الأخبار
أخبار إقليمية
المعارضة وأجهزة الدولة والقانون المادة 50 نموذجاً 1_2
المعارضة وأجهزة الدولة والقانون المادة 50 نموذجاً 1_2
المعارضة وأجهزة الدولة والقانون المادة 50 نموذجاً 1_2


06-14-2015 12:17 PM
نبيل أديب عبدالله المحامي


ما زالت الإنقاذ ومنذ العام 98 في أخريات القرن الماضي تحاول التحول لنظام دستوري يقوم على رضا المحكومين بدلاً عن قهرهم، دون أن تنجح بشكل حاسم في هذه المسألة. قد يكون السبب في ذلك أن الإنقاذ تقبل بقدر من الدستورية ولكنها غير مستعدة للسير في الطريق إلى نهايته، وهو طريق ينتهي بقبول التخلي عن السلطة إذا رأى المحكومون ذلك. يبدو ذلك من فشل الإنقاذ حتى الآن في التعامل مع المعارضة كما يتم التعامل معها في إطار نظام حكم دستوري. ظهر ذلك بوضوح في حفل تنصيب الرئيس المنتخب، والذي تم في احتفال شهده أصحاب المناصب القيادية في الدولة بشكل كثيف يظاهرهم رهط من قيادات المؤتمر الوطني وحلفائه، ولكن في غياب تام للمعارضة، وهو غياب لم يقف عند أعتاب الاحتفال، بل تعداه إلى الحياة السياسية الشرعية بأسرها بما في ذلك البرلمان الذي جرى انتخابه متزامناً مع الانتخابات الرئاسية. تشكل المعارضة جزءًا مهماً من مؤسسات الحكم للنظام الديمقراطي يعبر عن ذلك الإشارة لها في الأدب السياسي الإنجليزي بتعبير"معارضة صاحب الجلالة". عندما استخدم كام هوبهاوس هذا التعبير لأول مرة فى عام 1826 فى خطاب ألقاه فى البرلمان، بمناسبة تحديد مرتب رئيس مجلس التجارة، تحدث بعده أحد أعضاء البرلمان من المعارضين فذكر " لم يكن فى إمكان صديقي المحترم أن يجد تعبيرًاً ليصفنا به خير من ذلك التعبير الذى اخترعه (يقصد معارضة صاحب الجلالة ) لأننا لكل الأغراض والنوايا نشكل فرعاً من حكومة صاحب الجلالة ..... فرغم أن السادة الأفاضل على الجانب الآخر هم الذين يشغلون المناصب، فإننا نشاركهم السلطة، فالتقييم لنا والمرتبات لهم ." وهذا هو الفهم الصحيح للمعارضة فى الأنظمة الديمقراطية، فالمعارضة هى فرع مهم في السلطة، فرغم أنها خارج الحكومة، إلا أنه لا غنى للحكومة عنها لو شاءت أن تتوصل للقرارات الصحيحة فى أي شأن. لذلك فإن تصريح السيد المساعد الأول لرئيس الجمهورية بأن السودان لا توجد فيه معارضة لا ينال من المعارضة بقدر ما ينال من صدقية النظام القائم كنظام ديمقراطي تعددي. يزيد الأمر إرباكاً أن السيد المساعد يذكر بعد ذلك أنه لابديل للحوار. ولا ندري ما ضرورة الحوار؟ ومع من يجري في غيبة المعارضة؟

المعارضة و الأجهزة الأمنية
بعد نفاذ دستور 2005 الذي تبنى الديمقراطية التعددية، لم يعد العمل المعارض للحكومة القائمة مسألة تستدعي تدخل القانون، أو الأجهزة الأمنية، بل أصبح جزءاً من الحياة السياسية العادية. ففي حين تتماهى سلطات الحكومة في الأنظمة السلطوية حتى تبتلع سلطات الدولة وأجهزتها، تظل أجهزة الدولة في النظم الديمقراطية تمارس سلطاتها تحت توجيه الحكومة، ولكن في استقلال تام عنها، لتحقيق مصالح الدولة.

الحكومة تعنى السلطة السياسية القائمة فى فترة محددة ، في حين تعنى الدولة الأجهزة الدائمة التي تمارس بواسطتها الحكومة القائمة فى زمن معين السيادة على الشعب والإقليم . وهذه الأجهزة الدائمة ـ ومن ضمنها جهاز الأمن ـ يجب أن تتميز بالحياد تجاه الحكومات المتعاقبة من جهة، وتجاه التكوينات السياسية القانونية داخل إقليم الدولة من الجهة الأخرى. وحياد الجهاز تجاه التكوينات السياسية القانونية ضروري لممارسته لمهامه كجهاز من أجهزة حماية الدولة يتعاون معه الجميع مما يسهل للجهاز أداء مهامه، ويزيل الفهم المغلوط بوجود تعارض بين حماية الأمن الوطني والحريات العامة. لذلك فإنه لا يوجد عداء بين الأجهزة الأمنية والمعارضين، في الأنظمة الديمقراطية، بل على العكس من ذلك تتم بينهم مشاورات واجتماعات من حين لآخر، لتبادل المعلومات حول المهددات الأمنية للدولة وليست الحكومة، خاصة وأن النظام الديمقراطي لايعرف حكومة يخضع لها الأمر أبد الدهر، بل على العكس من ذلك تتحول بشكل طبيعي معارضة اليوم لتصبح حكومة الغد، وهذا ما يتطلب أن يكون للمعارضة تمثيل في داخل المؤسسات الدستورية للدولة.

العمل المعارض والقانون
عدم وجود معارضة فى برلمان ديمقراطي تعددي هو أمر غير متصور. وبغض النظر عن السبب فى ذلك، وسواء أكان مقاطعة الانتخابات، كما يقول المعارضون أو التأييد الكاسح الذي وجده المؤتمر الوطني، كما يقول الحاكمون، فإن ذلك لا ينبئ بنظام متوازن، بل هو مخالف للصورة السياسية في كل الديمقراطيات بمختلف أشكالها الدستورية. أهمية وجود معارضة في البرلمان فطن له قادة المؤتمر الوطني، ولكن بدلاً من أن يفسحوا مجالاً للمعارضة في تلك المؤسسات حاولوا إخفاء عدم وجودها عن العين بتركهم لبعض من المقاعد لتتنافس عليها الأحزاب المتوالية معهم، ولكن هيهات. إذا كان غياب المعارضة عن البرلمان تسبب فيه المعارضون بمقاطعتهم للانتخابات، فإن ذلك لا يبرر مطاردتهم بالقانون، بل على العكس من ذلك فإن مطاردتهم بالقانون تبرر مقاطعتهم للانتخابات. في الوقت الذي كان الرئيس يخاطب الأمة ويعلن أنه سيكون رئيساً للجميع، من صوت له، ومن صوت لغيره، ومن قاطع الانتخابات، كلهم سواء، كانت وكالة نيابة الجرائم الموجهة ضد الدولة توالي الاتهام في مواجهة عدد من منسوبي الأحزاب المعارضة بدعوى أنهم قد خالفوا المادة 50 من القانون الجنائي بمقاطعتهم للانتخابات!
ازداد الأمر سوءًا باستخدام المادة (50) من القانون الجنائي في مواجهة قادة المعارضة، لأن ذلك من شأنه أن يدخل جهازاً حساساً من الأجهزة العدلية وهو جهاز النيابة العمومية في الصراعات الحزبية وهو أمر ستدفع ثمنه البلاد بأسرها ولا يقتصر مضاره على المعارضة أو النظام ، وهو ما يحتاج من وزير العدل الجديد، ونحن نثق في علمه وطبيعته المنصفة، لمراجعة سريعة وحاسمة.

المادة (50) ومفارقة السياسة العقابية
المادة (50) تم استحداث حكمها في قانون العقوبات لعام 1983 حين سعى النميري لإحكام قبضته على السلطة، وخنق كل أشكال المعارضة فزج بحكمها في المادة 96 والتي كانت في قانون 74 تقتصر على العقاب على إثارة الحرب ضد الدولة، أو الشروع في ذلك فأضيفت لها جريمة تقويض الدستور وتعريض استقلال البلاد أو وحدتها للخطر وهو الحكم الذي ورثه القانون الجنائي في المادة 50 منه.

التيار


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1683

التعليقات
#1285141 [ABOALKALAM]
0.00/5 (0 صوت)

06-14-2015 05:54 PM
مقال رائع

[ABOALKALAM]

#1284985 [بكري الصائغ]
5.00/5 (1 صوت)

06-14-2015 02:41 PM
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا
كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا

[بكري الصائغ]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة