الأخبار
أخبار إقليمية
ضعف الموازنة المخصصة للبحث العلمي.. انعكاساتها السلبية على أداء التعليم العالي في السودان
ضعف الموازنة المخصصة للبحث العلمي.. انعكاساتها السلبية على أداء التعليم العالي في السودان
ضعف الموازنة المخصصة للبحث العلمي.. انعكاساتها السلبية على أداء التعليم العالي في السودان


05-10-2015 11:03 PM
الخرطوم- نازك شمام
قد يبدو الأمر ترفا لدولة مثل السودان أن تعمل على تخصيص موازنة مقدرة للبحث العلمي، غير أن التطور الكبير الذي تشهده المؤسسات والمراكز البحثية بالخارج يحتم على الدولة الالتفات للعملية، كإحدى الآليات المهمة المساعدة على النهضة والتطور، فثمة مشكلات كبيرة بدأت تظهر الدولة بمظهر غير لائق في السنوات الأخيرة وليس أبرزها في تأخر الجامعات السودانية وخروجها عن التصنيفات العالمية وضعف الاهتمام بالبحث العلمي والباحثين. وبالنظر إلى العالم الخارجي نجد أن السودان قد تأخر كثيرا في الالتحاق بالركب في هذا المجال، ما يتطلب الإسراع والاهتمام بالقضية التي ستكون نتائجها كارثية في السنوات القادمة في عالم أصبح اهتمامة الأول العلم والبحث العلمي.
إهمال ظاهر
لم يكن مبلغ الـ(8) ملايين جنيه الذي عزم البرلمان في وقت سابق تحويله من موازنة وزارة العلوم والاتصالات وتخصيصه للبحث العلمي في الجامعات كبيرا للدرجة التي تثير حفيظة وزيرة العلوم والاتصالات وتجعلها تصوب سهام انتقادها لموازنة العام 2015، بقدر ما تعكس الواقعة وجود خلل كبير في الميزانية المخصصة للبحث العلمي ككل، والتعامل معه كبند مهم واستراتيجي تظهر آثاره في الأجيال القادمة، التي يفترض أن تقود البلاد في فترة ما، وتدفعها إلى مصاف الدول المتقدمة، المهتمة بمآلات شعوبها في كافة المجالات. المؤكد أن هناك إهمالا كبيرا من الدولة تجاه البحث العلمي، لا يظهر ذلك فقط في النواحي المادية بقدر ما يظهر في أرتال الخريجين والباحثين الذين يخرجون إلى الحياة العملية بقدرات علمية متواضعة توضح افتقارهم لأصول البحث العلمي. ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل يتطاول تأثيره على أساتذة الجامعات الذين يتأثرون بضعف ميزانيات البحث العلمي بشكل ظاهر، والمحصلة؛ هجرة أعداد كبيرة منهم. (اليوم التالي) تحاول في هذه المساحة النظر إلى إشكاليات البحث العلمي بشكل متكامل للعلها تكون بداية الخروج من النفق.
موازنة مخجلة
خصصت وزارة المالية والاقتصاد ميزانية للبحث العلمي تقدر بمبلغ (150) مليون جنيه للعام 2015 بحسب كتاب الموازنة الصادر من الوزارة، وتشمل هذه الموازنة تعويضات العاملين والسلع والخدمات والبرامج البحثية بالإضافة إلى اقتناء الأصول غير المالية أو ما يعرف بـ(التنمية). هذا المبلغ من جملة مبلغ يقدر بـ(1.2) مليار جنيه تم تخصيصه لقطاع التعليم في الحكومة المركزية، ليصبح إجمالي المبلغ -مع ما وضعته الدولة لقطاع التعليم في المركز والولايات- بما يقدر بـ(6,7) مليار جنيه. وبحسب مصادر من وزارة المالية تحدثت لــ(اليوم التالي) فإن الموازنة التي تم تخصيصها للتعليم العالي والبحث العلمي للعام الجديد أضيف إليها مبلغ (70) مليون جنيه عن المبلغ المرصود في موازنة العام 2014.
مقارنات صادمة
مبلغ 150 مليون جنيه قد يبدو صادما للمهتمين بقضايا البحث العلمي فالمبلغ يبدو ضئيلاً، ولا يتجاوز الـ 0.02% إذا تمت مقارنته بما تخصصه دول العالم للبحث العلمي؛ فعلى سبيل المثال وليس الحصر خصصت دولة قطر للبحث العلمي مبلغ 121 مليون دولار في العام 2013 تم تخصيصها للقضايا البحث العلمي بواسطة الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، وبالنظر لبقية الدول العربية فإن إنفاق الدول العربية على البحث العلمي لا يتجاوز 116 بليون دولار. وهذا المبلغ ليس للعرب فيه سوى 535 مليون دولار، أي ما يساوي 11 في الألف من الدخل القومي، ومعظم الدول العربية لا تظهر أرقاماً وإحصاءات عن الباحثين والبحث العلمي، فإذا ظهر شيء من ذلك يكون غير مطمئن؛ خذ عندك الإمارات بنسبة 0.6%، والكويت 0.2%، والأردن 0.3%، وتونس 0.3%، وسوريا 0.2%، ومصر 0.2%. إذن، ربما كانت المعضلة ليست في السودان فقط، بل هي منظومة لإهمال الدول العربية للبحث العلمي والإنفاق عليه عكس الدول الغربية التي تصب جل اهتمامها وميزانياتها لصالح البحث العلمي. وبحسب مواقع إلكترونية فإن إسرائيل تنفق على البحث العلمي 9 مليارات دولار حسب معطيات العام 2008، وهو ما يوازي 4.7% من إنتاج إسرائيل القومي، كما أن معدل ما تصرفه حكومتها على البحث والتطوير المدني في مؤسسات التعليم العالي، 34.6% من الموازنة الحكومية المخصصة للتعليم العالي بكامله.
ووصل عدد الباحثين في إسرائيل حوالي 24 ألف باحث، وهناك حوالي 90 ألف عالم ومهندس يعملون في البحث العلمي، وتكلفة الباحث الواحد في الدولة اليهودية 162 ألف دولار في السنة ما يعادل أربعة أضعاف تكلفة الباحث العربي وفي الوقت الذي يوجد في العالم العربي 363 باحثاً لكل مليون نسمة، فقد بلغ عدد الباحثين في إسرائيل 25 ألفاً، بمعدل 5 آلاف باحث لكل مليون نسمة، واحتلت إسرائيل المرتبة الأولى عالمياً من حيث نصيب الفرد من الإنفاق على البحث العلمي.
ترتيب متأخر
ضعف الموازنة المخصصة للبحث العلمي كان له انعكاساته السلبية على أداء التعليم العالي في السودان، وهذا ما يظهر جليا في تأخر الجامعات السودانية عالميا، فوفقا لتصنيف موقع (ويبومتركس) مؤسسة CSIC وهي أكبر هيئة علمية للبحوث في إسبانيا، وتتبع لوزارة التعليم العالي الإسباني، ويعترف بتصنيفها عالمياً خرجت الجامعات السودانية من تصنيف (ويبومتركس) العالمي لأفضل الجامعات على مستوى العالم، في تصنيف المؤشر للنصف الثاني من عام 2014 واحتلت جامعة الخرطوم المركز رقم (2070) عالمياً، تلتها جامعة السودان في المركز رقم (3176)، فالجزيرة (7557)، وأفريقيا العالمية (8821)، ثم جامعة النيلين في المركز (9158) عالمياً.
الأمر لم يقتصر على المؤسسة الإسبانية فحسب، فالجامعات السودانية خرجت من تصنيف شنغهاي لأفضل (500) جامعة في العالم. ونشرت جامعة شنغهاي تصنيفها السنوي الأكاديمي لجامعات العالم المعروف للعام الماضي، ويعتبر تصنيف شنغهاي من أكثر تصنيفات الجامعات موثوقية، ويعتمد على (6) معايير موضوعية رئيسة وهي نسب نجاح الخريجين، وحجم الدراسات والأبحاث المنشورة في مجلتي ناتشر وساينس البريطانيتين، ونسبة الإشارة إلى تلك البحوث والجامعات في المجلات العلمية، ونسبة الإشارة إلى الباحثين في السنوات الخمس الأخيرة، والأداء الأكاديمي، ومرور الحائزين على جوائز نوبل سواء من خلال الدراسة أو التدريس.
اعتماد على البحوث الخارجية
ثمة تعقيدات متصلة. لا يتعلق الأمر بتدهور مستوى الجامعات السودانية فقط، بل يتطاول ليضم الكوادر التي تعمل في الجامعات، والتي يؤثر عليها ضعف الموازنة الممنوحة للبحث العلمي بصورة كبيرة، وقد أكد ذلك عدد من الأساتذة العاملين بالجامعات السودانية، ممن استفسرتهم (اليوم التالي)؛ يقول د. علي عربي الأستاذ المشارك بجامعة الخرطوم، قسم الأطفال، إن للأستاذ الجامعي دورا في المجتمع وهذا الدور لا يتحقق إلا بإجراء بحوث علمية قائمة على أدلة وبراهين محلية، وفي ظل ضعف الموازنة الممنوحة للبحث العلمي في السودان فإن هذا الأمر ينتفي ويجعل الأستاذ الجامعي يعتمد على أدلة وبراهين مستوردة من الخارج، وهذا قد لا يتواءم مع البيئة المحلية مما يجعل الباحث عاجزا عن إيجاد حلول ومعالجات تطابق المجتمع السوداني.
لا يكتفي عربي بذلك بل يؤكد أن ضعف موازنة البحث العلمي له أثره السلبي على الجامعات السودانية نفسها وتدني ترتيبها إقليميا وعالميا، لجهة أن الجامعات تقاس بكمية البحوث التي يجريها الباحثون، مما يؤدي إلى تقدمها وتطورها.
وينوه محدّثي إلى أن البحوث تجعل من الجامعات والكوادر قريبة من المجتمع، لأنها تجري البحوث على شرائح موجودة فيه بجانب أن الجامعات التي ليست لديها بحوث تكون في الغالب غير معترف بها عالميا، وهذا ما يحدث في الجامعات السودانية.
عدم اهتمام رسمي
في الأثناء يؤكد دكتور هيثم محمد فتحي، الأستاذ بالكلية الأردنية الجامعية على أن الموازنة العامة لا تولي أي هتمام للبحث العلمي، وتمنحه أضعف مبالغ، وينتقد بشدة انتشار الجامعات بدون تخطيط بما أدى إلى الاهتمام بالكم وليس الكيف، على حد تعبيره، ويستطرد هيثم في إفادته لـ(اليوم التالي): "إن انتشار الجامعات في الدول الخليجية، واهتمامها بالبحث العلمي كان له أثره في استقطاب أساتذة الجامعات السودانية"، وقال فتحي إن المراكز البحثية الموجودة في السودان تفتقر لأدنى مستويات البنية التحتية، مبينا أن المقارنة بين المراكز البحثية الموجودة في السودان والدول الأخرى يفضح ضعف الاهتمام بالبحث العلمي في الدولة، قبل أن يدفع بسؤال اعتبرة محوريا: كيف يمكن أن نطالب بطفرة في الإنتاج الزراعي والصناعي دون أن يكون هنالك اهتمام وموازنة مخصصة للبحث العلمي؟ مبينا أن ما خصصته الموازنة العامة في العام الحالي للبحث العلمي غير كاف لبناء مؤسسات بحثية متطورة ومواكبة للتقدم الهائل للبحوث في العالم الخارجي. وحذر محدّثي من استمرار تجاهل وإهمال البحث العلمي في السنوات القادمة، لجهة أن ذلك لا يحقق النهضة التي يتطلع إليها الشعب السوداني، مؤكدا على أهمية الاهتمام بالجودة في اختيار البحوث والباحثين بهدف المنافسة الخارجية في سوق العمل.
البحث العلمي والنهضة
الأمر يبدو مختلفا لدى د. محمد الناير، وهو أستاذ متعاون لمادة المحاسبة والتكاليف في جامعة أفريقيا العالمية، حيث يرى أن الأستاذ الجامعي لم يؤثر عليه ضعف موازنة البحث العلمي فقط، بل زادت عليها الأوضاع الاقتصادية المتردية، والتي جعلت أجره ينخفض من (1000) دولار قبل الأزمة المالية العالمية، إلى 350 دولارا إثر تدهور قيمة العملة الوطنية بفعل المؤثرات الاقتصادية! ويكشف الناير أن أجر الأستاذ الجامعي بالجامعات السودانية قبل الأزمة العالمية كان كبيرا مقارنة مع دول الجوار، وتحديدا جمهورية مصر، التي لم يكن أجر الأساتذة فيها يزيد عن 250 دولار حينها، إلا أنه وبفعل المتغيرات التي حدثت في الدولار -الذي ارتفع سعر صرفه في السوق الموازي من 2 جنيه إلى 9 جنيه وفي السعر الرسمي تدرج من 2، إلى 4 حتى 6 جنيهات، ما أدى إلى وجود تشوهات في أجور الأساتذة الجامعيين، الأمر الذي يتطلب تعديل رواتبهم ومخصصاتهم أسوة بالدول الأخرى، التي يزيد فيها راتب الأستاذ الجامعي عن 1500 دولار. وأكد الناير لـ(اليوم التالي) أن الحكومة السودانية لا تستطيع في الوقت الراهن تحسين الأجور والرواتب أسوة بالدول الخارجية وسط توقعاته بحدوث تعديلات خلال هذا العام، لجهة أن هنالك مبالغ أضيفت إلى موازنة الجامعات، مما يتطلب تعديل مخصصات الأساتذة والباحثين. ولا يرفض الناير هجرة الأساتذة الجامعيين حال أن تحولت مدخراتهم بالقنوات الرسمية التي من شأنها دعم الاقتصاد القومي من خلال دعم احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي.
وعن البحث العلمي يؤكد الناير على أهمية الاهتمام به حيث أنه يساهم في إحداث نقلة حقيقية للدولة، وقال إن الاقتصاد القائم على المعرفة هو الذي يعمل على إيجاد حلول ومعالجات لكثير من الإشكاليات التي تواجه المجتمع من خلال الاكتشافات والاختراعات الجديدة. وكشف عن وجود موجهات من بعض التكتلات الإقليمية بإجبار الدول على تخصيص ما يقدر بـ1% من الناتج المحلي الإجمالي للبحث العلمي. وأشار إلى أن هذا يعني أن يخصص السودان مبلغ (6) مليارات جنيه من الموازنة للبحث العلمي مؤكدا على أن ذلك يساهم في إحداث انقلاب في موازين البحث العلمي في السودان

اليوم التالي


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1652

التعليقات
#1264356 [khalid osman]
0.00/5 (0 صوت)

05-12-2015 08:35 AM
يالمناسبة ميزانية البحث العلمي فى اسرائيل تساوى 3 مرات ميزانية البحث العلمي للدول العربية مجتمهة.....

[khalid osman]

#1263902 [بابكر عباس]
5.00/5 (1 صوت)

05-11-2015 11:13 AM
المقال رائع و يتناول أمرا" هاما" لا يلتفت اليه الكثيرون للأسف الشديد. إن الفرق بين النهضة و التخلف و الفقر و الغنى والنمو و التقهقر هو فى درجة الإستفادة من البحث العلمى فى مخاطبة مشاكل المجتمع..الكثيرون يرون فى الأنفاق على البحث العلمى ترفا" فى حين أن البحث العلمى هو الذى يميز بين اللذين يستخدمون العضلات و أولئك اللذين يستخدمون عقولهم لحل أى مشكل أو إحراز أىة نقلة. للأسف نحن بعيدون.. وقد تقهقرنا كثيرا"..حتى أوائل الثمانينات كانت دور الأندية و الإتحادات المهنية تعج بالمحاضرين و التى يؤمها جمهور لا يقل كثيرا" عن الاجمهور الذى كان يذهب للمسشرح القومى..كانت تعقد فى نادى الأساتذة بجامعة الخرطوم و الذى هو مفتوح و سهل الوصول من جميع أنحاء العاصمة ندوة أو سمنار أسبوعى يتحدث فيه اساتذة فى الأقتصادو العلوم السياسية و الأجتماع و التاريخ و الطب و الزراعة و كانت ندوات مماثلة تعقد فى دار المهندس و نادى شل و دار الأطباء و نادى البيطريين و كان يتحدث فى الأخير لفيف من الدبلوماسيين لجهة أن الأخيرين لم يكن لهم دار بعد و كانوا يحلون ضيوفا" على نادى البيطريين لتوسطه و فخامته.كانت مكتبات الجامعات مشتركة فى معظم إلم يكن كل الدوريات العلمية العالمية و كان النشر فى السودان ممتازا بمقاييس اليوم من حيث النوعية و الأستمرارية و كان الأساتذة الزائرون يحلون على السودان من كل قارات وجامعات الدنيا و كتبوا عن السودان و استضافوا علماء سودانيين قى بلادهم و تنافلوا التجارب و الخبرات و المعدات و أوجدوا فلرص تأهيل أو تدريب للجيل الناشىء. البحث العلمى هو المخرج الوحيد من دوامة التخلف و تخصيص مبالغ محترمة لهذا المرفق هو أول دليل تعافى فى الوجدان السياسى السودانى. تكلفة البحث العلمى قد يغطيها مشروع واحد ناجح يقضى على ناقل حشرى أو ينتج خلطة كيميائية أو غذائية توفر الملايين المهدرة فى البدائل المستوردة و المكلفة أو أسلوب بناء يختصر أرتال الحديد و الحراريات المستخدم الأن أو يبتكر حلا" ذكيا" و وطنيا" لمشكلتى النزوح و التسول..

[بابكر عباس]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة