الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الرياضيات.. علم التجريد
الرياضيات.. علم التجريد
الرياضيات.. علم التجريد


06-14-2015 11:06 PM


الأعداد التخيلية تستخدم في نظريات التحكم وجريان الموائع ومعالجة الإشارة والهندسة الرياضية وحساب المثلثات والتفاضل والتكامل.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد زكريا توفيق

أسرار مثيرة

الأبعاد، مقادير. حاجتنا لقياسها، أدى إلى ظهور علم الأعداد. أي علم الرياضيات. أعدك بأن المقال ظريف ومسلي، ليس به معادلات معقدة تصدّع الدماغ، وتجعلك تزوغ من الحصة وتقفز من الشباك.

علم الرياضيات، هو العلم الوحيد الذي يستخدم المنطق البحت، والذي يمكن فهمه في أي بقعة على ظهر الكرة الأرضية، أو حتى في كواكب المجرات البعيدة، إذا كانت مأهولة بكائنات تعقل وتفهم.

لكن، كيف بدأ علم الرياضيات؟ لا أحد يعرف بالتأكيد. الموجود فقط تخمينات. ربما بدأ عندما تشاجر اثنان من سكان الكهوف على امتلاك أنثى. وحيث إنهما صديقان حميمان، قررا حل الخلاف بإجراء مباراة سلمية بينهما، بدلا من الحاجة إلى استخدام النبابيت.

من يستطيع التفكير في رقم أكبر من الآخر، يفوز بالأنثى. قال الأول: إبدأ أنت. فتردد الآخر وقال: لا، إبدأ أنت. أخيرا بعد تفكير عميق، هرش أحدهما في رأسه وقال: "ثلاثة".

هرش الآخر مدة أطول ثم غلب حماره وخسر الرهان. بذلك يكون جدنا، الإنسان الأول الذي فكر قبل غيره في الرقم ثلاثة، هو الذي علم أولاده وأحفاده كيف يعدون الأشياء.

بمرور السنين، بدأت الناس تفكر في أرقام أكبر يمكن أن يعدون بها الأشياء. شيئا فشيئا، اكتشفوا طريقة لمقارنة شيء بآخر عن طريق القياس. هذا أوصلهم إلى استخدام وحدات القياس. "كل الأشياء أعداد"، هذا ما قاله فيثاغورث.

الرياضيات هي علم التجريد. تقدمت تقدما رهيبا باكتشاف الهنود للصفر. في البداية، كان الصفر نوعا من رموز السحر والجلا جلا. قوبل بمعارضة شديدة من الأوروبيين، عندما نقله المور في القرن التاسع في الأندلس.

بعد ذلك، بدأوا يتقبلونه عندما شرحة الخوارزمي ببراعة وبين طريقة استخدامه في كتابه عن الحساب، الذي ظل مستخدما في أوروبا ما يزيد على 500 سنة. الصفر، لا يعني مطلقا "لا شيء". هو يعني ما هو أكثر من "لا شيء". وجوده في مكان ما، يعني أن هذا المكان ليس به شيء.

فمثلا الصفر، يمكنه أن يحول، بقدرة قادر، الرقم 1 إلى الرقم 10. لماذا؟ لأن خانة الآحاد، خالية من أي شيء. يعني خانة فاضية. وجوده يعطي قيمة كبيرة للرقم 1 على يساره. هنا وجود الصفر، لا قيمته، هي التي تهمنا.

إسهامات الخوارزمي العلمية، في الجبر والحساب والفلك والمثلثات، في عصر المأمون، تعتبر من أكبر الاسهامات التي أدت إلى تطور علم الرياضيات. فقد قام بنقل الصفر والحساب الهندي، عن طريق مؤلفاته وكتبه في الحساب والجبر. واعتبر الصفر عددا لا يساوي شيئا.

كتابه في الحساب، كان الأول من نوعه. نقله أديلارد أف باث إلى اللاتينية تحت عنوان الغورتمي. ظل هو المرجع الوحيد في أوروبا في القرون الوسطى.

ظل يعتمد عليه العلماء والتجار والمحاسبون لعدة قرون. هو أيضا مؤلف أعمال كثيرة، منها كتاب "الجبر والمقابلة"، الذي أخذ منه اسم علم الجبر.

يأتي قبل الصفر، من الناحية المنطقية، الأعداد السالبة، -2، -7. الأعداد السالبة، هي في الواقع، معكوس الأعداد الموجبة. كل عدد موجب، له نظير سالب، مثل المرآة.

من الأعداد أيضا، الأعداد الصماء. أشهرها العدد "ط". وهو كما نعرف من دراستنا المدرسية، يساوي نسبة طول محيط الدائرة إلى طول قطرها.

هذه النسبة ثابتة في كل الدوائر، سواء كانت الدائرة في مساحة العملة المعدنية أو أصغر، أو كانت الدائرة في مساحة ملعب الكرة، أو أكبر.

ط، تساوي بالتقريب (7:22). لا يمكن كتابة القيمة الحقيقة للعدد "ط" باستخدام الأرقام أو النظام العشري، لسبب غير معروف. لذلك يعتبر من الأعداد الصماء.

بعد ذلك، تهبط علينا من السماء الأعداد غير الممكنة. الأعداد التخيلية، مثل الجذر التربيعي للعدد (-1). عادة، حاصل ضرب موجب في موجب، يكون مقدار موجب. وحاصلب ضرب سالب في سالب، يكون الناتج أيضا مقدارا موجبا.

لكن العدد التخيلي السابق، حاصل ضربه في نفسه، يعطينا مقدارا سالبا. لذلك سمي بالعدد التخيلي، لأنه ليس له وجود على أرض الواقع. ولا يمكن استخدامه في القياس أو عد الأبقار في الغيط بطريقة مباشرة.

ربما تقول، طيب واحنا جاي لنا من الهم ده إيه؟ هو احنا غاويين كعبلة وتعقيد؟

الغريب أن هذا العدد التخيلي غير الموجود على أرض الواقع، قادر على صنع المعجزات. فقد أدى في نظرية النسبية العامة، إلى اكتشاف أن الفراغ ذو الثلاثة أبعاد، طول وعرض وارتفاع، يمكنه أن يندمج في الزمن لتكوين عالم بأربعة أبعاد.

تستخدم الأعداد التخيلية أيضا في نظريات التحكم، وجريان الموائع، ومعالجة الإشارة، والهندسة الرياضية، وحساب المثلثات، والتفاضل والتكامل، والتحليل العددي، والنسبية العامة، والميكانيكا الكمية، والهندسة الكسيرية، إلخ.

عندما باتت المسافات المكتشفة بين الكواكب والنجوم، كبيرة جدا لا يمكن تخيلها. جاء علم الرياضيات لكي يساعد في حساب هذه المسافات والمقادير، والتعبير عن قيمتها بطريقة سهلة.

فمثلا، كتلة المادة بالجرام في هذا الكون يمكن كتابتها هكذا: الرقم 1 وأمامه 55 صفر. أو تكتب 10 أس 55. وبنفس الطريقة يمكن كتابة كتلة الالكترون بالجرام، 10 أس -27. أي واحد مقسوم على واحد أمامه 27 صفر.

أنا هنا لا أريد أن أصدع دماغك بهذه الأرقام، ولكن أريد أن أبين أن المقدار مهما كبر أو صغر، يمكن التعبير عنه بالرموز الرياضية. وهذا هو جمال علم الرياضيات. علم ما قل ودل.

لو أعطيتك ورقة كبيرة كبرا كافيا. وقلت لك قم بتطبيقها 50 تطبيقة، أي خمسين مرة. فكم يا ترى سيكون سمك الورقة بعد تطبيقها؟ متر أو مترين؟ أرجو أن لا تراهن على ذلك.

لأن سمك الوقة سوف يصبح، لو استطعت ذلك، 17 مليون ميل. وهي مسافة تجعلنا نذهب إلى القمر ونعود ثانية، 35 مرة. السر هنا أنك تضاعف سمك الورقة، 2 أس 50. أي 2 مضروبة في نفسها 50 مرة.

أراد الملك شيرام، مكافأة الحكيم سيسا، مخترع الشطرنج في القرن السادس الميلادي. تقول الحكاية إن الحكيم طلب من مليكه، كمكافأة، الحصول على حبة قمح (1) في أول خانة، حبتين في الثانية، 4 حبات في الثالثة ، ثم 8، ثم 16، ثم 32 وهكذا. أي بمضاعفة الحبات في كل خانة تابعة حتى نصل إلى الخانة 64 .

استهان الملك بالأمر، وقال ساخرا، ظننت أنك أذكى من ذلك. بدلا من أن تطلب الذهب والفضة، تطلب حفنة من القمح. ثم صرخ في حراسه، أعطوه ما يريد.

تعالوا معي نحسبها. عدد حبات القمح المطلوبة تساوي (2 أس 64) – 1.

عدد حبات القمح بالضبط هو: 18446744073709551615

لو ملأنا الكرة الأرضية بالقمح، وفاض حتى وصل إلى القمر، لما وفّى بالمطلوب.

الحكيم في هذه الحكاية، لم يكن يبغى سوى إعطاء الملك درسا. وهو عدم الاستهانة بالأمور والحكم عليها بالشبه أو من الظاهر، قبل الفحص والتمحيص.

علم الرياضيات علم واسع ملئ بالغرائب. يخبرنا أن أي مسطح له بعدين، مرسوم عليه خريطة مقسمة مساحات مختلفة، يحتاج إلى أربعة ألوان على الأقل، لكي نميز كل مساحة على حدة دون تداخل اللون مع جيرانه. لو كانت الخريطة مرسومة على حلقة سميكة مقفلة، عدد الألوان اللازمة 7 على الأقل.

أجمل الاكتشافات في عالم الأعداد، يأتينا من فيثاغورث. الأشكال ذات السطوح المستوية الـ: 4، 6، 8، 12، 20. تربطها كلها علاقة هارمونية. الشكل رباعي السطوح له، 4 سطوح، 3 أركان.

عدد الأضلاع = عدد الأسطح + عدد الأركان + 2.

هذا ينطبق على كل الأشكال السابقة.

عدد أضلاع الشكل الرباعي = 4 + 3 + 2 = 7 ضلع

عدد أضلاع المكعب = 6 + 8 + 2 = 16 ضلع

عدد أضلاع الشكل الثماني = 8 + 6 + 2 =16 ضلع

عدد أضلاع 12 سطح = 12 + 20 + 2 = 34 ضلع

عدد أضلاع 20 سطح = 20 + 12 + 2 = 34 ضلع

لا فيثاغورث، ولا أفلاطون، ولا كبلر الذي كان يبحث عن هذه الأشكال في السماء، كانوا يتخيلون أنها توجد حية بين الكائنات على سطح الأرض.

هذه الأشكال الخمسة، قد اكتشف حديثا أنها موجودة حية بين الكائنات الدقيقة، "بلانكتون"، التي تعيش في البحار والمحيطات، والتي تمدنا بثلاثة أرباع حاجتنا من الأكسجين اللازم للتنفس والحياة. تلوث مياة المحيطات قد تقضي على الحياة على سطح الأرض.

هذه الكائنات ذات الأشكال الهارمونية، تبين لنا مدى التآزر والتوافق بين عالم الأفكار وعالم الحياة. بين عالم المثل بتاع أفلاطون والعالم المادي الذي نعيش فيه. بين المجرد، الهندسة والرياضيات، وبين الحياة.

مثل هذه النماذج العددية المجردة، نجدها بين ترتيب أوراق الشجر وبتلات الزهور. فهي تتبع تسلسل عددي يسمى "أعداد فيبوناشي". وهو تسلسل عددي، كل عنصر فيه، إذا أضيف إلى ما قبله، يعطينا ما بعده. هكذا: 1 ، 1 ، 2 ، 3 ، 5 ، 8، 13.

فيبوناشي، هو الشخص الذي درس هذا التسلسل، وكان يعيش في بيزا بإيطاليا في القرن الثالث عشر. تبين لنا أن فهم هذا التسلسل العددي، هو مفتاح فهمنا لكيفية تصميم الأشجار والزهور.

هي أيضا، جزء من موسيقى الكون الخالدة، التي وضعت النظام الهارموني في قلب الذرة والجزيئات والبلورات والصدف والشمس والمجرات البعيدة. والتي جعلت الكون موسيقى ونغم لأغنية عظيمة.

هناك أيضا عدد أصم يسمى بالنسبة الذهبية. وهو خارج قسمة عددين، س وص. س أصغر من ص. بحيث يكون خارج قسمة س على ص، يساوي خارج قسمة ص على (س + ص).

وجد أن هذه النسبة تساوي بالتقريب، 1 إلى 1.6 قيمتها الحقيقية بالضبط، لا يمكن كتابتها بالأرقام، مثل العدد ط، وهو أيضا نسبة بين طول المحيط إلى طول القطر في الدائرة.

النسبة الذهبية كانت مقدسة عند فيثاغورث. نقلها عن كاهن مصري، وكان دائما يخطها على الرمال في صورة مستطيل، طوله 1.6 قدر عرضه. هذا المستطيل، وجد أنه الشكل الأمثل لعرض اللوحات الفنية وربما لشاشات التليفزيون المسطحة.

ثبت أيضا أن النسبة الذهبية تستخدمها الكائنات في بناء أصدافها الحلزونية، بحيث يمكنها النمو دون الإخلال بمركز ثقلها. وتستخدم أيضا في ترتيب الأوراق والبذور في النباتات.

كلما فكرنا بقلوب مخلصة صافية، وجدنا الكثير من أسرار هذا الكون. أسرار مثيرة حقا، هي جزء من السيمفونية الكونية التي نحياها. والتي ينشغل عنها، وعن التمتع بجمالها وجلالها، الكثيرون منا.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6205


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة