الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
سلب ونهب وتدمير واغتصاب ممنهج للآثار في العراق والشام
سلب ونهب وتدمير واغتصاب ممنهج للآثار في العراق والشام
سلب ونهب وتدمير واغتصاب ممنهج للآثار في العراق والشام


05-25-2015 02:36 AM
عدو التراث الحضاري جيش النظام السوري وداعش وميليشيات محلية وأجنبية، وشبكات من المتطوعين المحليين تشترك في حماية الآثار بعيدا عن رهانات السياسة.

العرب بياتريس أندريه-سالفيني

إن التدمير الهمجي لتماثيل متحف الموصل التي يقطع رأسها وتلقى على الأرض، التعذيب بواسطة المطارق الحفارة والمطارق الضخمة التي تخضع له الثيران المجنحة الكبيرة ذات الرؤوس البشرية المنحوتة منذ ما يقارب 3000 سنة لحماية بوابات المدن وقصور للملوك القدامى من آشور إلى نمرود، نينوى وخورسباد (دور شروكين)، نزل كالصاعقة على الصحافة الدولية وأصاب الرأي العام العالمي بصدمة كبيرة على نطاق واسع. هذه الصور تذكرنا في الواقع، بطابعها الوحشي، بتلك المشاهد الرهيبة لإعدام الرهائن التي تبثها داعش ببرودة دم في محاولة متعمدة لجعل العالم المتحضر يغوص في الرعب.

يكمن القاسم المشترك بين هذين الشكلين من أشكال القتل الهمجي في واقع مؤكد أنه جريمة ضد الإنسانية يتم ارتكابها من خلال الاعتداء على المعالم الرمزية للحضارات القديمة في العراق، شأنها شأن تلك التي وقعت في سوريا. لأن السعي عمدا لحرمان شعب من تاريخه، والعمل على طمس ماضيه ومحو جذوره الثقافية، يمكن مقارنته بالإبادة الجماعية من خلال العودة إلى الظلامية.

إن عواصم الإمبراطورية الآشورية، التي هيمنت في زمنها على آسيا الغربية، يتم تدميرها مرة أخرى؛ لتصبح ضحية للهمجية الحديثة. إن مآثرها المصنوعة من الطين أو الطوب، شامخة وهشة في الوقت نفسه، وقد اختلطت مرة أخرى مع مناظر مثيلاتها التي تنتشر في تلك المنطقة، شأنها شأن العديد من معالم ماض غني.

كل الأراضي المحيطة بالموصل محتلة من قبل الإرهابيين، وليس في وسعنا إلا أن نضع فرضيات حول مصير “الحضر” (Hatra)، المدينة التي أسسها السلوقيون، ثم شكلت مركز مملكة البارثيين، والتي أصبحت أول عاصمة عربية. لقد بنيت من الحجر المصقول، وكانت تضم مآثر ظلت قائمة لتؤثث مشاهد صمدت في المكان نفسه لما يناهز ألفي سنة بعد انحطاط حضارتها، وذلك بفعل المواد الصلبة التي بنيت بها، وبفضل الترميمات الحديثة التي خضعت لها، منذ أن أصبح الموقع مدرجاً ضمن قائمة التراث العالمي للإنسانية بدءاً من العام 1985.

وصل الخبر الجديد يوم السبت 4 أبريل/نيسان، من خلال شريط فيديو جديد يظهر جلادو الحضارة وهم يعتدون بضربات المطارق الكبيرة وطلقات بنادق الكلاشينكوف، على جدران المعابد العظيمة، والمشاهد الهندسية الرمزية في أعالي التضاريس المحفورة بالحجر الجيري، وكذلك على قوالب التماثيل التي أعيد بناؤها من الجص، والتي تم نقل نسخها الأصلية إلى متحف الموصل.

لمدة 7 دقائق مديدة، والعميل يستهدف في المقام الأول أسهل الأهداف والتي يشكل دمارها مشهدا أكثر إثارة؛ لكن يمكننا أن نتصور، على غرار الأفلام التي بثت في أوائل شهر مارس، المزيد من التدمير وبشكل واسع النطاق على الموقع.

فعل همجي

إن الأضرار التي تصيب التراث الثقافي وقت الحرب متعددة الأوجه وتنطوي على مستويات مختلفة من المسؤولية. منذ العصور القديمة، فكل معركة، كل غزو، يخلفان وراءهما التخريب. يتم النهب بشكل ضار، مقرونا بسوء النية، بهدف جني المال، أو من أجل الاحتفاظ بتذكار، أو لمجرد الحصول على المال لقاء المواد الغذائية. إلى كل هذه الأسباب يضاف الآن النهب كمصدر لتمويل منظمة إرهابية. إن تدمير الموروث الآثاري هو فعل همجي لا يمكن التغاضي عنه.

صدمة معنوية

إن قائمة الأضرار التي لحقت بالتراث الثقافي للعراق جد طويلة، لأن البلد وشعبه يواجهان الحرب والحرمان لمدة خمسة وثلاثين عاما. سنة 1980، بدأ الصراع العراقي الإيراني، تلته في 1990-1991 حرب الخليج التي أدت إلى الحظر الدرامي الذي فرض على السكان حتى اندلاع الحرب في العراق في أبريل 2003، والتي لا تزال البلاد تعاني من عواقبها الكارثية. إن الأيام المظلمة من أبريل 2003، التي شهدت المتحف العراقي في بغداد وهو يتعرض للتخريب من قبل السكان الذين كانوا فريسة للذعر، واختفاء أكثر من ثلاثين من روائع أعمال الحضارة القديمة لبلاد ما بين الرافدين، شكلت صدمة معنوية وروحية كبرى حزت في النفوس.

يجري الحديث عن 15000 قطعة اختفت، تم العثور على 6000 منها مقابل عمل شاق وطويل النفس من قِبل دائرة الآثار العامة في العراق والمجتمع الدولي. هذه الأرقام ماتزال غير مؤكدة، لأن الكثير من هذه المواد لم تكن موضوع جرد مسبق وكان يحتفظ بها في الخزائن، دون تصنيف شامل يكفي ليتم تحديدها بالتأكيد. لقد بدأ اختفاء تلك الأعمال منذ مدة قبل عام 2003. لقد كانت بغداد والمحافظات وقت الحصار تفتقد لكل شيء ولم تكن هناك أيّ وسيلة تمكن من إعادة ترميم أو تأمين الصيانة الجيدة والمحافظة على التحف.

كانت معروضات المتاحف قد تناقصت أعدادها عن ذي قبل، بسبب الترحيلات على عجل خلال الحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج التي أدت إلى جملة من الخسائر والنهب. في الواقع، عند كل لحظة خطر من التاريخ الحديث للبلاد، كانت معروضات المتاحف العراقية تُخزّن في صناديق بغرض تأمين حمايتها. وقد كانت تلك الصناديق مؤقتة وغير مصممة بشكل جيد في كثير من الأحيان، مصنوعة من أسوأ أنواع الخشب أو من المعدن، ويتم حفظ الأشياء على عجل في القطن.

لقد تم نقل تلك الصناديق من بغداد أو الموصل؛ ثم تم توجيهها إلى أماكن مختلفة، وغالبا من دون أيّ قائمة، أو بعد جرد كُلي غير دقيق. لقد فُقد البعض منها وسرق البعض الآخر، وعثر على ما تبقى، ولكن الأشياء الهشة التي كانت ضمنها، التي خضعت لظروف التخزين السيئة، وخاصة لظروف مناخية متقلبة، تأثرت كثيرا، وأحيانا فُقد الأمل في إنقاذها. لقد تم إرجاع الأشياء المتبقية إلى بغداد في سنوات 1990، وقد كانت أيضا عرضة لظروف تخزين سيئة: هجوم الحشرات، قلة التهوية، إلخ.

تدمير المكتبات

إلى هذه المصائب، أضيفت عمليات السلب والنهب والتدمير الممنهج للآلاف من المواقع الأثرية والعديد من المكتبات التي اندلعت بها النيران. قبل خزانة الموصل، التي شهدت في فبراير الماضي اندثار 8000 مجلد صارت رمادا وذهبت أدراج الرياح، عرفت مكتبة كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، في نوفمبر 2009، إتلاف أزيد من سبعين ألف مؤلف، مخطوطات، خرائط، صور، ووثائق تاريخية، وهي جرائم اقترفها مخربون ليس بهدف السرقة ولكن فقط من أجل التخريب.

وقد تفاقم الوضع وازداد سوءا منذ إعلان الدولة الإرهابية الإسلامية في يونيو 2014، حيث أن الانتهاكات الأخيرة، سواء التي استهدفت المعالم الأثرية المقدسة للإسلام الأول، والعصور الوسطى، وكذلك ما تبقى من آثار بلاد الرافدين القديمة، أو العرب الأوائل، حظيت علنا بـ “تغطية إعلامية” من طرف مدمّريها.

دمار سوري

على الطرف الآخر من الحدود، في سوريا هناك بلاد حضارة عريقة في القدم، تضم موروثا يضاهي، من حيث الغنى والأهمية، تاريخ العالم، مبرزا انتسابات ثقافية كبرى لبعض الحقب وحسب المناطق، مع جارتها من وراء الفرات، فالوضع مأساوي على سواء، رغم أنه حديث العهد. منذ مارس 2011، وحرب أهلية تلقي السكان في البؤس والآلام. إلى كوارث الحرب التي تؤثّر على الحياة اليومية، تضاف كوارث فقدان التراث الفكري والفني. أقاليم شاسعة من سوريا تم تصنيفها الآن كـ”مناطق ثقافية منكوبة” بسبب اتساع رقعة التنقيبات السرية المجحفة والأذى المتعمد الذي يصيب المعالم التاريخية، وخاصة في محافظات الحسكة، دير الزور، إدلب، القرى التاريخية في نواحي المدن الآبدة شمال سوريا، حلب ونواحيها، ودرعا.

وقد لوحظت أضرار أشد في شمال غرب البلاد، حيث تم نهب ممتلكات ثقافية ذات قيمة كبيرة. إن العديد من الأعمال الفنية هي الآن بحكم المفقودة. منذ بداية الأزمة، والمواقع الأثرية الهامة كـ”أفاميا، تدمر، حماة، حلب، إيبلا”، وكذا معالم أثرية عظيمة تشكل أيقونات ثقافية كالمسجد الأموي في حلب، وقلعة الحصن، تتضرر بسبب الاقتتال، في الوقت الذي تتسبب عمليات النهب بخسائر جسيمة في مواقع أخرى، وتزول أحيانا إلى الأبد، أيّ أمل في استئناف تنقيبات طبقاتية ذات جودة.لقد تحولت ممتلكات ثقافية إلى مواقع للقتال أو ملاذ للاجئين، أو شُطبت تماما من على جه الأرض.

لقد شهدت المتاحف جراء القصف بالقنابل عدة أضرار في بناياتها أو كانت عرضة لخسائر جسيمة وعمليات نهب مكثفة. بعض المعالم الأثرية بمركز دمشق تأثرت كثيرا بفعل التفجيرات. وقد حظيت الرقة بالشرف المشؤوم لتصبح مثل الموصل، عاصمة جديدة لـ”الخلافة”.

لقد تسببت هذه المنظمة المشؤومة في تفاقم كارثي للخراب الذي أحدثته العصابات المسلحة بالمواقع؛ هكذا أصبحت الصالحية، وماري، كأنها مناظر طبيعية على سطح القمر جراء عمليات السلب والنهب المكثف، الذي نظمته الدولة الإسلامية، مما أجبر الأهالي على إجراء تنقيبات بشكل سريع وعلى نطاق واسع، للعثور على أشياء تموّن النشاط التجاري العابر للحدود. تُرتكب هذه الانتهاكات على أيدي الجماعات من سوريا ولكن أيضا بمشاركة بلدان المناطق المجاورة التي تمر عبرها الأعمال المسروقة.


جرائم أخلاقية

الدمار والتخريب المتعمد لتراث المكتبات، المتاحف، المواقع الأثرية، والمعالم الرئيسية، هي جرائم أخلاقية تنضاف إلى دوامة الإرهاب المتصاعد في العراق وسوريا. ومع ذلك، فلا المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا، ولا دائرة الآثار والتراث في العراق استسلمت لليأس، فالمبادرات الوطنية والمحلية تغذي الأمل في مستقبل للبلدين، من خلال مستوى التعليم الذي يحمي من الجهل، مصدر كل همجية.

صرخة استغاثة

منذ سنة 2012، أطلق البروفيسور مأمون عبدالكريم مدير عام “المديرية العامة للآثار والمتاحف في سوريا”، الذي تحظى شرعيته العلمية باعتراف الجميع، صرخة استغاثة موجهة إلى المجتمع الثقافي الدولي. في ظل هذه الظروف الصعبة، تتواصل مجهودات المديرية، بعيدا عن الاستقطابات السياسية، لتأمين تراث يشكل عاملا موحدا لجميع السوريين وأساسا للذاكرة الثقافية والوطنية. في سبيل ذلك، يخاطر البعض منهم بحياتهم، بوسائل محدودة ولكنها فعالة. متخصصون في علم الآثار، فنانون ومهندسون معماريون، قد قاموا خصوصاً، بتأمين الحماية لمتحف معرة النعمان شمال سوريا بمحافظة إدلب، والمعروف بمجموعاته من الفسيفساء الرومانية والبيزنطية من القرن 3 إلى 6. وقد أنقذ مدير الآثار والمتاحف العديد من مجموعات المتاحف الإقليمية بإرجاعها إلى دمشق، مجازفا بحياته.

هكذا غادرت أكثر من 11000 قطعة دير الزور، على الرغم من الخطر الذي المحدق بالمنطقة التي سقطت في أيدي الإرهابيين، وصعوبة إيصال كل تلك الصناديق إلى المطار. وقد قام بصياغة حملة وطنية بعنوان “حفظ التاريخ السوري”. هذا العمل التوعوي التحسيسي للشعب السوري على ضرورة حماية تراثه، الذي تم نشره من خلال الملصقات والوسائل السمعية والبصرية، أدّى إلى تنظيم دورة دراسية حول مكافحة الاتجار غير المشروع بالممتلكات الثقافية، أقيمت في مايو 2013 بالمتحف الوطني بدمشق.

بعيدا عن الرهانات السياسية، تعبّأت شبكات من المتطوعين من جميع أنحاء البلاد وتوحدت كلها من أجل هدف مشترك، موفرة تعزيزا أمنيا لحماية المواقع الأثرية والدفاع عن المتاحف. يتم بانتظام تجديد وضعية حالة المواقع والآثار برعاية مرجعيات متعددة منها، المديرية العامة للآثار والمتاحف، المنظمة العالمية للجمارك، الدرع الأزرق والمتاحف الغربية الكبرى.

وفي السياق نفسه تم إنشاء عدة برامج على الإنترنت من قبل علماء آثار سوريين في المنفى، والمجتمع العلمي الدولي، مثل جمعية “شيرين”، وهي مبادرة تتألف من باحثين يعملون في مجالات علم الآثار، الفن والتاريخ السوري، والذين هم على أتم استعداد لوضع خبراتهم والوثائق المتوفرة لديهم في خدمة حماية التراث السوري.

شبكات آركيولوجية

من الممكن اليوم إجراء تنقيبات في سوريا، فضلا عما قامت به المديرية العامة للآثار والمتاحف وتستمر في القيام به من أعمال جليلة في سبيل إنقاذ المواقع المهددة.

أما في العراق، فلم تتوقف دائرة الآثار عن التنقيب أبدا بشكل نهائي، إلا في أسوأ لحظات الحرب، لأنها وسيلة لمنع أعمال النهب باحتلال المكان. في الشمال، بإقليم كردستان العراق المفتوح بسخاء في وجه التنقيبات الأجنبية منذ السنوات الأخيرة وحتى يونيو/حزيران الماضي، تستمر التنقيبات محليا.

لقد تم تركيز جزء من النشاط الأركيولوجي من جديد على مواد المواقع التي خضعت للتنقيب من قبل، والتي يتوجب توثيقها، جردها، تصويرها ونشرها. وقد تم تشكيل شبكات أركيولوجية وطنية ودولية تجتمع بشكل منتظم، خاصة تحت رعاية اليونسكو، للمساعدة على الترقيم الضروري للمواد وإعداد خرائط أثرية لسوريا والعراق. يجري الآن تدوين بيانات الجرد وأرشيف محفوظات المجموعات وكذا ترقيمها، بالإضافة إلى عمليات المسح الضوئي في المتاحف، وذلك لتبسيط تحديد وتسجيل القطع المفقودة، وتوثيق الأعمال المحفوظة. ولكن للقضاء على ظاهرة النهب، يجب وضع حد للاتّجار؛ إذا لم يعد هناك مشترون، ستتوقف التجارة.

أفكار مذهلة

في العراق، تعود العديد من المبادرات سواء من التربية والتعليم، الصيانة، الحماية ونقل التراث، وقبل كل شيء العمل الجدير بالإعجاب الذي تم إنجازه في المتحف الوطني للعراق في بغداد، خلال السنوات الأخيرة، من طرف مدرائه المتعاقبين وكذا محافظيه. لقد آثر مدير الآثار، الدكتور قيس حسين راشد، أن يعيد فتح جزء من المتحف، ابتداء من شهر سبتمبر 2014، لأغراض تعليمية. مذهلة كانت فكرة الافتتاح الموسع من جديد في وجه الجمهور العريض في أول مارس/آذار 2015، والتي جاءت كرد شجاع على التدمير الذي قامت به داعش في شمال البلاد، لإظهار أنه لا يمكن أن ندمر الذاكرة التاريخية لشعب. وقد كان رهانا ناجحا حيث صرح أحد زوار الساعة الأولى “بمجيئنا إلى هنا لرؤية معالمنا الأثرية، زالت الصدمة التي عشناها بعد رؤية الدمار على شاشات التلفزيون”.


لقد كان مشروعا تم التفكير به منذ مدة طويلة، لكنه بقي معلقا بسبب انعدام الأمن. على الرغم من كل العقبات، فإن عملا نشيطا لم يتوقف قط في متحف بغداد، كما في متاحف أخرى في العراق.

لقد تم استرجاع العديد من القطع التي نهبت، على الرغم من أن التعرف على مصدرها، على وجه الدقة، لم يكن دائما متاحا، وأن التي جيء بها من المواقع المدمرة لا تحمل توصيفا طبقاتيا؛ ولكن عملية إعادة تشكيل المتحف تأخذ مجراها، إلى حد كبير، بكل بساطة، بواسطة مثابرة وعزم العاملين هناك.

ولقد مدت لهم دول أخرى يد المساعدة؛ فقد قام مركز الحفريات الأثرية في تورينو بتصميم مشروع إعادة تهيئة المعرض الآشوري الكبير، على شاكلة نظيره في متحف اللوفر؛ لكن العراقيين استعادوا ملكية مجموعاتهم وتاريخهم، بقوة الإرادة والمثابرة. افتتاح أول مارس/آذار الماضي كان ثمرة رباطة جأش وعمل دؤوب لدائرة الآثار وموظفي المتحف العراقي الذين كان يتوجب عليهم مواجهة نقص الموارد، انقطاع التيار الكهربائي، والظروف الأمنية المجحفة، مشاكل المواصلات، ونقاط التفتيش التي تتسبب في إطالة رحلات قدومهم إلى العمل، حتى ثلاثة أو أربعة ساعات في الصباح والمساء.

إنجازان في الموصل

إنجازَان تم تحقيقهما بمنطقة الموصل، من أجل حماية ونشر الذاكرة المكتوبة، يستحقان التكريم. إنهما يستندان إلى قناعة إنسانية بأن الثقافة المشتركة حلقة وصل بين المجتمعات.

المثال الأول كان مصدره من دير كاراكوش (Qarakosh) قرب الموصل، مكان للحرية، الثقافة والتكوين، تم نقله إلى المنفى في أربيل في يونيو الماضي مع الآلاف من المخطوطات التي يعود تاريخ البعض منها إلى العصور الوسطى. لقد تم إنشاء مدرسة لترميم هذه المخطوطات الثمينة، في أربيل، من قبل الأب الدومينيكي نجيب ميخائيل، المدير المسؤول عن المكتبة، تساعد المسيحيين المضطهدين والمجتمع الأيزيدي على إعادة بناء هويتهم وتعلم حرفة.

المثال الثاني هو الخزانة التي أسسها في كركوك بطريرك الكلدانيين، المطران ساكو (Sakko) عندما كان رئيس الأساقفة المطارنة لكركوك. إنها مليئة بكتب الفلسفة الإسلامية، المسيحية والنصرانية، إذ أن كل طالب، أو رجل ثقافة، هو مُرحّب به من أجل الدراسة والاطلاع. إنه ينبغي تشجيع ومضاعفة مثل هذه الإنجازات التي تقرّب بين المجتمعات. اعتمد مجلس الأمن الدولي في 12 فبراير 2015 القرار (رقم 2199)، الذي يدين تدمير التراث الثقافي، كما اعتمد تدابير ملزمة قانونياً لمكافحة الاتجار غير المشروع في الآثار والممتلكات الثقافية الخاصة بالعراق وسوريا.

يقضي القرار بأن تتخذ جميع الدول الأعضاء التدابير اللازمة لمنع الاتجار بالممتلكات الثقافية العراقية والسورية وغيرها من القطع ذات الأهمية الأثرية والتاريخية والثقافية والعلمية والدينية، التي تم جلبها بشكل غير قانوني من العراق منذ 6 أغسطس/آب 1990 ومن سوريا منذ 15 مارس/آذار 2011، بما في ذلك فرض حظر على التجارة العابرة للحدود الدولية لهذه القطع. منظمة اليونسكو هي التي أسندتْ لها مهمة تنفيذ هذه المقتضيات، بتنسيق معICOM، الإنتربول، منظمة الجمارك العالمية، الدرع الأزرق (بلو شيلد) والمتاحف الكبرى. بصرف النظر عن هذا القرار، تجدر الإشارة إلى أن خير وسيلة لمحاربة الجهل الذي يولّد التطرف هو التعليم. ويجب أن يفضي إلى تمكين كل شخص من معرفة تاريخه، وأن يجعل منه عنصر فخر وطني يحظى بكامل الرعاية.

كما تجدر الإشارة، أيضا، إلى أنه منذ نعومة الأظافر وفي سن جد مبكرة، عندما يتمكن الأطفال من امتلاك ما يشكل جزءا من حياتهم، حينها يتشكل الوعي بالجمال، بالقيم الأخلاقية، والتاريخ. الأطفال إذن، لابد أن يتبلور وعيهم بأنهم يشكلون جزءا من بلد عظيم؛ وهذا لا يمكن أن يتم إلا إذا كانوا على بينة من الثروة والأهمية التي يشكلها تراثهم الذي هو حلقة الوصل في ما بينهم. لابد أن نأمل أن لا يكون هناك، في المستقبل، أي مجال لنهب التراث أو تدميره.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4860


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة