الأخبار
منوعات سودانية
عينيك يا أعز الناس ود اليمني.. أسطورة غناء إيقاع الدليب الخصيب
عينيك يا أعز الناس ود اليمني.. أسطورة غناء إيقاع الدليب الخصيب
عينيك يا أعز الناس ود اليمني.. أسطورة غناء إيقاع الدليب الخصيب


06-13-2015 07:04 PM

"عينيك فيها علم الطب"، تظل الذاكرة الغنائية السودانية واحدة من أغنى المستوعبات الإنسانية تاريخياً وموسيقياً، ويمتد هذا الغنى إلى فترة زمنية طويلة وضاربة في القدم، حتى عام 2500ق.م، حيث أبدعت مروة مروي في ابتداع التغني بالسلم الخماسي الذي صار بعد ذلك تخصيصاً لحنياً يميز السودانيين عن بقية العالم في جوانب منه، وذلك باعتبار أن بعض الشعوب الشرق آسيوية تتغنى هي ايضاً بذات السلم الموسيقى. والمنطقة الواقعة شمال ومنتصف السودان، حيث امتازت مروي الدولة هي ايضاً دون غيرها بنمط موسيقي غنائي مختلف، خصها الله به دون سائر البلدان والعالمين، وهو ما يعرف بإيقاع "الدليب"، الذي حتى في اختصاصه الجغرافي ما اكتفى بل صار معتنقا غنائيا لإثنية سودانية واحدة، ومعتقدا غنائيا تقدسه وتعتنقه قبيلة "الشوايقة" دون غيرها من الإثنيات السودانية.

الخرطوم : أيمن كمون

ورغم أن لقبيلة الشايقية لهجتها ولكنتها المعقدة نسبياً من حيث نطقها للكلمات، لكن غناء المنطقة الذي امتاز بحنيته وشاعريته صار ملمحا تراثياً عظيماً في كتيب التراث والموسيقى الافروعربية والسودانية على وجه الخصوص، وصار مصدر طرب وتعبير لغالب اهل السودان، ونموه في تلك المنطقة اظهر العديد من المغنين والفنانيين الذين ارتبطوا بهذا النمط الغنائي واصبحوا من رموزه السودانية.

ويعتبر الفنان السوداني عثمان اليمني واحداً من اساطين غناء ديار الشايقية، ورمزاً من رموز الطمبور وغنائه الكبار، وأحد مغني إيقاع الدليب العظام، وود اليمني الذي اختطفته يد المنون الاثنين الماضي كان في حياته مصدر إلهام وحب لكثير من السودانيين وابناء منطقته على وجه التحديد، والباحث في غناء الطمبور يجد ان عثمان اليمني هو بمثابة الاب الروحي الذي استلم مهمة الحفاظ على الإرث بعد رحيل كبير الطمبور "النعام آدم"، وانه يمثل واحداً من مغني الجيل الثاني الذي تعامل مع وسائل الإعلام السودانية، ونجح في مد ونشر الاغنية والتغني بها عبر الشاشات والفضائيات خلال تسعينيات القرن الماضي. وتقول سيرته إنه عثمان عبد الرحمن علي حسين أحمد مرعي، والده من أصل يمني، دخل السودان عبر الحدود الإثيوبية في أواخر القرن التاسع عشر من أجل حفظ القرآن، وكان ذلك في شبابه، فتجول في"السودان كثيراً إلى أن استقر به المقام في قرية القرير، وهي قرية تتبع لريفي مدينة مروي، وبعد سنوات عدة من مجيئه من اليمن التحق بخلوة الشيخ (عبد الله)، ومكث فيها إلى أن حفظ القرآن وعَلَّمَه، وبلغ في تلك الخلوة مرتبة الوكيل، ثم انتقل إلى خلوة (الضيف) بحي الشاطئ لبعض الوقت، صاهر الملك "ود فور" ملك منطقة حزيمة، وهو من ملوك (حَنِّك)، وقام بأخذه إلى خلوة حزيمة شيخاً عليها، ومن هذه المصاهرة جاء عثمان اليمني وإخوانه".
ولد "وداليمني" في عام 1939 ودرس عند والده بخلوة حزيمة وبمدرسة جقلاب الصغرى بالقرير، ولم يزد على ذلك. في عام 1957م التحق بالقوات المسلحة إلى أن ترك الخدمة في عام 1960م. عمل ترزياً بمدينة شندي، ثم انتقل إلى عطبرة ثم انتقل للعاصمة، حيث عمل بسوق أم درمان، وفيها تعلم عزف الطنبور بمصاحبته لـ"سيد أحمد صديق وعبد الله حسن الجدي وحسن حمد ود كليل"، وهم من أبناء القرير، وبدأ ود اليمني يترنم ببعض الأغنيات القديمة، وذات مساء وفي جلسة غنائيه اقترح عليه "حسن حمد" أن يذهب إلى الإذاعة وأصَرَ على ذلك، وفعلاً ذهب وكان ذلك في أواخر 1962م، فتغنى وأجيز صوته فوراً بأغنية "الله الليل يا ألله" التراثية المشهورة. ومن ثم التقى بالراحل حسن الدابي في "دابو جاهل صغير سن.. ويا حسن ده بلودو وين" وغيرهما، وتغنى لإبراهيم ابنعوف في "آسيا.. وما غلطان طريق الحب مشيتو"، وأخريات. ومن ثم أتت بقية الروائع بلقائه مع الأساتذة: محمد العبيد صديق والراحل عبد الله كنة الذي غنى له ما يقارب الـ100 أغنية، منها "جروح قلبي الأبت تبرا.. وشادياته"، ومن بعد كان عبد المنعم أبو نيران وفؤاد عبد الرحيم والشاعر سيد أحمد الدوش وإسماعيل حسن وسيد أحمد الحردلو وكدكي والسر عثمان الطيب وأحمد النضيف"، وعددٍ من الشعراء، حتى جاءت مرحلة الإنقاذ التي تُعتبر المرحلة الاكثر نضاراً وقوميةً وازدهار في مسيرته التي قاربت النصف قرن، مخرجاً لنا أغاني روائعٍ وسيرةٍ قلّ أن يجود الزمان بمثلها.
"عينيك علمتني أحب"، وبمثلما امتاز ود اليمني بالتعامل مع كبار شعراء الشوايقة، امتاز ايضاً بعزفه البارع على آلة الطمبور، وقدرته الأدائية العالية، ونبراته الصوتية الرخيمة، وملكاته التطريبية الراقية. واستطاع أن يخلد في الوجدان الغناي السوداني عديد الاغنيات، بل تعداها ليمثل في فترة ثمانينيات القرن الماضي قمة منتهى تعبير العشاق، وهو يتغنى برائعته (عينيك يا أعز الناس) التي اصبحت خطاباً يخطته المحبون لحبيباتهم ويكتبون مقاطعها على المناديل المعطرة بين يدي (البنيات)، فاشتهر ود اليمني ايما اشتهار وصار محبوباً في الجيل الجديد من الشباب آن ذاك. ولكن كما هو حال الجسد الإنساني الفاني، تغلغل مرض السكر بين جنبات المغني الطروب، وتحول مع الايام إلى فشل كلوي، ألزمه سرير المرض، فاتعب صوته واقعده عن الغناء، فسافر مستشفياً إلى كثير من العواصم العربية، لكن المقام استقر به في الخرطوم، فعاند العمر والألم وكان يترنم حتى آخر لحظاته بكلماته، وهو يؤرخ لصبره الذي أبانته المحنة أكثر من شلوحه الوسيمة، فاستقبلته مستشفى الشرطة "ببري"، قبل ان تنمحه التوقيع الأخير، وآخر شهادة على ظهر البسيطة، لتودعه الجمهور السوداني الذي لطالما احبه منتصف ليلة الاثنين 14 ابريل، وهو يلقي على محبوبه وملهم عواطفه آخر النظرات، ويشيعه في موكب مودع حزين إلى مثواه الأخير بمقابر الصحافة حيث وري الثرى. وستظل الذاكرة السودانية تحفظ له جميل غنائه، وسيذكره الوجدان السوداني المحب كلمات تفتقت مياسم حب أحد شبابه او شاباته بالحب الطاهر العفيف، وسيظل عثمان اليمني ما بقي العشق والحب والطرب في الوجدان الإنساني.

التغيير


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2371

التعليقات
#1286933 [الطرادة الحمراء]
0.00/5 (0 صوت)

06-16-2015 12:51 PM
أمه شايقية

[الطرادة الحمراء]

#1284676 [الطرادة الحمراء]
0.00/5 (0 صوت)

06-14-2015 09:05 AM
مشكور الكاتب مع أن عثمان اليمني يستحق أن يجد أكبر من هذا الإهتمام وسوف يعلم السودان ما قدمه هذا البارع والذي طور أغاني الشايقية ووضع القصة الشعبية غنائياً ولا ننسى أغنيته أنا طاريك يا أمدرق وطاري القبيلة شعر عبدالقيوم ابراهيم مالك وغيرها من القصائد له الرحمة والمغفرة .

[الطرادة الحمراء]

ردود على الطرادة الحمراء
[بنت القضارف] 06-14-2015 08:07 PM
مع انه يمني اﻷصل و ما عنده أصلا علاقة بالشايقية حتى يغني أغانيهم



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة