الأخبار
أخبار إقليمية
الرئيس الشرعي المنتخب!
الرئيس الشرعي المنتخب!
الرئيس الشرعي المنتخب!


05-29-2015 10:56 AM
أحمد الملك

كان المساء يرخي سدوله حين طرق الرقيب عبد الحي باب إنداية النسيم، البيت يقع ليس بعيدا عن الحامية العسكرية في منطقة قريبة من مجرى نهر الدندر، كان الطقس لطيفا والشوارع تعبق برائحة نوار أشجار السنط. معظم رواد البيت يعرفونه، لكن المكان تقصده دائما أعداد كبيرة من الغرباء، عابرون في طريقهم الى مدن الوسط، عمال حصاد، غرباء دون هدف ودون وجهة محددة ، نازحون من حروب لا تنتهي بإمتداد القارة. كان هناك فتى يعزف لحنا حزينا على الوازا عرف عبد الحي أن الصبي من قبيلة البرتا. إنقبض قلبه قليلا حين طفت على سطح ذاكرته فجأة مشاهد من صور طفولته، وإندلعت معها في حمى التذكر، رائحة موسم حصاد غابر مخلوطة برائحة مشروب الباصا، رأى نفسه يرتدي ملابسا مزركشة ويرقص الهوكي، على أنغام أغاني الحصاد. وشاهد نفسه نائما جوار جدته تهدهده نقرات المطر فوق سقف القطية وتتسرب الى صحارى أحلامه، دوامات غناء متقطع لطائر حزين يعبر فوق موج الصمت في ليالي موسم الجفاف، الذي تقطعه أصوات الغرباء الذين يعبرون في ضوء القمر، وصوت قطرات الماء التي تسقط كل بضع دقائق من زير الماء المملوء في الفناء الملاصق للقطية. كان قد عاش جزءا من طفولته مع جدته في تلك المنطقة في بلدة صغيرة تنام على سفح جبل يكتسي معظم شهور السنة بشجيرات شوكية خضراء.
كان لا يزال يشعر بأن تلك كانت أسعد فترات حياته، مع حنان جدة عوضته عن حنان والدته التي ماتت مبكرا أثناء وضعها لطفلة ماتت ايضا اثناء الولادة.
بعد ان انجلى غبار اللحن الذي كان الفتى يعزفه، تبددت السحب التي كانت تحجب الرؤية داخل فناء البيت، لاحظ عبد الحي وجود بعض معارفه، وحتى تحضر له إحدى فتيات النسيم حصته من العرقي، قام بإحصاء الموجودين فاكتشف وجود سبعة غرباء بجانب الفتى، مارس بهدوء هوايته في محاولة التعرف الى الغرباء يحاول من تقاطيع وجوههم وطريقة كلامهم ان يحدد من أين جاءوا، بسبب ضوء المصباح الخافت، لم تكن الوجوه واضحة، كل شئ يبدو ذائبا في الضوء الخافت ورائحة نوار شجر السنط، تعرّف فقط على واحد منهم، لم يصدق عينيه في البداية: هذا الرجل كنت أؤدي له التحية العسكرية! لم يتذكر أين رآه لكنه يتذكر جيدا انه قبل سنوات أدى له التحية العسكرية، مؤكد انه كان ضابطا بالجيش، ربما احيل للتقاعد او شارك في انقلاب عسكري وحصل على عفو رئاسي انقذه من الموت، عصر ذاكرته حتى انفجرت في وجهه أمسيات خريف كئيب وأصوات باعة جوالة في مدينة بعيدة على حافة الصحراء لا يسمع فيها في صمت أيام الشتاء سوى صوت الريح الراحلة فوق موج السنابل، وصوت المؤذن ينادي لصلاة العشاء يتهادى صوته فوق كثبان الرمال وأحراش شجيرات الطندب والحلفاء. ونسوة يفترشن الأرض في سوق خريفية غارقة في الرذاذ ورائحة روث الأبقار، ورأى جدته تبرز ببطء في عتمة الذاكرة، تحيط بحواف جسدها خيوط ضوء الضحى الباهت، رآها تقود صبيا نحيلا يحمل جوالا من الخيش تبرز فوقه مثل جذور شجرة عتيقة، حبل نبات الحلفاء الذي تستخدمه جدته لتخيط به الجوال كلما تمزق جزء منه. إنه أنا، قال مبتسما حين رأى صورته، مع جدته في الرحلة اليومية الى المزارع بحثا عن غذاء لثروتهم القليلة من الماعز والضأن. ورأي قافلة من الحجاج يرتدون ملابس خضراء ويحملون الدفوف في طريقهم الى ضريح أحد الاولياء الصالحين للاحتفال بعيد مولده. ورأى مظاهرة غاضبة تكتسح الشارع الرئيسي في المدينة من على البعد تطالب بإنهاء حكم العسكر. إنتبه حين نحى بيده جانبا الصور التي كاتنت تتدافع من ذاكرته حتى اتضحت الصورة أمامه، فرأى الجنرال يحمل كأس مشروب المريسة ويجوب الفناء في خطوات تفتيشية كأنه يتفقد حرس الشرف. رأى الرجال السبعة الذين سيقود القدر أحدهم بعد ساعات ليواجه كتيبة الاعدام دونما ذنب جناه. أحدهم رجل مسن أمضى نصف عمره يفتش حرس الشرف ثم لاذ بالفرار حين نجح أحد الانقلابات العسكرية الكثيرة التي كانت تدبر ضد نظامه. ولأن النظام الجديد في بلده تورط في دعم بعض الحركات المتمردة فقد وجد هو دائما من يستقبله في متاهته بإعتباره الرئيس الشرعي المنتخب، رغم أن نظامه إشتهر بتزوير الانتخابات، وكانت صناديق الانتخابات التي يشرف عليها المراقبون الدوليون يتم إستبدالها دائما بصناديق محشوة ببطاقات مؤيدة له. الآخر رجل في مقتبل العمر، يبدو من مظهره مثل أحد أصحاب مشاريع الزراعة المطرية. ربما نجح موسمه الزراعي وهو مسافر للراحة بعد نهاية الموسم. ثم رأى معه في نفس حلقة الشراب شابين صغيرين، إستبعد أن يكون الشابّان أبنائه، ربما يكونا من أقربائه وجاءا لزيارة المنطقة فأحضرهما الرجل بعد نهاية الموسم الزراعي ليتعرفا على المنطقة. إعتقد في البداية انهما من عمال الحصاد، لكنه لاحظ عليهما سيماء أبناء المدينة، رغم مظهر ملابسهما الفقيرة . فدهش لوجودهما في هذه المنطقة النائية التي ينشط فيها رجال الجيش في القبض على الشباب وإرسالهم لمناطق الحرب. رأى شبح رجل ضخم يجلس في ركن مظلم في مؤخرة الفناء، لم يجد فرصة ليخمن المنطقة التي ينتمي اليها الرجل وطبيعة عمله، كان الرجل يعطي وجهه للجدار، وكان هو نفسه يكاد يبدو مع الضوء الخفيف وظلال أشباح الحضور فوقه، كأنه جزء من الجدار لولا الجلباب الأبيض المتسخ الذي يحيط بجسده الضخم الذي لا ينقصه سوى خرطوم وذيل قصير، ليبدو مثل أحد تلك الأفيال السارحة في حديقة الدندر. في الركن الآخر من الفناء رأى أيضا شابا صغيرا تبدو عليه وعثاء سفر بعيد، رغم الضوء الخافت لاحظ الرقيب عبد الحي إمارات الحزن في وجه الفتى الهارب من أتون الحرب البعيدة. دون أن يفهم أن الفتى كان يعيش ضياعه الثاني بسبب فقده للمزمار الذي ظل يتشبس به طوال سنوات كأثر وحيد لطفولته السعيدة السالفة، وذكرى والديه وقريتهم التي أحرقتها الميليشيات التابعة للحكومة. حين كانت ترتفع بين الفينة والاخرى نغمة من بوق الوازا الذي يحمله الفتى الآخر، كان الصبي الحزين يشعر ببعض الراحة. يشعر بنغمات البوق المقدس الذي تمت مباركته في مهرجان الحصاد الأخير، تبدد سحب الحزن في قلبه وتعيد نبض الحياة الى العالم من حوله. دهش لأن مزمار الصبي كان كبيرا جدا بطول الفتى نفسه تقريبا. فجأة سمع الصبي صوتا مألوفا: صوت دقات الساعة! الساعة التي دفنت تحت ركام البيت المحروق قبل أن يعطيها والده له في أول يوم لذهابه للمدرسة. إستشعر خطرا خفيا مجرد سماعه لدقات الساعة. كأنه يرى طائر النار قادما يخترق الفيافي لينثر الموت والخراب. قال للفتاة التي أحضرت له كوبا من مشروب المريسة: هل توجد حرب هنا؟ إنني أشم رائحة الموت!

صعقت أسمرينا، الفتاة الجميلة، لذكر الموت، لكنها رقّت لحال الشاب الصغير، كان يبدو وحيدا حتى وإن عاش وسط ملايين البشر، علامات السفر في وجهه وملابسه كانت توحي بأنه مسافر الى الأبد، الى عالم لا يمكن التنبؤ به أو توصيفه، حتى في أكثر حكايات الجدّات خيالا. شرح لها أن مزماره كان كفيلا بتبديد رائحة الموت في المكان، لأن نغمات مزماره، كانت تعطي إحساسا بزمان مشبع بالفرح والحياة، لا تعيد نغمات مزماره فقط بهائمه التائهة في المرعى البعيد، بل تعيد الحياة الى أكثر وقائع حياته ضياعا في النسيان. وحكى لها حين رآها تترك عملها وتجلس بجانبه، الهجوم الذي تعرض له البص الذي إستقله من مدينته البعيدة في الغرب، وكيف أنهم أخذوا كل شئ، بل أنهم قتلوا أمام عينيه، رجلا رفض تسليمهم المال الذي كان يحمله، وبعد أن قتلوه إكتشفوا أنه لم يكن يحمل سوى مبلغ قليل من المال لا يكفي ولا حتى لشراء قطعة خبز! أما هو فقد أعطاهم حقيبته الصغيرة والنقود القليلة التي تبقت معه، طلب من الرجل المسلح أن يسمح له بالاحتفاظ بمزماره الذي وضعه في حقيبة ملابسه لكن الرجل المسلّح لم يكترث له.

أحضرت له أسمرينا مزمارا كان أحد زوّار الإنداية قد تركه قبل أشهر، كان المزمار جميلا، صنع من خشب أحمر جميل وتم تزيينه بخطوط ذهبية ، وضعه آدم في فمه وبدأ يعزف عليه. إنسابت داخل الإنداية موسيقى هادئة كانت تبدو كأن الرياح الليلية التي هبت مع إنسياب نغمات المزمار، تدفع بها من عوالم أخرى، رفع رواد الإنداية رؤوسهم لرؤية من أين ينساب هذا اللحن السحري، حتى الرقيب عبد الحي الذي كان على وشك مغادرة البيت، توقف قبل أن يغلق الباب ونظر بإتجاه اللحن المنساب في الهواء. كأنه يتسلق الليل مثل فروع شجرة لبلاب. حتى الجنرال توقف عن إستعراض حرس الشرف في ذاكرته، ووقف يحدق في الفراغ، كأنه يبحث عن اللحن الشارد بين النجوم، دون أن يفطن الى ان اللحن كان يتدفق قريبا حتى من وجهه. لكنه لم يشعر ولا حتى أنه كان ينظر من خلال ثقب في ذاكرته، نفس الثقب الذي فتحته نغمات المزمار الساحرة، الى مركبة تتهادى في عمق الليل، وفي جوفها تجلس ملكة عرش أشجار البونسيانا، مع فرقتها الموسيقية، كانت المركبة تسابق الزمن الراكد في مستنقعات الملاريا والنسيان الى خارج نطاق أحلامه في إستعادة عرشه الضائع عبر سيادة مطلقة على عرش الملكة البونسيانا.

وضع آدم المزمار جانبا وقال، إنه رائع، لكنه لا يستطيع تبديد رائحة الموت مثل مزماري!
فكر الرقيب عبد الحي أن يبقى قليلا في الانداية ليستمتع بالشراب وسط الغرباء ويستمع للنغمات الساحرة التي يعزفها الفتى، لكنه تذكر أن لديه أسير سيقوم بحراسته هذه الليلة وتسليمه لفريق الاعدام فجرا. أحضرت إحدى الفتيات جركان العرقي، نادته النسيم ودعته ليجلس قليلا ويتذوق كوبا من شراب المريسة، تذكر الأسير لكنه لم يتمكن من رفض دعوة النسيم، النسيم كانت بالنسبة له أهم حتى من قائد الحامية، القائد يستطيع تجريده من رتبته، إحالته للتحقيق أو طرده من الخدمة، أما النسيم فكانت تملك إمكان طرده من الحياة. ورغم أنه كان يحاول ان يحتفظ لنفسه بمسافة من كل بائعات الشراب، كأنه يريد إستعادة هيبته الحكومية التي يغرقها كل يوم في وحل شرائه العلني للشراب، بل لقضائه أحيانا لنهار كامل في الانداية حين لا يكون لديه عمل ما، وقد شوهد عدة مرات وهو يصلح باب البيت الرئيسي، الذي تكره النسيم ان يبقى مفتوحا لأية سبب، بسبب خوفها القديم من الكلاب الضالة ورجال الشرطة. تداعبه النسيم وهو منهمك في إصلاح باب الإنداية: يستطيع رجال الجيش القيام بعمل مفيد إذن! لماذا يقول الناس اذن انكم لا تنفعون الا في القتل وشن الحروب وتدبير الانقلابات؟ تبدو له الأسئلة غريبة، لم يفكر فيها من قبل! يندهش مثلما يندهش مزارع حين يواجه بسؤال: لماذا تعمل مزارعا!

كان الرقيب عبد الحي يجد نفسه أحيانا يجلس لوحده يعب الشراب من وعاء المريسة المجاني الذي تضعه الفتيات في الفناء للسكارى الفقراء، وكنوع من الدعاية خاصة في أيام الأسواق، كان الرقيب متسولا رسميا للبهجة. حين تلعب الخمر المجانية برأسه، كان حرجه الرسمي يزول أحيانا فيحكي للنسيم بعض حكايات أمجاده الغابرة في الجيش، ينسب لنفسه بطولات وهمية، دائما يرتكب أحد غيره خطأ ما، فيفشل الانقلاب العسكري! تضحك النسيم وتقول: كيف يفشل الانقلاب وتكون حيا أمامي الآن؟ هل نفذت الذخيرة فجأة حين حان وقت إعدامك؟ يرتبك الرقيب عبد الحي ويقول:

صدر عفو رئاسي عني بمناسبة عيد الثورة!
تفرك النسيم ضفائر شعرها المصبوغة بالحناء، وتقول: أي ثورة تقصد؟ أشارت الى جهاز الراديو القديم، الذي فقد لونه مثل حبال كرسيها، وقالت، ثورات كثيرة إنطلقت في هذا الراديو، لكننا لم نر شيئا يتحسن أبدا، كلهم يلقون باللوم على من سبقهم، ثم تدور نفس الاسطوانة! ولا خاسر سوانا، نحن الوحيدون الذين لا نشارك في لعبة الكراسي هذه! لكننا نشارك في دفع تكاليفها مع كل المساكين الآخرين!

ترسله النسيم ليحضر لها الماء أو ليفتح الباب لعابر سبيل يأتي مبكرا. حين تخرج جميع فتياتها لقضاء حوائج البيت وشراء مستلزمات عمل المريسة لليوم التالي، يجلس في حضرتها، كأنه في حضرة أمه التي لم يرها قط. أمه الثانية التي تمنحه حليب الحياة. أحيانا كان يعد لها القهوة أو الشاي، حين تسأله ان كان بإمكانه عمل شئ ما يقول: استطيع عمل كل شئ، أنا عسكري! يردد العبارة عدة مرات كأنما ليقنع نفسه أنه بالفعل متميز كعسكري عن كل الناس الاخرين، رغم أن النسيم تقول له أن كل مشاكل هذه البلد بسبب العسكر، يفسدون كل من يقترب منهم، حتى المدنيين الذين درّبهم الانجليز على الخدمة بإخلاص في دواوين الحكومة، أفسدهم العسكر. يعد القهوة ويجلس بجانب النسيم يشرب كوبه، يبدو هو ممتنا لها أكثر من شعورها بالارتياح لوجوده ولمساعداته رغم أنه (كممثل للسلطة) مفروض ان يكون ألد أعدائها. في السابق كان سليمان العسكري دائما يبقى بجوارها حين تذهب فتياتها لقضاء اغراضهن في المدينة قبل ان تختطفه الزينة. سليمان الوسيم صاحب الفم الدقيق والعيون الواسعة والجسم النحيل، يرتدي دائما سروالا لونه أخضر من قماش التيل السميك، وقميصا من نفس اللون. لا ينقصه سوى حزام عريض وحذاء عسكري أسود ليصبح شبيها بأحد جنود الحامية العسكرية، ربما كان ذلك سببا لإطلاق إسم العسكري عليه. المؤكد أنه كان يتحاشى تماما ذكر إسم والده. إختبأ خلف إسمه الجديد، ووجهه النحيل الوسيم تاركا إسمه الحقيقي يختفي في أعاصير عقله الباطن. حيث يختفي كل شئ في مد الموت الذي يرتفع معظم ساعات النهار ولا ينحسر الا في ليالي ضوء القمر. كأنه يحصّن نفسه حين يرتدي ملابسا شبيهة بملابس العسكر من ذكريات الفترة التي أجبر فيها على العمل مع الجيش الاثيوبي، كأنه يضع نفسه داخل الصورة التي يتحاشاها حتى لا يرى شيئا من الصورة نفسها. النسيم أيضا وجدت في إسمه وملابسه العسكرية تميمة حفظ من مضايقات السلطة، التي لم يكن رجالها يتربصون بها بسبب عملها في الممنوعات، بل لإجبارها على دفع أموال شهرية لهم. النسيم تعلمت أن لا تكترث بهم كثيرا رغم مخاوف مداهمات الشرطة المفاجئة. كانت النسيم تساومهم كثيرا حتى لا يخرج أفضلهم حظا بأكثر من مئونة يوم واحد من الشراب. تعرف النسيم أن المنطقة كلها تكاد تخرج من سيطرة السلطة بفضل التمرد وفوضى تجارة كل شئ بسبب طول المنطقة الحدودية التي يصعب السيطرة عليها.

الزينة ايضا كانت فيما مضى إحدى فتياتها الاثيرات. قبل أن تغادر البيت بعد أن تسببت أيضا في ذهاب إحدى أفضل فتياتها. كانت قادمة من المجهول حين تلقفتها النسيم وضمتها الى طاقم فتياتها. قبل ان تغادرها وتتسبب أيضا في رحيل سليمان العسكري . كانت الزينة فتاة رائعة إكتسبت محبة النسيم منذ يومها الأول في البيت، حين تكون الزينة موجودة في البيت لا تحمل النسيم هم أي شئ، كل شئ يمضي كأفضل ما يكون، كانت تملك يدي ساحر، حتى القهوة التي تصنعها يختلف مذاقها عن كل قهوة أخرى يعدها أفضل خبير في إعداد القهوة. يتدافع الناس دائما لشراء المريسة في اليوم الذي تتولي فيه الزينة مسئولية صناعة المريسة. في يوم السوق الاسبوعي الذي يسمى في الانداية يوم النسيم، شيخة الانداية، تتولى الزينة الاشراف على كل شئ. إذا غابت الزينة للحظات في المرحاض أو لتغير ثيابها يملأ صراخ النسيم العالم حتى ترى الزينة أمامها. لكن الزينة كانت تحلم دائما بزوج عطوف وبيت صغير يضمها معه وأطفال ترسلهم صباحا الى المدرسة. كانت تعيش في بيت أسرتها مع عشرة من الاخوة والاخوات، كان ثلاثة منهم مرضى بالصرع والبقية صغار السن، والدها يكد طول النهار في المزارع ولا يستطيع حتى إيفاء متطلبات الاسرة بسبب غلاء سعر أدوية أخوتها المرضى، فعل كل شئ من أجل الحصول على المال، لكن المال ظل دائما عصيا أمامه، فشل حتى حين عمل قاطعا للطريق، أثناء بحثه عن وظيفة سهلة وسريعة العائد. معتقدا ان الأمر لن يحتاج سوى بندقية ومقدرة على الصراخ بصوت يدخل الرعب في القلوب. قاده حظه السئ لقطع الطريق على رجلين كانا يعبران الحدود ببضائع مهربة. حين لاحظ الرجلان إرتباكه، وعرفا انه مجرد قاطع طريق غير محترف، تمكنا من الايقاع به وأوسعاه ضربا حتى كاد يفارق الحياة. الفقر الذي ظل يصارعه طوال سنوات عمره كان هو الذي أنقذه من الموت. فبعد أن ضربه الرجلان، أمسك أحدهما بالبندقية ووجهها نحوه وأطلق النار، ليكتشفا أن البندقية لم تكن محشوة بالذخيرة! فقد إشتراها من تاجر ودفع جزءا من سعرها على أمل أن يقوم بتسديد بقية ثمنها بعد نجاح عمليته الأولى. وبسبب الفقر لم يستطع شراء ذخيرة، فقرر أن يغامر بها في عملية تجريبية، قليلة التكلفة. لن يحتاج لإطلاق النار فيها. ضحك الرجلان، وقال أحدهما : في المرة القادمة يجب أن تحمل سكينا ربما يكون أفضل من بندقية فارغة. ثم أخذا البندقية معهما وغادرا. توسل اليهما أن يتركا البندقية له، لكنهما لم يلتفتا اليه، حكى لهما بصوت مرتفع أنه إشتراها ولم يدفع ثمنها وأنه فقير ولديه أطفال. لكن الرجلان سارعا بالمشي حتى إختفيا خلف أجمة أشجار، كأنهما كانا يهربان من قصص فقره. تزايدت مشاكله المالية بعد فشل عملية قطع الطريق وضياع البندقية. لبث مختفيا في البيت طوال عدة أيام بعد ذلك، خوفا من التاجر الذي باعه البندقية، وخوفا أن يقوم شخص ما ربما شاهد حادثة قطع الطريق، بإبلاغ السلطات عنه. حتى إختفى ذات يوم دون أن يترك أثرا، بحثوا عنه دون جدوى في كل مكان وأتصلوا بأهله في قريته البعيدة لكنهم أخبروهم أنهم لم يروه منذ عدة سنوات، منذ ان رحل عن البيت ذات يوم بنية السفر الى الأراضي المقدسة عبر الحدود الشرقية للعمل هناك، ثم إختفى الى الأبد. بحثوا عنه في المزارع البعيدة وفي مهرجانات الحصاد التي كان يهوى الغناء والرقص فيها قبل سنوات، وأستأجروا رسولا بحث عنه عبر القرى الغارقة في المطر عند سفوح الهضبة الحبشية، حتى وصل مشارف بحيرة تانا دون أن يعثر له على أثر ، كأنه تبخر في الهواء.
الزينة حاولت بإعتبارها أكبر أخوتها أن تجد عملا فلم توفق، حتى عرفت بالصدفة أن النسيم تبحث عن فتيات للعمل معها. كل الأجر الذي كانت تحصل عليه، كانت ترسله يوم السوق لوالدتها. كان أحد اخوتها يحضر أحيانا الى السوق أو يحضر احد أقربائها. منهم كانت تطمئن على أخبار امها واخوتها.

سليمان كان يساعد النسيم حين يتحتم عليها مغادرة مقعدها لقضاء حاجتها أو للاستحمام. كان يجلس أمام المرحاض مثل كلب وفي، ينتظرها حتى تقضي حاجتها أو تغسل جسمها ثم يساعدها للعودة الى الكرسي، ترسله أثناء النهار لشراء مستلزمات صناعة الخمور وبقية إحتياجات البيت. أثناء النهار تكون حركة البيت هادئة. يندر حضور أية زبائن، خصوصا في مواسم زراعة وحصاد السمسم.
ينام سليمان في الفناء بعيدا قليلا عن النسيم وفتياتها. أثناء النهار حين لا يكون هناك شئ للعمل يقوم سليمان بمساعدة الفتيات في نظافة البيت والطبخ. تمازحه الفتيات دوما حول إجادته طبخ بعض أنواع الطعام، لا يشير أبدا لتعلمه الطبخ أثناء الفترة التي قضاها مع جيش الجنرال منجستو، إذا ذكر أحدهم شيئا عرضا عن تلك الفترة كانت سحابة من الحزن تعبر فوق وجهه. ذات مرة كانوا يتناولون جميعا طعام الغداء ، كان هو قد أعد شوربة العدس، أبدت النسيم إعجابها بالحساء، علّقت إحدى الفتيات دون ان تقصد شيئا، لقد تعلم سليمان ذلك من معسكر الجيش! إستمع سليمان العسكري لها كأنها تتحدث عن شخص آخر، لبث يمسك باللقمة في يده لبرهة وهو لا يعرف ما الذي حدث، عبرت سحابة الحزن القاتم في وجهه، أعاد اللقمة بهدوء الى الصحن ثم غادر البيت. نظرت النسيم بإتجاه باب البيت الذي أغلقه سليمان، إبتسم الحظ للزينة، بالصدفة إختارتها النسيم لتذهب من خلف سليمان وتعيده الى البيت، إلتقت نظراتها بنظرات الزلال، فصعقتها شحنة الحقد، أسرعت تجري من خلف سليمان ولم تنتبه حتى لتركها الباب مفتوحا، رغم أن النسيم كانت تحذر من مغبة ترك الباب مفتوحا، خوفا من الكلاب المتشردة أو البهائم الهائمة، أو رجال الشرطة.

وجدته الزينة جالسا في الوادي الذي يعبر الغابة الصغيرة خلف البيت، قالت له كن حذرا هذا المكان مجرى قديم للسيول، والأمطار الغزيرة بدأت تهطل في مرتفعات إثيوبيا. الزينة كانت واعية لصعوبة معركتها من أجله، لذلك لم تتعجل الطريق اليه، تعرف أن الطريق الى جبل قلبه بالغ الوعورة، وخوفا من إرتكاب أية خطأ يجعلها تفقده الى الأبد. مضت فقط تنصب الفخاخ من حوله حتى يسقط في فخ حبها من تلقاء نفسه. كان واضحا في البيت أنها تخوض معركة حياة أو موت مع الزلال، الزينة رغم جمالها الهادئ لكنها لم تكن تضاهي جاذبية الزلال، سليمان رغم لامبالاته بما يدور حوله، لكنه كان دون وعي يزيد من نيران الغيرة لدى الزينة لاختياره مساعدة الزلال في عملها. تحاول الزينة ان تكون دائما في المطبخ لمعرفتها بحب سليمان العسكري للطبخ، لكنه دائما يكون موجودا في مكان الزلال، يساعدها في نظافة البيت أو صناعة مشروب المريسة. تحاول الزينة إبقائه بجانبها بدعوى ان النسيم طلبت ذلك، أو لأن هذا العمل يحتاج لرجل، أو لأنه أفضل من يتذوق طعم أكلها، كان هناك عدو خفي آخر، أسمرينا! فتاة تنتمي للحدود السودانية الأريترية، رشيقة القد، تعبر داخل فناء البيت مثل وردة سنط، فتعبر خلفها نسمة تحرك هواء الخريف الراكد فوق أشجار السنط، كانت أشبه الناس بسليمان العسكري نفسه، حضورها قوي لدرجة أن يختفى كل جالس في حضرتها، لا يسمع سوى صوت تنفسها وزلزال دقات قلبها، ملكة حقيقية وليس مجرد راقصة توجت بالصدفة ملكة في غحدى مواسم حصاد السمسم. تملك مقدرة أسطورية لتكون عادية جدا رغم أنها تقلب العالم رأسا على عقب حين تمشي أو تتوقف عن المشي. ظهرت في إنداية النسيم ذات نهار، بوجهها الجميل الذي كانت النسيم تطلب منها غسله عدة مرات في اليوم أملا في إزالة الغبار الضوئي الذي علق برموشها منذ لحظة مداهمة رجال الجيش لمهرجان الحصاد بحثا عن المتمردين. حين وصلت الى بيت النسيم كانت لا تزال ترتدي ثوبا من الريش الملون والخرز، شاركت به في أداء رقصة الجالك الشعبية، في مهرجان جدع النار عند إفتتاح موسم الحصاد، حين تظهر في مكان ما داخل البيت، كان سليمان يبتعد عن مكان وجودها أو يبقى يراقبها دون أن يجرؤ على الاقتراب منها، يعرف أن من يقع تحت سحر سطوة هذه الفتاة البالغة النحافة مثل عود من الخيزران، سيفقد أيضا حتى القدرة على الحياة، يصبح كتابا مفتوحا لكل عابر سبيل. يحصّن نفسه بوضع قناع مسحة حزن على وجهه الوسيم، لقد قام بتجربة قناعه عدة مرات، كان يعزله من الحاضر، يبقيه خارج الزمن، يحتاج لبعض الوقت حين يخلع قناعه ليعتاد على نبض الأشياء من حوله، مثل قادم من عالم آخر. عدو آخر أكثر عجلة، ليلى، أقلهن حظا في الجمال، رغم قوامها الجميل، لا تميل للبكاء على أية أطلال، تتقدم الصفوف دائما في أية مهام صعبة. وجدت نفسها ذات نهار وحدها مع سليمان العسكري في البيت، خرجت الفتيات جميعا للمشاركة في مسابقة ملكة جمال الحصاد. كانت هي الوحيدة التي رفضت الذهاب. قالت أن من ينظم البرنامج يريد إستغلال الفتيات للترويج لأعماله التجارية. كانت النسيم تغط في النوم، سليمان العسكري كان يشعر بصداع نصفي منعه من الخروج مع الفتيات. ربطت له ليلى رأسه حسب نصيحة النسيم وأعدت له كوبا من القهوة. أخلد للنوم في صالة البيت وفجأة إستيقظ على شخص يداعب عضوه الذكري. كانت ليلى تقف عارية تماما في مواجهته، شله الارتباك تماما، المرة الاولى في حياته التي يقف فيها أمام إمرأة عارية، لبث في مكانه يحدّق فيها كأنها كائن فضائي هبط لتوه من أحد الكواكب. حين بات واضحا أن دهشته ستستمر الى الأبد وأنه عاجز عن أية مبادرة، إقتربت ليلى أكثر حتى شعر كأنها تخترق جلده، كانت رائحتها قوية، قادرة على إختراق أية شئ، حتى الزمن. شعر بها تخترق أعماق روحه، منذ أزمنة سحيقة. وضعت جسدها بجانبه في الفراش وفتحت فخذيها، مدت يديها تسحب جسده نحوها، كان واضحا من عرقه المتصبب أن نار العجز تحرقه أكثر من نار الرغبة، حاولت مساعدته ليمسك زمام المبادرة لكنه كان لا يزال مشنوقا في مقصلة صدمته، يبدو مثل شخص ضائع داخل جلده، لا يجد أية نقطة يرتكز عليها لينطلق. دفعته أكثر داخل جسدها، فتشبس بقاع روحه، فجأة بدأ طيف حياة يدب في روحه وعضوه الذكري، يختلط عرقه بعرق ليلى، جسده بجسدها، لهاث لا ينتهي، فقد إحساسه بكل شئ لا يعرف حتى أين تقع حدود جسمه، يشعر كأن قلبه يدق داخل جسد ليلى وقلبها يدق في جسده، لا تزال ليلى تدفعه للوصول حتى ينتزعهما صوت النسيم تنادي على سليمان، إنتبه سليمان على صوت النسيم لعريهما، لعجزه عن الحب، لاختلاط جسديهما في دوامة الحب والعرق، لماض غريب تجسده صور في الذاكرة لا يستطيع ان يراها أو يجد منها فكاكا..


من رواية سبعة غرباء في المدينة
لتحميل نسخة
http://www.4shared.com/office/AYjLqNlGce/___.html

[email protected]




تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 4788

التعليقات
#1275890 [ابوسارة]
5.00/5 (1 صوت)

05-30-2015 10:37 PM
تسلم اسازنا المك
انا حاليا في السعودية وخدمة عسكري فى الدمازيين وكانت احلي ايام لولا الحروب العبسية
الماعروفة ليه ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ والغربية مافيها منتصر
حروب ربنا ابتلانا بيها ربنا يرفع البلاء عن السودان كلو
وزكرتني ايام يالله عيد جدع النار والوازا والطاهر سراجيه فنان شعبي ليه جمهور كبير
وعريض
اخيرا لك الشكر الملهم اساتز المك شكرا للابداع شكرا لكل ماقدمته
لك التحيه والاحترام

[ابوسارة]

#1275643 [الناهة]
5.00/5 (2 صوت)

05-30-2015 12:15 PM
لا شك في انه منتهى الابداع
فقد نقلنا هذا المبدع الى الماضي بكل عبقه وحنانه
ولكن ما لبثنا ان عدنا الى واقعنا الكئيب الحزين ..منتهى الاحباط ..
الرئيس البشير فاز بنسبة 6ر94% مع ان موضة الفوز ب 90% قد انتهت منذ ثمانينيات القرن المنصرم .. لكن التاريخ قد توقف عندنا رغما عن زيادة الزمن ساعة كاملة في السودان..
فقدنا جنوبنا بانسانه وبتروله .. لم يعد السودان مليون ميل مربع .. وحنث الرئيس البشير وحزب المؤتمر الوطني بقسمهم ولم يصونو وحدة البلاد .. واتفقوا مع الحركة الشعبيةعلى اقتسام حكم شطري السودان .. ومازال الشريكين يشعلان الحروب الاهلية ويتصارعان حول المال والسلطةكل فيما يليه ..
انهارت دولة السودان بالحروب الاهلية والازمة الاقتصادية ..انهارت دولة الجنوب بالحروب الاهلية والازمة الاقتصادية .. انها لعنة البترول الذي اصبح نقمة وليس نعمة ..
المؤتمر الوطني والحركة الشعبية .. هذا مسلم والاخر مسيحي .. الا انهما بعيدان عن الاسلام والمسيحية .. يجمع بينهما الفساد ويفرق بينهماالمال والسلطة .. قلا وطنا ابقوا ولا سلاما حققوا .. والطمع ودر ما جمع..

[الناهة]

#1275362 [أبو الدقير]
5.00/5 (2 صوت)

05-29-2015 07:39 PM
لك مننا كل شكر يا ملك......وهل للإبداع لون وطعم ورائحة غير هذا؟. مجددا نقول أن أبناء السودان بخير ولسوف نعيده إلى سيرته الأولى ما دام هناك من يبدع رغم أنف زمن الإنحطاط والجراد الملتحي الذي قضى على كل شيء.

[أبو الدقير]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة