الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
رضوى عاشور مثقفة مصرية رفضت مغادرة العالم قبل أن تقرأه وتكتبه
رضوى عاشور مثقفة مصرية رفضت مغادرة العالم قبل أن تقرأه وتكتبه
رضوى عاشور مثقفة مصرية رفضت مغادرة العالم قبل أن تقرأه وتكتبه


06-06-2015 12:50 AM

هاجس سيطر على أعمال رضوى عاشور التي سعت للبحث لنفسها عن مكان يليق بذاتها الرَّافضة للاستبداد، مُتخذة من 'لماذا؟ وكيف؟' وسيلتيْن لنبش الماضي.

العرب ممدوح فراج النابي

رضوى عاشور التي رأت أطياف غرناطة

قد تبدو الجملة التي نَطَقَ بها الطبيب الأرمني “بابازيان” الذي كان يُعالج أسنانها وهي طفلة «أنت يا رضوى طفلة نابهة وسيكون لكِ مستقبل في العمل الذي تختارينه». نبوءة صدقت إلا أنّها تجاوزت المهنة إلى الأعمال كافة، التي قامت بها كروائية وناقدة وناشطة سياسية وَمُنَاضِلَة، ففي جميع المجالات التي خاضتها كانت ناجعةً ولها السّبق والحذق، حتى أنَّ جملة مثل تلك التي قالها أستاذها رشاد رشدي «لا أُريدُ هذه البنت في قسمي» وهي تستهل حياتها العمليّة بعد تخرّجها ونبوغها، لم تُفتت مِن عزيمتها أو تَجْرُش طموحها، بل كانت بداية الانطلاق بعد أن حزمت أوراقها إلى كلية الآداب جامعة عين شمس حيث أستاذتها الدكتورة لطيفة الزيات التي لم تتشرب منها النقد فقط، بل أيضًا النِّضال.

وفوق هذا كانت اليد الرؤوم التي احتضنتها بعد رفض أسرتها زواجها من الفلسطيني مريد البرغوثي، فتوّلت هي هذا الأمر وأخلت لهما طابقًا في منزلها وشملتهما بِحَدِبها، وهي الصفة التي ورثتها عن أُستاذتها فكانتْ هي الأخرى يدًا حانية على الآخرين.

في بيت جلاد دنشواي

ولدت رضوى مصطفى عاشور في السادس والعشرين من مايو لعام 1946 في بيت الهلباوي وهو البيت الذي استأجره الجدّ من أرملة الهلباوي، المحامي الذي دافع عن الإنكليز في حادثة دنشواي عام 1906، وهي الحادثة التي ألصقت به وصف «جلاد دنشواي» كما وصفه الشيخ عبدالعزيز جاويش في جريدة اللواء.

والدها هو المحامي مصطفى عاشور أما أمها السيدة مي فهي سليلة عائلة عزّام، درست تعليمها الأولي في مدارس فرنسية، ثمّ التحقت بكلية الآداب جامعة القاهرة قسم اللغة الإنكليزية تخرّجت عام النكسة 1967، ثمّ عملت معيدة في كلية الآداب جامعة عين شمس وهي في سن الحادية والعشرين حتى أنها كانت تبدو في سن مقارب أو أصغر مِن طلاّبها.

واصلت عاشور دراساتها العليا فحصلت على شهادة الماجستير عن دراستها المقارنة بين وليام بليك وجبران خليل جبران عام 1972. وفي العام التالي حصلت على منحة من جامعة ماساتشوستس في أمهرست، بعنوان «البحث عن شعرية سوداء: دراسة في الكتابات النقدية للكتاب الأفرو أميركيين» عام 1975، في تحدٍّ لتثبت لنفسها أنَّها ليست أقل من إخوتها الذكور.

نشرتْ أوّل أعمالها النقدية، «الطريق إلى الخيمة الأخرى»، حول التجربة الأدبية لغسان كنفاني. وفي 1978، صَدَرَ لها بالإنكليزية كتاب «جبران وبليك»، وفي عام 1980 مرّتْ بأزمةٍ صحيةٍ، وهو ما دفعها للتساؤل: «ماذا أفعلُ لو مِتُ الآن وأنا لم أكتبْ شيئًا؟» فكانت البداية لكتاباتها الإبداعية بعنوان «الرحلة: أيام طالبة مصرية في أميركا» عام 1983 وهو الكتاب الذي اكتسبتْ منه قدرًا مِن الثقة في النفس وفي القدرة على الكتابة.



تصدر «حَجر دِافئ» روايتها الأولى، وتتوالى أعمالها الإبداعية مثل “سراج” 1983 و”خديجة وسوسن” 1988 وقصص «رأيت النخل» عام 1989. وقد توجت تلك المرحلة بإصدارها لروايتها التاريخيّة «ثلاثية غرناطة»، سنة 1994. مع بداية الألفية الثالثة تعود لمجال النقد بكتابها «الحداثة الممكنة: الشدياق والسّاق على السّاق» 2009، كما ساهمت في موسوعة الكاتبة العربية (2004)، وأشرفت على ترجمة الجزء التاسع من موسوعة كامبريدج في النقد الأدبي عام 2005، ونشرت أهمّ عملٍ عن القضية الفلسطينية في عام 2011 رواية “الطنطورية”، ثم مجموعة “تقارير السِّيدة راء القصصية”. آخر أعمالها الإبداعية كان كتاب «أثقل من رضوى»، وهو مقاطع مِن سيرة ذاتية تحكي فيه تجربتها مع المرض وهي التجربة التي أثقلتها بمقاطع من الثورة.

حائط الصد

بدأ دور رضوى عاشور النضالي مُبكِّرًا في العاشرة مِن عمرها، منذ أنْ كانت طالبة في المدرسة الفرنسية حيث وقّعت على عريضة رفض إعدام جميلة بوحيرد آنذاك، وأثناء رحلتها للدكتوراه في أميركا نَشَطَ دورها السياسي حيث رفضت سياسة أميركا تجاه الحرب الدائرة في العام 1973، وخرجت في مظاهرات في جامعة أمهرست، وعندما عادت انخرطت في النِّضال مع أستاذتها فصارتْ عضواً فاعلاً في «لجنة الدفاع عن الثقافة الوطنية»، التي شكّلتها لطيفة الزيات وهي اللّجنة التي لعبتْ دورًا مؤثرًا في الإجهاز على كلِّ أشكالِ التطبيع مَع الإسرائيليين في شَتى مجالات الثقافة، كما سَاهمتْ في تأسيس «اللّجنة الوطنية لمقاومة الصهيونية في الجامعات المصرية»، والتي شكّلت حائط صدّ دون تغلغل العدو الصهيوني في الجامعات؛ ثم واصلت هذا الدور في لجنة 9 مارس لاستقلال الجامعة، رغم ما عانته بسببها مِن عَنَتِ الأمن واستفزازاته. واستمرَّ دورها في إيقاظ الوعي ورفض التردي والتبعية والهوان، حتى بلغ ذروته في حضورها الباهر والفاعل في ميدان التحرير إبّان ثورة 25 يناير.

الروائية المتسائلة

المُتابع لرضوى عاشور يجدُ أن ثمَّة شاغلًا أو هاجسًا سيطرَ على جميع أعمالها الإبداعية يتمثَّلُ في سعيها لأنْ تبحث لنفسها عن مكانٍ يليقُ بذاتها المتسائلة والرَّافضة للاستبداد، مُتخذة من سؤال لماذا؟ وكيف؟ وسيلتيْن تنبشُ بهما الماضي.


وهو ما كان جليًا في كتابتها التاريخية حيث قدَّمت درسًا جديرًا بالـتأمُّل والمناقشة لا في أهمية الموضوعات التي استدعتها وإنما في سؤالها عمّاذا حدث؟ ولماذا حدث؟ والأهمّ هو تنقلاتها وطرائقها غير المألوفة للتعبير عن تيماتها، مُتكئةً على رَحابة الأنواع وميوعة حدودها لأنْ تنفَد بها إلى غايتها دون أن تتقيدَ بشكلٍ ثابتٍ أو إطار كلاسيكي.

كما كانت دائما في نضالها يَشغلها السّعي إلى التحرُّر والانتصار على ما يُكبِّل إرادة وحرية الإنسان، وهو ما دفعها لأن تُقدّم أبطالًا مُتمردين مقاومين للسُّلطة كما في «حجر دافئ» فبشرى بطلتها لم تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى نظامًا تعليميًّا شَاخ وفَقَدَ وظيفته، كأنْ تأتي الناظرة بالبامية إلى الصّف لتقوم التلميذات بتقميعها، أو في صورة مكتبة المدرسة التي لا تُفْتح، فبدأت بشرى المقاومة بتشجيع التلميذات على تنظيف المكتبة وإبداء بعض النّشاط المُتعلِّق بكيان المدرسة، أو مقاومة السُّلطة كما فعلت بطلتها شجر عبدالفتاح في رواية «أطياف» التي راحت تتحدّى إدارة الجامعة لوقف حالات التدمير الثّقافي التي يتبناها رئيس الجامعة ومعاونوه.

الطنطورية

تجلّت روح المقاومة في أبهى وأنقى صورها في مجابهة الاستبداد والهيمنة الاستعمارية في «الطنطورية» التي تحكي قصة أسرة فلسطينية تعيش في قرية الطنطورة على السّاحل الفلسطيني التي تبعد 24 كيلومترًا جنوب حيفا، وهي القرية التي شهدت هجوما بربريًا فجر 23 مايو 1948، ونتيجة لعدم تكافؤ القوة احتلّ الصهاينة القرية، وقاموا فيها بمجزرة راح ضحيتها 200 شخص، كما عَمَدَ الاحتلال إلى اقتلاع جذورهم بترحيل النِّساء والأطفال وبعض الشيوخ إلى قرية الفريديس ثمَّ إلى الخليل، قبل أن يجد المُهجّرون أنفسهم مضطرين إلى التوزّع في أصقاع الأرض والمنافي.

وفي ثلاثية غرناطة “غرناطة، ومريمة، والرحيل” ترحل عاشور عبر المكان والزمان، حيث الفردوس المفقود، تحكي في الثلاثية قصة أفول العرب ورحيلهم عن الأندلس، لكن تنتهي بقرار عليّ بطل الرواية بالبقاء فيها وعدم الرحيل لأن «في الرحيل عن الأرض موت ليس بعده حياة»، وهو ما يؤكِّد أنها لم ترو لِتُهرَقَ الدمع على مآسي الماضي، بل لقراءة الحاضر بخلق عالم موازٍ للماضي في نكبته.



ثمّة شعور داخلها يدفعها إلى التحرّر مِن السّلطة وقيودها، ومن ثمّة وجب عليها مجابهتها، ليس فقط بالتحرّر مِن صيغتها التقليدية برفض الظُّلم والتنديد به، بل بالتحرُّر أيضًا مِن سُلطة الشكل في الكتابة، فزاوجتْ في أعمالها بين السِّيرة والرِّواية وبين الواقعيّ والتاريخيّ، بل استحدثتْ شكلاً جديدًا في مجموعتها «تقارير السيدة راء» هو شكل التقارير فتقول عن تجربتها فيه «كتبتُ هذا النص وكنتُ فرحة به، إذ بدا لي طازجًا وجديدًا يحاول توظيف التقرير كشكلٍ فنيّ، وهو نصٌّ فَكِهٌ وحزينٌ في الوقت نفسه».

والنموذج الحيّ لهذه الخلخلة لمفهوم النوع، وممارسة هواية التجريب والتداخلات بين الأنواع الأدبية في مزيج نصٍّ واحٍد، كان نموذج «أطياف»، ففيه تورد مقتطفات من رواية إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل»، وهي الرِّواية التي ينقل فيها إميل حبيبي تجربة استلاب عرب 1948، واضطرارهم إلى تمويه هويتهم إبقاءً على وجودهم في أرضهم بعد قيام دولة إسرائيل، ومن التداخلات ما يُعدُّ نوعًا بذاته مثل الشَّهادات الموَثَّقة التي توَّزعت عبر فصول النَّصِّ مثل شهادة «نعمة زهران» وشهادة «ثريا حبشي». كما تورد أجزاء من كتاب عبدالعزيز الشناوي «السُّخرة في حفر قناة السويس»، وكذلك مقدمة عبدالوهاب عزّام التي كتبها بعد تحقيقه لـ «ديوان المتنبي» ومقتطفات من كتاب عبدالرحمن الرافعي عن «ثورة 1919».

التساؤلات سمة من سمات نصوصها، في نص «خديجة وسوسن» تتساءل بطلتها «كيف يتعكّر ماء النبع ومِن أين تأتي نباتات الوحشة وبأي قانون تتكاثر وتعيق المجرى وتسدُّ الطريق» هكذا تتساءل في محاولة منها للفهم وترتيب مفردات عالمها! وفي «أثقل من رضوى» تطرح أسئلة كثيرة لمحاولة فهم هذا العالم لكنها في النهاية تصل إلى معرفة ذاتها جيدًا فتصفها هكذا «رضوى بالتكوين والوراثة فيها هشاشة، قَلقة، تثقلها المخاوف ووطأة مجريات الحياة، مُصابة على ما أَظن باكتئاب مِن نوعٍ ما، اكتئاب مُزمن لا تأخذه مأخذ الجدّ ما دامتْ قادرة على مغالبته أو تجاهله، تستيقظُ في الصَّباح مُرهقة كأنّها في نهاية يوم عملٍ مُضنٍ.



تظن أنَّها غير قادرة على مُغادرة الفراش والذهاب إلى عملها، ولكنها في نهاية المطاف تقوم وتستعد للخروج إلى العمل وتخرج. تذهب إلى الجامعة، تدرّس، تحتفي بطلابها وزملائها. تبدو مشرقة ومُقبلة. تمنح الأمل كأنما بدأت يومها بقطف ثماره وأودعتها سلتين كبيرتين خرجت بهما لتوزيع ما فيهما على من يطلب ومن لا يطلب».

الصرخة

رحلت في 30 نوفمبر 2014، ومع هذا فلم تكن توزّع فقط ثمار الأمل، بل ثمار المقاومة والدرس في كيف يتّسق الإنسان مع ذاته، وهو ما عبّر عنه الناقد الفلسطيني فيصل درّاج بقوله «رضوى عاشور من تلك القلة النادرة التي اختصرت معنى المُثقف في مفردة واضحة: هي الممارسة الأخلاقية، فلقد بحثتْ في كلِّ حياتِها عن الحقيقة»، بل درسها يمتدُّ في متابعتها قبل الرحيل لآخر أعمالها التي ستصدرُ قريبًا بعنوان «الصَّرخة» كرغبةٍ في التمسُّك بالأمل الذي سلّمتنا طرفه قبل أن ترحلَ.

حصلت رضوى عاشور على جائزة أفضل كتاب لعام 1994 عن الجزء الأول من ثلاثية غرناطة، على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب، والجائزة الأولى من المعرض الأول لكتاب المرأة العربية عن ثلاثية غرناطة 1995، إضافة إلى حصولها على جائزة قسطنطين كفافيس الدولية للأدب في اليونان، وجائزة تركوينيا كارداريللي في النقد الأدبي في إيطاليا عام 2009، وجائزة بسكارا بروزو عن الترجمة الإيطالية لرواية أطياف في إيطاليا عام 2011، وقد كان آخر الجوائز التي حصلت عليها، جائزة سلطان العويس للرواية والقصة عام 2012.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 7193


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة