم عنه بقلم الأستاذ صديق محيسي الذي عرفه عن كثب في تلك الأيام. ولما نسيّ الفيتوري الدوائر الثورية الناشطة آنذاك ضد نظام الفريق عبود ( المسمى ب"عصابة 17 نوفمبر، يوم مولده) نَسيته. فلم يحتف أحد حتى بدواوينه الثورية الأفريقية. فمن طلب أفريقيا لوقتها وجدها عند "آسيا وأفريقيا" تاج السر الحسن أو "أنياب وأظافر" لمحي الدين فارس، أو من التراجم الإنجليزية مباشرة من منبع شعراء الزنوجة في مجلة "الوجود الأفريقي" كمثل ليوبولد سنغور، أو حتى من "جنوبيات" الشاعر الفحل محمد المهدي المجذوب. فلن تجد الفيتوري من مصادر مدرسة الغابة والصحراء في الستينات التي تحسست "أفريقية" السودان واحتفلت بها. ومتى ذكرته جاء ذلك على استحياء. ناهيك من أن الزنوجية الصارخة للفيتوري لم تكن مزاجاً لثوريّ سودان الوقت الذين راوحوا بين نظر طبقي أفريقي عربي تحرري.
قامت ثورة أكتوبر 1964 ضد نظام الفريق عبود وأطاحت به. ووجد الفيتوري نفسه في الجهة الخطأ من التاريخ. وظل يعتذر عن هذه "الزلة" طويلا. ولكن كانت المفارقة أن الشاعر الذي ماليء المستبدين في عصابة 17 نوفمبر هو الذي تغنت حناجر الثوار ضدها بنشيده العجيب "أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق". ولم يعد ثمة غلاط أن النشيد لم يكتب خصيصاً لثورة أكتوبر مثلما يمكننا القول عن "أكتوبريات" محمد المكي إبراهيم وهي الأعذب والأشجى مع ذلك. ولم تغر الثورة الفيتوري، ولا سابقته فيه مجازاً، أن يطلب الثورة في مظانها. بل نجده صار، متى استرددنا الديمقراطية، رئيساً لتحرير صحيفة حزب الأمة، الذي يقوده السيد الصادق المهدي على أيامنا هذه، المتهم بإنتكاسة الثورة ضمن آخرين. ثم ترك الفيتوري الأمة ليعمل بجريدة الناس التي يكفي في استرذال الثوريين لها أنهم متهمون بإغتيال صاحبها الملغز محمد مكي في بيروت بعد قيام دولة النميري في 1969. وبدا أنه قديم العهد بالجريدة. فنشر بها في 22 نوفمبر 1958 قصيدته "مولد ثورة" فرحاً بانقلاب عبود في 17 نوفمبر 1958:

لئن هزتك سخرية وسخطاً خيانات العصاة الخارجينا
ومهزلة الذين غدوا وراحـــوا بكل مقدساتك كافـــرينا
فقد أصبحت جبّار الليالي وكنت ضحية المتآمـــــرينا
فدتك الثورة الكبرى وكانت جنينك حين كنت لها جنينا
فدتك فسدت الأبواب يأساً عليهم بائعين ومشترينـــــا
وعرتهم ومـــــــزقت الخطايا فباتوا تحتها متجــــردينا
وفتحت الجفون على صباح أضاء فلم يدع حراً سجينا

ثم كان له احتكاك قصير بالسفارة الأمريكية بالخرطوم عرضوا عليه وظيفة ما براتب مغر. ووصف الفيتوري هذا العرض لاحقاً بأنه كان لشراء صوت شعري آخر.
لم يكن صعباً على شاعر في ذكاء الفيتوري أن يسترجع، وقد أطعم الثوار نشيداً لم يقصد به في المنشأ ما أنتهى إليه في المصب، القول المشهور "أعذب الشعر أكذبه". فصار بعض شعره الثوري مما يمكن وصفه ب"المصنع قبلياً لغرض" (بريفابريقيتد). فثار قبل سنوات نقاش طريف حول هذه الخصيصة الشعرية عند الفيتوري. فقال الأستاذ عمر شاع الدين إن الفيتوري مدح النميري في 1970 ثم هجاه بعد سقوطه في 1985 بقصيدة واحدة محورة وراثياً. فقد سمعه في القاهرة، وبحضور النميري، يباهي بثورة مايو، ثورة نميري، قائلاً:
أحلم ثم أنفض الدهشة عن عيني
استغرق في شعبي من يوقظني
من الذي يدق سجني؟ من يهزني
يخلقني، ينثرني حبة رمل في جبال وطني
يكتبني حرفاً صغيراً في نضال وطني
ثم ثارت انتفاضة إبريل 1985 بوجه نميري وخلعته. فقال الفيتوري يخطب ود الانتفاضة:
أحلم ثم انفض الدهشة عن عيني
استغرق في شعبي . . . من يوقظني
من الذي يدق بوابة تاريخي
يضيئني . . . يخلقني
ينثرني حبة رمل في جبال وطني
يكتبني حرفاً صغيراً في نضال وطني.
ولن تخرج الفيتوري من سوءة "سرقة نفسه" إلا حيلة التناص.
ليس الشاعر بريئاً مما اكتنفه من كدر أو سعادة. ولكن سيقصر فهمنا دون عبقريته إن لم نره عندنا في السودان وفي العالم العربي ضحية للحكومات الشعبوية وغير الشعبوبة من جهة ومعارضيها من الجهة الأخرى. فقد كشرت دولة النميري أنيابها له بعد قصيدته في رثاء عبد الخالق محجوب، الزعيم الشيوعي الذي أعدمته في 1971. وزعمت المعارضة أن نميري سحب جوازه السوداني، وهو ما لم يحدث. ثم لما سقط نميرى أكرمه اتحاد الكتاب والحكومة بدعوة ومهرجان. ثم قام نظام الإنقاذ في 1989 وما لبث أن دعى الفيتوري للسودان وقلده وشاح الفنون والآداب. فقامت قيامة المعارضة وكشرت أنيابها للشاعر. ثم رقد رقدته العصيبة قبل الممات فتنازعا (أي الحكومة والمعارضة) حوله. فأخذت المعارضة على الحكومة إهمالها الشاعر في محنته. واستعرضت الحكومة ما فعلت من أجله. فتنازعا وفشلا معاً في إعزاز الشاعر . وهذا توحشنا بانت أسنانه على الشاعر الكذوب، الصادق.
[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2430

التعليقات
#1263804 [امونة]
0.00/5 (0 صوت)

05-11-2015 09:27 AM
المرحوم الشاعر محمد مفتاح الفيتوري هو

لبيبي الاصل من قبيلة الفيزان - والتي يقطن بعض افرادها

غرب السودان - مثل اسرة ابوسفيطة بالفاشر - واسرة معيقل مفتاح بنيالا

وامه سودانية من قبيلة المساليت (سكان الجنينة ) وكانت ولاتدتة بمدينة الجنينة

قام النميري بسحب الجنسية السودانية منة فاحتواه القذافي ،، ثم تم طردة من ليبيا

بعد مقتل القذافي وسحب الجنسية الليبية منة وذهب وعاش بقية حياتة مع اهل زوجتة

الثانية المغربية علما بان الاولي كانت سودانية ولة منها ابناء.

اللهم ارحم الفيتوري

[امونة]

#1263714 [Ema]
0.00/5 (0 صوت)

05-11-2015 07:46 AM
أوهام وأصنام تصنعوها وتعبدوها البقرا التاريخ بستريح
ناس مجهجه ما عندها مبدأ شعب كل حكومة وساوين ليهم قومك وقعده
وهم
شاعر غناىى معروف كتب ملحمة 17 نوفمبر لحنا السنى الضوى وغناها مع ابو ديه والحويج وفنانين اخرين لما جات مايو سمعت بقت ملحمة مايو لحنوها وغنوها ناس سلاح الموسيقى
انتو مالكم نسيتو فلان سيد الاسم بعد ما شتم وما خلا زملاؤه الكان فى السودا ن وقال فنهم شرير وجه بعد سنين مجد وغنى ونال الجوائز
فى بلدنا أبقى شواى وكواى الناس تريدك كل الناس حتى حسين خوجلى

[Ema]

#1263621 [بابكر موسي ابراهيم]
0.00/5 (0 صوت)

05-11-2015 02:13 AM
سلام:ارجو أن تكتب لنا عهد ليلي المريضة بواشنطون...تشكرات

[بابكر موسي ابراهيم]

#1263398 [كوكاب]
5.00/5 (1 صوت)

05-10-2015 03:01 PM
هذ الديناصور المريض بالعروبة الزائفة اكيد لا يعجبه الفيتوري الذي يعتز بافريقيته ويعلنها دون حياء ولا احد يشك في افريقيته لكن هذا المريض وحرف الدال الذي امام اسمه لا يستحقه انت مشكوك في عروبتك وتحتاج الى اثبات لكنك لا تستطيع وستطاردك عقدة العروبة ولعنة الزنوجة الى ان تموت.

[كوكاب]

#1263055 [قنوط ميسزوري]
5.00/5 (1 صوت)

05-10-2015 07:45 AM
كنت عارفك ما حتفوِّت الجنازة دي بدون ما تفطم كعادتك

[قنوط ميسزوري]

#1263043 [سوداني]
5.00/5 (1 صوت)

05-10-2015 06:47 AM
الصديق ع ع ابراهيم

【وليس أقل جرائر هذه النظم الشعبوية بحقه أنها جعلت منه شاعراً ثورياً برغم أنفه.】
بهذا االمنطق المريض فوردي _ مثالا لا حصرا _ ليس فنانا ثوريا مس وجدان هذا الشع، لانه غني لمايو! و سيدنا عمر بن الخطاب مسلما رغم انفه لانه عذب وحارب المسلمين الاوليين قبل اسلامه عليه رضوان الله!


【جاء الفيتوري للسودان خالي الوفاض من الثورية】
بهذا االمنطق المريض فعبد الله علي ابراهيم ليس استاذا جامعيا لانه اتي هذة البسيطة خال من كل شي سوي حبل الوريد وبعض من دم ومخاض!
【ولكن كانت المفارقة أن الشاعر الذي ماليء المستبدين في عصابة 17 نوفمبر هو الذي تغنت حناجر الثوار ضدها بنشيده العجيب "أصبح الصبح فلا السجن ولا السجان باق". ولم يعد ثمة غلاط أن النشيد لم يكتب خصيصاً لثورة أكتوبر مثلما يمكننا القول عن "أكتوبريات" محمد المكي إبراهيم وهي الأعذب والأشجى مع ذلك】
بهذا االمنطق المريض فوردي _ مثالا لا حصرا _ ليس فنانا ثوريا مس وجدان هذا الشع، لانه غني لمايو! و سيدنا عمر بن الخطاب مسلما رغم انفه لانه عذب وحارب المسلمين الاوليين قبل اسلامه عليه رضوان الله!

【لم يكن صعباً على شاعر في ذكاء الفيتوري أن يسترجع، وقد أطعم الثوار نشيداً لم يقصد به في المنشأ ما أنتهى إليه في المصب، القول المشهور "أعذب الشعر أكذبه". فصار بعض شعره الثوري مما يمكن وصفه ب"المصنع قبلياً لغرض" (بريفابريقيتد). فثار قبل سنوات نقاش طريف حول هذه الخصيصة】
دعك من سب الاموات ورميهم بالكذب! اخجل فوالله لقد خجلت لك!

[سوداني]

ردود على سوداني
[Saeed] 05-10-2015 10:04 PM
محجوب شريف رحمه الله غني لمايو ثم عاد وهجاها ، أيضاً كمال الجزولي انشرخ حلقومه في حب مايو ومآزال يسبها ،بس بقت علي الفيتوري المسكين والذي لا ينتمي الي عصبية سياسية تحميه ! !!!!!



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة