الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
تجربة نازك الملائكة في السرد القصصي
تجربة نازك الملائكة في السرد القصصي
تجربة نازك الملائكة في السرد القصصي


06-06-2015 12:55 AM


تحتل نازك الملائكة مكانة مهمة في الشعر العربي الحديث، لكن هذه المكانة لم تأت من إبداعها الشعري، مقارنة ببدر شاكر السياب، بل من ريادتها التاريخية في الدعوة إلى الشعر الحر، التي أطلقتها في مقدمة ديوانها الثاني “شظايا ورماد” عام 1949، وكذلك من نتاجها النقدي الذي يُعدّ أبرز حقل في تراثها الأدبي.

العرب يسرى الجنابي


يقول الناقد البنيوي العراقي مالك المطلبي، عن تجربة الشاعرة العراقية نازك الملائكة: إنها أول من تبنت المنهج الشكلي التركيبي “البنيوي” على حساب المناهج السائدة والقوية والعنيفة، كالمناهج النفسية والاجتماعية والسيرية. ويرى المطلبي أن ذلك “هو الانعطاف الحقيقي الذي قدمته نازك الملائكة في كتاب النقد العربي”.

للملائكة تجربة إبداعية أخرى غير معروفة كثيرا هي السرد القصصي، فقد ضمت أعمالها الكاملة، التي صدرت في أربعة مجلدات عن المجلس الأعلى للثقافة في مصر، مجموعة قصصية بعنوان “الشمس التي وراء القمة”، قدّم لها زوجها عبدالهادي رضا محبوبة، وابنها البراق عبدالهادي، وجاء في هذه المقدمة أن قصص المجموعة كُتبت في ما بين عامي 1958- 1980، وأن اثنتين منهما: “ياسمين”، و”قرابين لمندلي المقتولة” نُشرتا في مجلة الآداب البيروتية.

تحتوي المجموعة على سبع قصص تتناول موضوعات مختلفة عُرف اهتمام الشاعرة بها، مثل القضايا الوطنية والقومية في قصتي “منحدر التل” و”قرابين لمندلي المقتولة”، والحياة النفسية للمرأة في قصة “الشمس التي وراء القمة”، وعالم الأطفال وتجارب النضوج في قصة “ضفائر السمراء عالية”، وتجربة الاغتراب في الوطن في قصة “ياسمين”، إضافة إلى رؤية خاصة لعنيزة وامرئ القيس في قصة “رحلة في الأبعاد”.

يشكّل موضوع الاغتراب الخلفية التي تتحرك أمامها بطلات المجموعة، فثمة، مثلا، الشعور بعدم القدرة على الانتماء إلى التراث الأدبي والأخلاقي الذي خلفته أجيال سابقة في قصة “ضفائر السمراء عالية”. وفي قصة “قرابين لمندلي المقتولة- قصة للعطاشى” يتجسد الاغتراب على نحو رمزي، لكن هذه المرة بسبب الظروف السياسية: فلأحداث القصة تاريخ حزين: كانت مندلي قرية عراقية قُطع عنها الماء نتيجة لقيام دولة مجاورة (إيران) ببناء سدّ في الأربعينات. والقاصة، التي تخلد هذا الحدث المأساوي -القابل للتكرار في عصرنا- تخلق شخصيات خيالية ترفض هذا الوضع وتثور عليه وتحاول تغييره. في قصة “ياسمين” تعاني بطلتها من عدم القدرة على التأقلم مع أفراد أسرتها، بعد عودتها من رحلة استغرقت أربع سنوات إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة. إن اغتراب المرء عن قيم المجتمع الذي يعيش في وسطه يعني تمزق الوعي إلى أجزاء منفصلة بعضها عن بعض، فهناك أولا عملية محو بطيء للقيم والصفات القديمة التي امتلكها الفرد وآمن بها في زمن ما، ثم تكوّن صفات جديدة مخالفة.

الجديد والقديم يسكنان سويا في حال صراع دائم، والشاعرة تعتمد على استعارات من علم طبقات الأرض للتعبير عن هذه الحقيقة: فالطبقات القديمة “تترسب في خلاياها” أفكار وصور جديدة معادية. وتستخدم نازك أسلوب محادثة الغائب في قصتها “رحلة في الأبعاد”، حيث تنتقل بطلة القصة، في رؤية روحية إلى العصر الجاهلي، وتشاهد امرأ القيس وعنيزة. وترسم صورتين لامرأتين، وتعقد مقارنة بينهما: إحداهما، التي تعيش اغترابها في الحاضر، ترحل لرؤية المرأة الأخرى في الماضي، وتجلب صورة للأخيرة إلى الحاضر. والصورة تختلف نوعا ما عن الصور النمطية الشائعة التي تعكس رؤية رجالية للنساء.

وتقوم قصة “الشمس التي وراء القمة” على فكرة الإنجاب، ورؤية المجتمع للحامل، ورؤية هذه المرأة لنفسها، وعلاقة هذا كله بالإبداع الأدبي. فالقصة عبارة عن توارد خواطر امرأة، وهي تحت تأثير بنج موضعي، بينما تُجرى لها عملية قيصرية. تمر في ذهنها الكثير من الكوابيس عن فكرة “العملية القيصرية” ذاتها، وعبر التفكر في تجربة الإنجاب، تصل المرأة إلى معرفة جديدة عن النفس والآخر، فالجنين سيتحول إلى آخر، وأنها تسهم في تكوينه عبر معاناتها الجسدية، وتجعل من تجربة الحمل نشاطا خصبا فعالا وتعريفا إيجابيا للأنوثة. كما تدرك أن ازدراءها للمرأة الحامل إنما هو تقبل لآراء اجتماعية شائعة.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 7510


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة