الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الإسراء والمعراج والبعد الحضاري
الإسراء والمعراج والبعد الحضاري
الإسراء والمعراج والبعد الحضاري


05-19-2015 01:26 AM


الرحلة تؤسس لفكرة وحدة الأنبياء واتحادهم، ووحدة الأماكن المقدسة، مؤسسة لفكرة أن الدين ليس سوى تراث ووعي إنساني يعود لأبينا آدم عليه السلام.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: مي فاروق

المطلوب من الدين ليس الغلو فيه بل دعم الضمير، وخلق مناخا فكريا حرا

نستظل هذه الأيام بذكرى حادثة الإسراء والمعراج تلك الرحلة العبقرية والفريدة بل واليتيمة في تاريخ البشر قاطبة، قصة ٌجاوزت حدود الزمان والمكان تفردت في زمانها ومكانها وشخوصها وتفاصيلها، حيث نجدها ربطت الأرض بالسماء، والأحياء بالأموات والقريب بالبعيد، والإنسان بالملائكة، والحاضر بالماضي والمستقبل معا.

رحلة حارت معها العقول حتى أكاد أجزم أنها لو حدثت الآن في عصر الذرة والنانو لوجدناها أيضا فريدة ومعجزة.

لن أخوض في تفاصيل الرحلة، وكيف حدثت؟ وأي طريق سلك النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؟

وأية وسيلة ركب؟ وأية سرعة بلغ؟ كما لن أخوض في غمار الخلافات التفسيرية حول كنه هذه الرحلة وهل كانت بالجسد أو بالروح أو بكليهما؟

لأنني أؤمن بكونها رحلة سماوية عظيمة خرجت عن حدود ونطاق الكون الدنيوي لعالم آخر وقدرة إلهية أخرى ".... وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ" القمر - 50.

وأتصور أن هذه الرحلة لم تكن تأييدا للدعوة قدر تأييدها لمحمد (صلى الله عليه وسلم) بتشريفه بلقاء الله، والوقوف مناجيا بين يديه.

ما يهمني هنا – كبشر – تلك التجليات الساميات لهذه الرحلة وبعدها الحضاري الذي يلقي بظلاله على كل زمان ومكان.

والتي منها:

1 - رحلة الإسراء والمعراج وثقافة التعامل مع الأحزان

اشتدت المحن وتكاثرت الأحزان على قلب محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى سمي هذا العام بعام الحزن، والذي بدأ برحيل عمه أبي طالب الذي أعطاه الصمود، ورحيل زوجته خديجة التي أعطته الحب، وانتهت بهجوم أهل الطائف.

حصار وجداني وقع فيه قلب النبي، مما جعله يعتصر ألما فخرج حزينا قاصدا مكة إلى أن وصل لمكان يسمى "قرن الثعالب" حيث حصلت هذه الرحلة الخالدة.

هكذا نجد أن القصة بدأت بقلب تحاصره الوحدة والأحزان فجاءت كنوع من التخفيف عن معاناته، ووفقا لقواعد العلاج النفسي الحديث والتي ترى أنه عندما تتراكم الهموم وتتكاثف الأحزان وتضحي كالرواسي الجاثمة على الصدر يكون البعد عن الناس والارتحال هو أولى خطوات العلاج لذلك، لأن الجلوس مع الناس وقتها استنزاف للطاقة ومجلبة للضيق، وهدر للوقت، وهذا ما حدث في علاج صدر محمد (صلى الله عليه وسلم) فأراد الله أن يخرجه من معاناته وحزنه لمراتب التأمل والفلسفة في الذات الجمالية، فالحزن يصنع الرغبة في التحرر من عناصر الحتمية والإرغام فتسمو النفس وينتشر الخيال وتأتي معان عظيمة (لحرية / النجاة / الخلاص).

وكأن للحزن نكهة إنسانية ووعيا خاصا، فما المعاناة الإنسانية إلا مرجع للإبداع والحرية والإلهام، لهذا فالأغبياء لا يحزنون كثيرا، لأنهم لا يستطيعون التوصل لفلسفة الحزن ويكتفون بالتألم الحيواني.

أتذكر هنا "رسائل الأحزان" لمصطفى صادق الرافعي والتي ارتقى فيها بالحب والوجد والجمال لمعارج الروح، وأكسب الحزن ملمحا دينيا مقدسا.

كما قال نزار: إن الدمع هو الإنسان – وأن الإنسان بلا حزن – ذكرى إنسان.

هكذا كانت رحلة الإسراء والمعراج بشارة سماوية ورحلة إبداعية، انقشعت معها سحب الكآبة والحزن ليعود محمد (صلى الله عليه وسلم) المناضل ليكمل المسير بكل حماسة ونشاط مؤكدا أن السعادة رحلة وليست هدفا، وأن الآفاق الجديدة والرؤى البعيدة تفتح الأبواب المغلقة.

2 - الإسراء والمعراج والتأسيس لفكرة التراث الإنساني

عندما أتأمل تفاصيل الرحلة من ذهاب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى المسجد الأقصى ولقائه بالأنبياء والمرسلين وحواره معهم يجعلني أجزم أنها كانت تؤسس لفكرة وحدة الأنبياء واتحادهم، وحدة الأماكن المقدسة، مؤسسة لفكرة أن الدين ليس سوى تراث ووعي إنساني يعود لأبينا آدم عليه السلام وأن المطلوب من الدين ليس الغلو فيه بل دعم الضمير، وخلق مناخا فكريا حرا.

"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا" آل عمران – 64.

"يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ" النساء – 171.

3 - الإسراء والمعراج وتأسيس منهج الحوار

أضافت رحلة الإسراء والمعراج بعدا فكريا حضاريا وهو الحوار، ففي حوار النبي (صلى الله عليه وسلم) مع الأنبياء، ومع ربّه عز وجل، إشارة لدعم ثقافة الحوار مع الحضارات والثقافات المختلفة وكأنها تلقي بظلال تاريخية لفكرة حوار الأديان، ذلك الحوار الذي يبدأ بحرية فكرة يرافقها ثقة الفرد بشخصية مستقلة بعيدا عن الحوارات التي يغلب عليها منطق الوصاية.

الله تعالى رغم أنه سبحانه يمتلك القوة ويكفيه أن يكون له الأمر، وعلى الأنبياء والناس كافة الطاعة إلا أنا فضل الحوار منهجا وطريقة للإقناع وللوصول للنتائج.

وكم نحن بحاجة لتعميق هذا الدرس خاصة في ظل الامتحان الظرفي العسير التي تجتازه الإنسانية كافة والذي يضعها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الصراع المفضي للفناء وإما الحوار المؤدي للتعايش السلمي، أليس حوار النبي مع الأنبياء يجعلنا نقول إن الحوار ضرورة شرعية وأمر إلهي؟

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا "الحجرات - 13.

فمتى يحل منهج الحوار بمنهج الارتطام والتلاطم، تلاطم الآراء والأصوات والأجساد؟

4 - الإسراء والمعراج وفلسفة التواضع والتيسير

سؤال تردد على ذهني لماذا اختص الله تعالى محمدا بهذا التشريف؟ لماذا لم يخص موسى عليه السلام، مع أنه كليمه؟ أو إبراهيم الخليل أو غيرهما من الأنبياء؟

أرى أن من الأسباب المهمة لهذه الخاصية التشريفية هو أدب محمد (صلى الله عليه وسلم) وتواضعه كرسول ومعلم وعالم، فموسى عليه السلام سأل الله الرؤية "قال رب أرني أنظر إليك ... " الأعراف – 143.

وإبراهيم عليه السلام سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى. "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى" البقرة – 260.

وسليمان دعا الله الملك "قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي. إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ" ص – 35.

فقد تجاوزوا حدود المهمة الاجتماعية والثقافية الموكلة إليهم في هداية الناس، أما محمد فلم يطلب ذلك وإنما قال "إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي".

تواضع لا يقوم به سوى المناضلين الشرفاء، التواضع الذي لا يعني التذلل أو التزلف إنما يعني أن ينصف العالم غيره وألا يتدخل فيما ليس هو من اختصاصه.

قال صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، وَلَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ" فمتى يعلم علماؤنا الأجلاء أنهم ليسوا سوى رموز للدين وأن عليهم أن يفتحوا قلوبهم على المحبة، ويترفعوا عن الحقد والغل والكراهية، وأن يكونوا ميسرين متواضعين.

إنها تجليات الإسراء والمعراج كما رأيتها بنظرة منطقية موضوعية بعيدا عن التفسيرات الشرعية والفتاوى الفقهية.

أعادها الله علينا بكل خير وبركة سلاما يسري ويعرج على العالمين.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 5354


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة