الأخبار
أخبار إقليمية
مع عالم تجارة القوارير
مع عالم تجارة القوارير
مع عالم تجارة القوارير


05-19-2015 08:10 PM
الخرطوم - عمر الفكي

تراهم ولا تراهم، يعبرون أمامك كل يوم، تصادفهم في الحي، وفي طريقك للعمل، وفي وسط الخرطوم، ثم لا يعلقون بذاكرتك، بشر ملابسهم رثة في غالب الأحوال، ملامحهم مرهقة للحد البعيد، ودائماً ما يحمل الواحد منهم جوالاً كبيراً، مليئاً بقوارير المياه الفارغة، وينقب في الطريق وفي مكبات القمامة، بحثاً عن المزيد منها. طرحنا السؤال: من هؤلاء؟ وما هي حكايتهم؟ نصدقكم، اكتشفنا عالماً منسياً، أو بالأحرى مهملاً، غير أنه يتوفر على مفارقات كبيرة، وحتى لا نكشف كل شيء، هو عالم اقتصادي جديد، يبدأ في شوارع الخرطوم، وأزقتها المتربة، وينتهي في مصانع شنغهاي الصينية.

قبل سنوات ظهرت جهات تقوم بشراء القوارير البلاستيكية الفارغة (الكريستال)، المستخدمة في المياه المعدنية، والمشروبات الغازية. في ذلك الوقت، كان رائجاً في وسط من يبيعونها، ومن يشترونها، أنها تستخدم لتعبئة الزيت والجاز الأبيض، ومحلول (الثينر) المستخدم في البوهيات، في سوق ليبيا والأسواق الطرفية. الكميات كانت محدودة نوعاً ما، سعر الكيلو كان حوالي (20) قرشاً، ظل الوضع على هذا الحال وقتاً طويلاً، غير أنه اختلف مؤخراً، إذ بات مشهد من يحملون الجوالات، ويجولون في الطرقات، مشهداً معتاداً. يجمعون القوارير بهمة شديدة، قد يحسبهم البعض عمال نظافة، ولكن بقليل من قوة الملاحظة، سترى أنهم يعملون بهمة لا تتناسب وهمة من يتقاضون أجراً في هذا البلد، وبات مألوفاً أن ترى في "حيشان" داخل الأحياء وفي السوق أكواماً كبيرة من القوارير الفارغة. من خلال مجريات التحقيق، سنكتشف أن مهنة ذات مداخيل اقتصادية مناسبة قامت، وأصبحت ملاذاً لكثير من الشباب العاطلين الباحثين عن عمل.

أصحاب الرزق الجديد

في قلب الخرطوم، في السوق العربي، تجمع عدد من الشبان في "حوش" اتخذوا له من الجوالات الفارغه سوراً، يمنع عنهم أعين الفضوليين من سابلة السوق، جلسنا إلى عبداللطيف موسى، شاب ثلاثيني، تجاذبنا أطراف الحديث هنا وهناك، ولما سألنا عن القوارير أوجس خيفة أول الأمر، ثم بدأ يتخلى عن حذره وقال: "نحن مجموعة مكونه من أحد عشر شاباً، نعمل في الأصل عمال نظافة في بلدية الخرطوم". قبل أن يحدثنا عن تفاصيل تجارة القوارير، كشف عن حال بائس لعمال النظافة في الولاية، عندما أفاد بأن عامل النظافة في بلدية الخرطوم يبلغ راتبه الشهري 350 جنيهاً، فقط لا غير، أي ما يعادل 11 جنيها في اليوم، وقال: "هل هناك سخرة أكثر من ذلك؟".

واصل محمد موسى حديثه قائلاً: "أصبحنا نفكر في مصادر للرزق"، وأشار إلى أنهم لفترة، لم يعثروا على ذلك المصدر، حتى إن من بينهم من ترك العمل واتجه إلى مناطق تعدين الذهب، وظل الحال على ما هو عليه، حتى فتح الله لهم باب رزق جديد، في إطار مهنتهم التي ظلوا متمسكين بها، وقال: "مؤخراً فتح الله علينا باب رزق بظهور تجارة القوارير"، ومضى يحكي لنا قصتهم مع القوارير، وقال: "نحن مجموعة، اتفقنا على جمع القوارير أثناء العمل من النفايات، في جوالات خاصة، نحملها معنا طوال عملنا في جمع النفايات، نضع فيها القوارير، وبعد انتهاء زمن العمل نأتي بها إلى مكان إقامتنا في السوق العربي، وكل شخص منا لديه مكان لتجميع حصته اليومية، وفي نهاية الأسبوع كنا نقوم ببيعها لبعض التجار بالقرب من مقابر الرميلة"، وبعد فترة وجيزة بحسب موسى أصبحت التجارة الجديدة رائجة، وتوفر لهم مبالغ من المال، تعينهم على متطلبات الحياة، ولكن لم يقتصر الأمر عند موسى ورفاقه على ما يجمعونه أثناء العمل، بالذات بعد أن تذوقوا حلاوة الدخل الجديد، يقول موسى: "اتجه جزء منا للعمل ليلاً في جمع القوارير من الأماكن القريبة من مكان إقامتنا كعمل إضافي، وأصبحنا نبيع لزميل لنا، وابن منطقتنا، بدلا من التاجر، يأتي ويزن منا حصة الأسبوع ويقوم بإعطائنا نصيبنا كاش".

حصيلة الأسبوع

مع الأيام ازدهرت تجارة القوارير، بالنسبة لمحمد موسى ورفاقه، مبلغ علمهم أن زميلهم يشتريها منهم، ويبيعها بدوره لتاجر في سوق ليبيا، أو السوق المحلي، لا يعلمون وقتها أن الحكاية أكبر من ذلك بكثير، يقول أحد شباب السوق العربي ويدعى عبداللطيف: "هذه التجارة انتعشت جدا وفي كل يوم يزيد الطلب على الكريستال، والمشتري يشجعنا على جمع المزيد، وهو على استعداد لشراء أي كمية مهما كانت"، وأشار إلى أنها تعود عليهم بمبالغ مقدره، مما حفزهم للعمل بجهد أكبر لزيادة حصة الأسبوع، وهي التي وصفها بأنها في أفضل حالاتها تتراوح ما بين 500 - 600 كيلو في الأسبوع، غير أن زميل عبد اللطيف وشريكه، واسمه عيسى أبكر، أشار إلى أنهم مع الإرهاق، من عملهم في النظافة، أحياناً تكون الحصة الأسبوعية قليلة، لا تتجاوز (200) كيلو فقط، ويذكر عبد اللطيف أنه فكر في جمع شاحنة كاملة، ولكن نسبة لظروف العمل استغرقت معه فترة شهر بحاله، وهو دائماً يحتاج المال، لذلك عاد لنظام الحصة الأسبوعية فقط، التي قال إنها توفر له أحياناً مبالغ محترمة بين 600 - 700 جنيه في الأسبوع الواحد.

الفنادق هي الأوفر

وعن أماكن جمع القوارير الفارغة، ومصدرها الرئيس فهي شوارع الخرطوم، حيث يرميها الناس بعد استخدامها، وتجدها متوافرة أمام الكافتريات. يقول عبد اللطيف: "في الأساس، توزعنا البلدية في شوارع محددة وسط الخرطوم فكل واحد يقوم بالجمع من الشوارع، حسب خط السير الذي حدده له المشرف الذي يرأسه". "من أين تجمع أنت تحديدا يا عبد اللطيف؟"، يقول: "في شارع السيد عبد الرحمن"، أما أكثر الأماكن التي يمكن أن تجد فيها القوارير فهي الفنادق، بحسب موسى الذي أشار إلى أنهم في المساء يتجهون إلى شارع النيل والفنادق وخاصة فندق كورنثيا (برج الفاتح سابقاً)، ومنطقة وسط الخرطوم وعدد من المطاعم والكافتريات.

الأسعار وتأثير الدولار

تدرج سعر كيلو القوارير، كما ذكرنا في بداية هذه التجارة، فقبل خمس سنوات كان سعر الكيلو (20) قرشاً، ولما سألنا عن سعره اليوم أفادوا بأنه متأرجح، ومن قبل 3 أعوام كان يصعد ويهبط مع الجنيه، وهذه الأيام قالوا إنهم يبيعوا لإبراهيم بسعر 80 قرشاً للكيلو، هذا ما جعلنا نسأل إبراهيم عن تأرجح الأسعار والشيء الذي يتحكم فيه، فأبلغنا بأن الأمر الأساسي الذي يتحكم في الأسعار هو سعر الصرف (الدولار) حسب قول أصحاب المصانع، وأنه يبيع للمصانع هذه الأيام بسعر 1 جنيه و300 قرش للكيلو، وبرر مبلغ الخمسمائة قرش الإضافية بأن عليه تكاليف إيجار عربة بمبلغ 400 جنيه، بالإضافة إلى تكلفة عمال الشحن 80 جنيهاً، أحياناً يربح في الشحنة حوالي 200_250 جنيهاً، هو المبلغ الذي يتوافر له كل أسبوع هذه الأيام لأن هناك تدنياً في الأسعار. وقطعا اجتهد إبراهيم في أن لا يكون صريحاً بشكل كامل، في ما يتعلق بأمور التكلفة والربح. وعن التعامل الآجل يذكر إبراهيم أنهم يتعاملون بالكاش فقط مع المصانع والباعة إلا في حالات استثنائية.

"40" شاباً من الصحافة

وبينما نحن في رحلة التقصي هذه، والمنادي ينادي حي على الصلاة إيذاناً بقدوم صلاة المغرب، قابلنا الشاب محمد، في منطقة الصحافة يحمل جوالاً ضخما على ظهره، ويظهر أن حصيلة اليوم مبشرة بمبلغ مقدر من الجنيهات، استوقفناه فتحدث معنا بكل رضا عن مهنتة التي امتهنها منذ عامين حسب قوله وأضاف: "كنت أعمل في ورشة لسمكرة السيارات ولكنني تركت العمل فيها قبل عامين، واتجهت صوب تجارة القوارير"، وأكد محمد أن المهنة الجديدة توفر له دخلاً أكثر بكثير من الذي كان يجنيه من عمله السابق، وأنه يقوم بعملية جمع القوارير فقط في منطقة الصحافة، ويجمع حصيلته كل يومين في نفس مكان الوزن في سوق الصحافة مربع (19)، وفي الغالب يبيع كل يومين بين 60 - 70 كيلو، وذكر لنا أن سعر الكيلو هذه الأيام 1ج، وقبل عامين حدث أن وصل سعر الكيلو إلى جنيه ونصف، وقال إن التاجر يحاسبهم على حصتهم بسعر الكاش، وعن عدد زملائه الذين يعملون معه في نفس المركز ونقطة التجميع، قال "نحن حوالي 40 شابا نعمل لصالح هذا التاجر"، وأضاف أنه راض عن مهنته هذه، وهي أفضل له من مهنة السمكرة.

من داخل المصنع الصيني

رحلتنا مستمرة للبحث في أضابير المهنة التي برزت مؤخراً وأصبحت توظف آلاف الشباب، وهذه المرة من داخل أكبر المصانع وأقدمها في هذا المجال، وهو المصنع الصيني. تحدثنا مع أحد العمال داخل المصنع وأفادنا بالكثير، خاصة وأنه يعمل في المصنع منذ إنشائه قبل حوالي 5 أعوام، بدأ القول بأن المصنع هو أكبر المصانع الموجودة في السودان التي تعمل في هذا المجال، وأن كل المصانع الأخرى تبيع منتجاتها لهم، وعن عدد المصانع الأخرى في محلية الخرطوم، قال توجد 4 مصانع تعمل في إعادة تدوير القوارير، وهي (المصنع التركي، ومصنع الدكاترة، ومصنع محمد سعيد المصري، والمصنع الصيني وهو الأكبر على الإطلاق والأقدم)، وعن أسعار الشراء من التجار يحدثنا عن أن "القوارير بيضاء اللون نشتريها بـ1 جنيه و80 قرشاً والخضراء بسعر 1 جنيه، ونشتري من المصانع الأخرى الخام المطحون، الأبيض بسعر 3ج و70 قرشا والأخضر بسعر 3 جنيهات هذا إذا كان الخام المطحون نظيفاً ومغسولاً جيداً وخالياً من الديباجات التي توضع فيه، وأيضاً توجد مصانع في مدينة ودمدني ومدينة عطبرة تبيع لنا الخام المطحون، وأعلى سعر للخام النظيف المطحون وصل إلى 4.5 - 5 جنيهات، والمصنع يومياً يستقبل من 15-20 شاحنة (دفار)"، وقال إنهم يشترون أي كمية تعرض عليهم، وعن المشاكل التي تواجههم قال هي مشكلة انقطاع الإمداد الكهربائي فقط، إلى جانب بعض الأعطال بين الفينة والأخرى، وعن موسم العمل أجابنا "لا يوجد لدينا موسم محدد نعمل طول العام، ولكن ترتفع النسبة في البضاعة في فصل الصيف" وعلل ذلك بأن "ارتفاع درجات الحرارة يرفع من تناول المياه الغازية والمعدنية وبذلك تصلنا كميات أكبر، ونشتري أي نوع من القوارير عدا قارورة مشروب الشامبيون"، وعن سؤالنا له لماذا أجاب بأن هذا الأمر لا يعرف عنه شيئاً غير أنها غير مفضلة بالنسبة للصينيين.

عدد العمال

يوجد 25 عاملاً في المصنع 6 منهم فقط سودانيون والبقية كلهم إثيوبيون، ويتقاضى العامل يومية قدرها 45 جنيهاً، ومبلغ 150 جنيها في آخر الشهر، أما المعلمون وعددهم 2 فيتقاضون يومية 45 ج، ومبلغ 400 آخر الشهر.

يوجد بالمصنع عدد 5 مطاحن رئيسية إلى جانب الاحتياطية وعددها 2، كما يوجد عدد 2 مغسلة تغسل فيها القوارير خاصة المتسخة قبل أن تطحن، ويضيف محدثنا أن العرض في السنين الأخيرة بدأ في التزايد خاصة أن هذه المهنة بدأت تنتشر بصورة أكبر، وأفادنا بأن كل الكميات التي يستقبلها المصنع ويشتريها من المصانع الأخرى تتم تعبئتها في حاويات (كونتينرات) بعد أن تطحن وتعالج وتصبح في شكل حبيبات صغيرة وتشحن إلى دولة الصين، وتدخل في صناعة الفايبر والعديد من الصناعات الأخرى، وذكر أنهم يقومون بالشحن من 5 - 6 مرات كل شهر، وتتراوح أعداد الحاويات بين 2 - 4 في كل شحنة حسب الإنتاج.

مداخيل وتجار

إذن، الذين نراهم يهيمون في الطرقات، بملابس رثة، يجمعون رزقهم من الشارع، يعملون في تجارة تدر عليهم أرباحاً ويزداد دخلهم معها كل يوم، هذا الخام الذي تجمع قواريره من شوارع الخرطوم، يتم تصديره للصين لإعادة تصنيعه مرة أخرى، الملاحظ أن معظم المصانع أصحابها أجانب، قليل جدا من هذا الخام يباع في الداخل، هذه التجارة قد تحتاج لتقنين، غير أن البعض يرى أن التقنين قد يضيق رزق هؤلاء المساكين

اليوم التالي


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1661

التعليقات
#1269811 [Lila Farah]
0.00/5 (0 صوت)

05-20-2015 02:52 PM
لاترحموا لاتدعوا رحمة الله تتنزل علي هؤلاء المساكين .!!!!!
هسع كلاب الضرايب والزكاة هايتجهوا للضغط علي هؤلاء ليس
لزيادة ايرادات الضرائب او الزكاة ولكن لمشاركتهم في هذا
الرزق البسيط مقابل غض الطرف عن نشاطهم.

[Lila Farah]

#1269589 [المقتول كمد وبطنه فايره]
5.00/5 (1 صوت)

05-20-2015 10:30 AM
يا عمر كشفت المستور.
الحين فتحت باب رزق لأحد منسوبي الضرائب..

ليه كده بس

[المقتول كمد وبطنه فايره]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة