الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
'الواجهة' رواية فوضى الحياة على درب البحث عن الحقيقة
'الواجهة' رواية فوضى الحياة على درب البحث عن الحقيقة
'الواجهة' رواية فوضى الحياة على درب البحث عن الحقيقة


06-12-2015 01:22 AM
بمناسبة احتفال مصر بمئوية ميلاد الروائي الراحل يوسف عزالدين عيسى (1914 /1999)، أصدرت “الدار المصرية اللبنانية” طبعة جديدة من روايته “الواجهة”، متزامنة مع صدور الطبعة الأولى من روايته “عواصف” التي لم تخرج بين دفتي كتاب في حياته، وذلك من منطلق الإيمان بأن رائد الدراما الإذاعية لم ينل إبداعه الروائي أو المسرحي ما يستحق من اهتمام نقدي أو دراسة أكاديمية، على الرغم من أنه كان أحد الأساتذة الكبار الذين أسهموا في تأسيس جامعة الإسكندرية.

العرب


القاهرة - في رواية “الواجهة” للراحل يوسف عزالدين عيسى، وعبر 330 صفحة، تعيش أعلى درجات التشويق والإثارة، كما يؤكد الروائي سعيد سالم في تقديمه لهذه الطبعة، فتمضي رحلة “ميم نون” من الحياة إلى الموت، وهي رحلة شاقة وعسيرة؛ متنوعة بشتى صنوف العذاب والقسوة وأمرّ الأحزان.

ونحن بمجرد أن ننتهي من قراءة هذه الرواية نجد أنفسنا وجها لوجه أمام الأسئلة الأبدية: من الخالق؟ ومن الإنسان؟ وما هي الحياة الدنيا؟ وما الآخرة؟ وماذا عن الجبر والاختيار وماهية الوجود الإنساني؟ وما معنى أن تنتهي كل هذه المسائل الملغزة بلغز أكبر منها ألا وهو الموت؟ فالرواية مليئة بالرموز الموحية التي قد لا يختلف اثنان على المعنى المقصود بأي منها.

رحلة البحث عن الحقيقة

بناء الرواية المعماري قائم على تصميم هندسي تعسفي لكل رمز من الرموز الواردة بحيث يناظره معادل موضوعي على أرض الواقع. إلا أننا نظلم العمل ظلما فادحا إذا ما تناولناه من هذا المنظور لأننا حتى لو استبعدنا المعادل الموضوعي لكل رمز وتناولنا العمل على ما هو عليه، أي بشكل اللامعقول، فإننا سنجد أنفسنا أمام رواية فنية متكاملة تعبر عن لامعقولية هذه الحياة التي نحياها بكامل وعينا ومعقوليتنا.

في رواية “الواجهة” نبدأ رحلة البحث عن الحقيقة مع بطلها الذي سمّاه “ميم نون” وهو في حقيقته علامة استفهام، كما يقول سعيد سالم؛ فميم نون قد تعني كلمة “مَن” إذا ما ضممنا الحرفين معا، والعمل من بدايته حتى نهايته يشكل علامات استفهام كبرى تأخذ في التضخم حتى يستحيل تصور حجمها في النهاية. وتبدأ أولى علامات الاستفهام بوجود “ميم نون” في المدينة العظيمة التي تبدو وكأنها شارع واحد، كيف حدث هذا؟ ولماذا؟

ثم لماذا قرر مالك المدينة الحكم بالإعدام على جميع سكانها؟ وعندما يبدأ “ميم نون” في التطلع البريء إلى الأنس والمحبة لتبديد عزلته ووحشته يكتشف أن أهل المدينة يتمسكون بقيم محددة تمسكا دوغمائيا دون النظر إلى طبيعة النوايا، فتبلغ عنه الفتاة التي ارتاح إليها -وهي تقدم له الطعام في المطعم- ليطرد من منزله ويصبح بلا مأوى ولا نقود، بحيث لا مفر أمامه إلا الذهاب إلى الطاحونة يدير رحاها كثور مقابل الحصول على لقمة العيش.

لكن الطريق إلى الطاحونة مليء بالعذاب يعترضه الموت، إذ تلتهم البالوعة الأحياء فيطن صفير في أذني “ميم نون”، ذلك الصفير الذي يوحي بلا شك برحيل القطار حاملا الميت من عالم الدنيا إلى الآخرة. والحكم بالإعدام في هذه المدينة لا يفرق بين القتلة المتوحشين والفنانين ذوي الأحاسيس المرهفة، فها هو الشاعر الشاب الجميل الرقيق يقتله الموت بسهم يخترق قلبه النابض بحب الكون والبشر.

لكن سكان المدينة بالرغم من جمودهم وآليتهم، نجدهم يذرفون الدموع على الفنان ثم ينصح “ميم” بالالتجاء إلى مالك المدينة بالشكوى، ويقال له إن المالك يحب الشكاوى، ويسعد بكثرتها، وأنه يجد لذة في شكوى الناس وتوسلاتهم، والويل لسكان المدينة من غضبه، فقد يعنّ له فجأة أن يُحدث زلزالا رهيبا بالمدينة يروح ضحيته من يروح بلا ذنب أو جريرة. ويتقدم “ميم” بشكواه التي يقول فيها “لقد وجدت نفسي في هذه المدينة بغير إرادتي، ولا أعلم من أين جئت”. إلى أن يقول “وليس لديّ من المال ما يسمح لي بتناول الطعام، ولم يعد لي مأوى، وأرجو من مالك المدينة أن يسمح لي بمغادرة هذه المدينة التي ملأت قلبي بالهموم والأحزان ويهيّئ لي وسيلة للخروج منها إلى مكان آخر”.

مزج الرمز بالواقع

هكذا يقرر “ميم نون” الفقير المعذب الذي لم يرتكب إثما واحدا أن يغادر هذه الحياة، لكن إلى أين؟ هذه علامة استفهام أخرى لم يجد لها إجابة، فلم يجد بدا من الذهاب إلى الطاحونة حيث كان السوط في انتظاره يلهب جسده ويدميه مقابل قروش قليلة.

ويسأل عن اسم مالك المدينة وعن شكله فيقال له إن المالك ليس له اسم معيّن بل أسماء كثيرة، ولم يره أحد قطّ. ومع التهاب جسده بنزيف الدم من أثر السوط، ويأسه من الحصول على ردّ حول شكواه يصبّ غضبه على المالك فيقول إنه يهوى تنفيذ الإعدام في الأبرياء ويتلذذ بشكاوى المعذبين دون أن يحقق لهم أية أمنية.

والراحل يوسف عزالدين عيسى لكي يعالج هذه الأفكار الفلسفية الشائكة كان يلجأ دائما إلى مزج الواقع بالرمز والخيال، وله نحو 200 قصه قصيرة وست مسرحيات وثماني روايات، إضافة إلى ما يفوق المئة مقال. وقد نظم الشعر، وكتب الأغنية التي تخللت الكثير من أعماله الدرامية وأهمها: “العسل المر”، وقد اختيرت أعماله ضمن مختارات الإذاعة المصرية وهو مازال بعد في بداية حياته، ولحنها وغناها كبار الفنانين مثل: عبدالحليم حافظ، ومحمود الشريف وغيرهم. أما نظرته للحياة فقد غلب عليها طابع المرارة الشديدة أكثر مما كان يغلب عليها طابع الحيرة والتساؤل.

صدر له “العسل المر”، “لا تلوموا الخريف”، “التمثال”، “عين الصقر”، “الرجل الذي باع رأسه”، “نريد الحياة”، “ليلة العاصفة”، “ثلاث وردات وشمعة”.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6040


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة