الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
باسكال وديكارت يتواجهان عقلا وإيمانا في مسرحية فرنسية
باسكال وديكارت يتواجهان عقلا وإيمانا في مسرحية فرنسية
باسكال وديكارت يتواجهان عقلا وإيمانا في مسرحية فرنسية


06-01-2015 12:29 AM

عن لقاء قصير عابر بين علمين من أشهر أعلام القرن السابع عشر، هما ديكارت وباسكال، بنى جان كلود بريسفيل مسرحيته الرائعة “باسكال – ديكارت” التي تصوّر مواجهة بين فكرين، فكر قائم على العقل، وآخر يقوم على الإيمان.

العرب أبوبكر العيادي

“باسكال – ديكارت” مسرحية من إخراج جان كلود بريسفيل ا تعرض حاليا في مسرح الجيب بمونبرناس، ولا تزال تلقى الاستحسان منذ عرضها أول مرة عام 1985 على خشبة مسرح الأوديون الصغير.

لا يعلم المؤرخون عن اللقاء الذي جمع الشاب الموهوب بليز باسكال (1623-1662) والفيلسوف رونيه ديكارت (1596-1650)، سوى أنه تمّ في ظهيرة 24 سبتمبر 1647 داخل دير المينيم في ميدان الفُوج بباريس (الميدان الملكي سابقا)، وأنه دار في غرفة مغلقة، لم يرشح منها سوى ملاحظات عابرة تركها باسكال في كتابه “أفكار” جاء فيها قوله “لا أستطيع أن أغفر لديكارت”.

كان يريد في كل فلسفته الاستغناء عن الرب، ولكنه لم يمنع نفسه من الاستهانة به في فهم حركة العالم، وبعدها لم يعد بحاجة إليه. وعلّق أيضا “ديكارت، لا فائدة منه ولا جدوى”. ذلك أن الرجلين يقفان على طرفي نقيض.

كان باسكال قد بدأ يعاني من المرض ولم يبلغ بعد الرابعة والعشرين من عمره، وكان زاهدا صارما، قلقا لا يخفي تحمّسه للعذاب والموت، فيما كان ديكارت في صحة جيدة رغم أعوامه الواحدة والخمسين، عمليا عقلانيا واقعيا، يحب الحياة ولذائذها، ويهوى الأسفار.

هو إذن لقاء بين رجل ناضج، وبين شاب يتحسس طريقه. في تلك الفترة، كان باسكال قد اكتشف الحركة الجنسينية (نسبة إلى مذهب جنسينوس الأخلاقي المسيحي المتشدد)، ولم يكن قد نشر بعد أعماله في الفلسفة والرياضيات والفيزياء.

أما ديكارت فكانت أعماله الكبرى منشورة تُتداول بين الناس. وقد استغل بريسفيل ذلك اللقاء كعمل مسرحي متخيل، صاغه بالأسلوب المتداول في ذلك الوقت ما جعل النص شبيها بأساليب النثر الفني في ذلك القرن.

وأضفى عليه ممّا به يكون المسرح مسرحا، من حركة وتطورات وعقدة، مدارها خيبة انتظارات الرجلين. فديكارت كان يأمل في أن يجد لدى الفيلسوف وعالم الرياضيات الشاب امتدادا له، فيما كان باسكال يروم استمالة الفيلسوف ذائع الصّيت للدفاع عن أنطوان أرنو الجنسيني في صراعه ضد اليسوعيين، وهو ما قام به بنفسه بعد ذلك باسم مستعار في “الرسائل الريفية”.

وتكتسي المسرحية أهميتها من الاختلاف البيّن بين الرجلين، اختلاف في السن والصحة ونمط العيش، واختلاف في الفكر ورؤية العالم. أحدهما عقلاني، يؤمن بالعقل كسبيل وحيد لإثبات الوجود، والآخر لا يؤمن بالعلم والحال أنه من أهم المشتغلين عليه، بل يؤمن إيمانا راسخا بأن الكون وما فيه ومن عليه تسيره ذات عليا، إله عليم قدير.

يقول ديكارت “لا نرى الرب، في ما أظن، بالعيون نفسها”. يردّ باسكال “أعتقد أنك تستنتجه يا سيدي، أنت لا تراه. هو بداخلك كمبدأ، وبداخلي كحرارة. أنت تتفكّره، أنا أحسه: ذلك هو الفرق”.

وتبدو العلاقة بين ديكارت وباسكال في وجه من الوجوه مثل علاقة متأزمة بين أب وابنه، رغبة في فرض نمط معين من التربية يرفضه الأصغر. فديكارت كما يصوّره المؤلف له عطف أبوي على باسكال، فيما الشاب عنيد، متمسك بمواقفه لا يريد لها تبديلا.

ديكارت ينظر حيث هو، وباسكال ينظر أبعد مما هو فيه. الأول يقوّم الوجود من زاوية الدفاع عن الحياة، عن جسده هو نفسه، فيما باسكال ينظر إلى الحياة في كليتها وسرمديتها، متجاهلا جسده الموشك على الاندثار.

وينجح الكاتب في اتخاذ موقف محايد، لا يغلّب رأيا على رأي، بل يغير موازين القوى تباعا بين الشخصيتين، حتى وإن جاء الخطاب أحيانا في شكل قد يحمل المتفرج على التعاطف مع ديكارت أكثر من تعاطفه مع باسكال، لأن النص في جوهره يسعى إلى تقديم رؤيتين للعالم، لا غنى عنهما لفهمه وإدراك ما وراءه، وهو ما ينتاب كل فرد منا، في مرحلة من مراحل حياته.

والموقف من الرجلين قد يتغير بتغير الظروف. يقول دانييل مزغيش الذي يتقاسم الدورين مع ابنه وليم “قبل ثلاثين عاما، عندما كنت أتقمص دور الشاب باسكال، كان هو النجم، كرمز للمثالية ضد المادية التي كانت سائدة في تلك الفترة، ولشاعرية الروح ضد ابتذال العقل، وكان زميلي الراحل هنري فيرلوجو، في إهاب ديكارت، يبدو كهلا مترهلا عديم الإحساس. أما اليوم، فنحن نستشعر في الشاب باسكال تهديد الظلامية، نوعا من العدمية المنجذبة إلى الموت”.

ويقول أيضا “هذه الازدواجية هي ما حاولت إبرازه لدفع المتفرج إلى تحسس الصدع فينا، فالمسرحية منفتحة على حقائق غير أحادية، تجعل من الصعب أن ينحاز المرء كلية إلى هذا الجانب أو ذاك، فيظل مترددا بينهما لا يقرّ لها قرار”.

والخلاصة أن تلك الكلمات المتبادلة من عصر خلا تتبدى كمرآة لمرحلتنا الراهنة، حيث يشتدّ الصراع بين إيمانية راديكالية منغلقة، وعقلانية مادية شيّأت العالم وأهملت الجانب الروحي، وكلتاهما تزعم امتلاك الحقيقة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6015


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة