الأخبار
منوعات سودانية
جسمي انتحل " لـ" حسين حمزة" نقش فريد في ذاكرة الغناء السوداني
جسمي انتحل " لـ" حسين حمزة" نقش فريد في ذاكرة الغناء السوداني
جسمي انتحل


06-03-2015 10:21 PM
أسامة سليمان

جسمي انتحل
كيف العمل
وانت الطبيب عندك شفاي
يأخذنا هذا المدخل إلى عوالم العذريين، إلى الشكوى من النحول التي ترددت كثيراً في أشعارهم، ويبدو جميل بثينة قريباً جداً من الذاكرة وقوله :
أيا ريح الشمال أما تريني
أهيمُ وأنني بادي النحولِ

وغير بعيد عن ذلك عروة بن حزام :
متى تكشفا عنِّي القميصَ تَبَيَّنا
بِيَ الضُّرَّ من عَفْراء يا فَتَيَانِ
وَتَعْرفَا لَحْماً قليلاً وَأَعْظُماً
دِقَاقاً وَقَلْباً دائمَ الخَفَقانِ


وإن كان طبيبا عروة هما العرّافان:
جعلتُ لعرافِ اليمامةِ حكمَه
وعرافِ نجدٍ إن هما شفياني

ودواء جميل هو ريح المحبوب
هبي لي نسمةً من ريحِ بثنٍ
ومنّي بالهبوبِ على جميلِ

فإن طبيب شاعرنا هو المحبوب؛ ما يجعل شكواه مناجاة رقيقة ، يقول :

حن يا طبيب واكشف علي
وريني ما سبب الألم
اعطف على وارحم عيني
قالوا الشفا دونك عدم
شوف الدموع ماليات عيني
شوف الألم وين انكتم ...

أول ما يستلفت الانتباه في هذا المقطع حشد مجموعة من ألفاظ الاستعطاف إن صحت تسميتها، والتذلل المستحب ( حن، اعطف، ارحم ، شوف الدموع) ، وأظن أن الشاعر أراد ألا يحيد عن مذاهب العذريين الذين عرف عنهم هذا كثيراً ...كما عرف عند غيرهم، وأعجبني قول أحدهم : (حتى المتنبي الذي لا يكاد يرى أحداً من الناس غطرسةً واستكباراً، يقول:

تذلّل واخضع على القرب والنوى
فما عاشقٌ من لا يذلُّ ويخضع!


وسمع ابن أبي عتيق عمر بن أبي ربيعة ينشد قوله :

بينَما يَنْعَتْنَني أبْصَرْنَنِي
دونَ قِيدِ المِيلِ يَعْدُو بي الأغَرْ
قالتِ الكبرى أتَعْرِفْنَ الفَتَى
قالتِ الوُسْطَى نعم هذا عمرْ
قالتِ الصغرى وقد تَيَّمْتُها
قد عرفناه وهل يَخْفَى القمرْ

فقال له: أنت لم تنسب بها وإنما نسبت بنفسك كان ينبغي أن تقول قلت لها فقالت لي فوضعت خدي فوطئت عليه، وهذا هو مفهوم الحب عند القدامى، وهو ما يؤكد عليه الشاعر باستمراره في لغته وألفاظه الرقيقة، العذرية :

أنا يا طبيب قلبي انجرح

ومن الملاحظ هنا إصراره على مفردة الطبيب على الرغم من أنه كان يمكن أن يقول الحبيب ، بعد أن تكشف للقارئ أن الطبيب هو الحبيب في النص ، خاصة مع تطابق الكلمتين في الوزن العروضي ، لكنه أصر على الطبيب فيما يبدو التزاماً بحالة الشكوى وطلب الاستشفاء ، وإذا تمعنا معجم القصيدة نجد أن المفردة ( الطبيب) وردت في مقاطع القصيدة الأربعة، الأولى بصيغة تقرير حقيقة (وانت الطبيب) ، وبعد أن أكد لنا الشاعر حقيقة هذا المخاطب المحبوب / الطبيب، تغير الخطاب إلى صيغة منادى (أنا يا طبيب ، حن يا طبيب مرتين) في مناجاة استعطافية عذبة ، ثم تمضي بنا القصيدة موغلة في معاني الطب والتداوي من خلال معجمها : شفاي/ الشفا /دواي/ اكشف/ بتلتئم /.. انجرح /جراحو / بشكي /داوي/ضمد جراحو، وقريباً جداً من هذا آهاتو/ الألم التي تكررت ثلاث مرات ، واشرب( الدواء) / عسل النحل( بوصفه دواءً)، وهنا لابد من إشارة عابرة لتوفيق الشاعر في توظيف، عسل النحل فهو يؤدي أكثر من غرض ويمسك بأكثر من معنى ، أولها دلالته المباشرة على حلاوة الوصل، وثانيها مكانته العلاجية في التراث الإسلامي ، والتي أظنها أيضاً مقصودة بدليل طريقة توظيفها :
واشرب براي عسل النحل
واشرب براي منك دواي
ألا يبدو أن الدواء هو العسل ....؟
ولا يمكن بالطبع إغفال تجانس الحروف بينها وانتحل التي افتتح بها الشاعر المقطع والقصيدة....
وتحفل القصيدة بموسيقى عالية قوامها تعاقب القوافي في المقطع الواحد اللام / الياء في المقطع الأول، الميم/ الياء في الثاني وهكذا ، كما أن قصَر السطر الشعري جعل إيقاع القصيدة سريعاً فالقافية تأتي بعد تفعيلتين فقط، وقد تظهر القافية بعد تفعيلة واحدة مثل قوله:
جسمي انتحل
كيف العمل
وبشكل عام فإننا أمام قصيدة نايفة، تعبر بامتياز عن حقبة بدأت فيها القصيدة الغنائية تخرج من إسار نموذج قصيدة الحقيبة، مستجيبة شكلاً لمدّ التفعيلة التي استقرت وسيطرت على المشهد الشعري بعد حوالي عقدين من ظهورها، وطارقةً موضوعات لم تعتد الحقيبة ولوج حقولها .
ويمكن القول أن " جسمي انتحل " لـ" حسين حمزة" نصٌ رومانسيٌ بديعُ استلهم روح العذريين وأضفى عليها مسحة سودانية، وتكامَل الإبداع الشعري مع عبقرية ناجي القدسي- رحمه الله- وأبو عركي البخيت نقشاً فريداً في ذاكرة الغناء السوداني.


جريدة " الخرطوم" الأربعاء 3/6


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1655

التعليقات
#1278906 [جنو منو]
3.00/5 (2 صوت)

06-04-2015 10:02 AM
حقا كما كتبت ياأبوسريع لك التحيه ..

[جنو منو]

#1278755 [quickly]
3.00/5 (2 صوت)

06-04-2015 07:13 AM
ابو عركي!
يكفي أن يمر اسمه عبر أذنيك أو صورتة أمام ناظريك حتى يسري في عروقك أحساس عميق بالدفء و شريط من ذكريات الزمن الجميل,,, سودان ماقبل 1989

[quickly]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية



الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة