ضد الحداثة
ضد الحداثة


06-16-2015 12:23 PM
أمير تاج السر


لقد تعودت عبر سنوات، أن أتلقى عبر البريد الإلكتروني، وبشكل شبه يومي، مراسلات فيها رائحة الكتابة، بمعنى أنها إما روايات مخطوطة أو قصص قصيرة، أو قصائد شعرية، أو خواطر، أو حتى مجرد آراء فردية، أو أمنيات وأحلام صغيرة، أن يصبح أحدهم كاتبا ذات يوم.
هذه المراسلات في مجملها، تعطي مؤشرا لا أدري، أهو سلبي أم إيجابي، بأن الكتابة الإبداعية، في شتى ضروبها وحيلها باتت هما رئيسيا لدى أشخاص كثيرين، الإيجابي هنا هو أنها هم يحمله الكثيرون، والسلبي، هو أنها لم تعد نافذة يطل عبرها المبدعون فقط، ولكن خلاء ممتدا بلا سياج، يطرقه كل من أراد، بلا أي خلفية ثقافية أو قرائية. وكجزء من منهج أؤمن به، تعودت أن أمسك بالإيجابيات أولا، وأحاول أن أجعلها بالفعل إيجابيات، لكن الأمر في السنوات الأخيرة، لم يعد ممكنا، خاصة، حين يعود النصح الذي نهبه لأحدهم بحكم الخبرة الطويلة، في شكل غضب وتهجم واتهام قديم يتجدد مع كل جيل جديد، وهو أن الجيل السابق، ضد الحداثة، وما يزال يعض على إنجازاته القديمة، رافضا تغييرها.
بالطبع هناك استثناءات لا بد من الإشارة إليها، أي هناك من يستمع للنصح، ومن يرتقي بكتابته مستفيدا من خبرة الذين سبقوه، وتوجد بالفعل إشراقات عديدة، ومبشرة، وسط هذه الهجمة الكتابية، والذي يقرأ لوجدي الكومي وأحمد عبد اللطيف، ومحمد ربيع في مصر مثلا، ولسمير قسيمي في الجزائر، ولينا الحسن في سوريا، ومنصور الصويم في السودان، على سبيل المثال، يدرك تماما، أن المشاعل الإبداعية التي أوقدت منذ عرف العرب كيف يبدعون، محمولة بأمان، في أقلام هذا الجيل أيضا وستسلم لأقلام آمنة، في كل جيل جديد.
وحتى لا يظن كاتب من الذين يملأون الساحة الآن بأنني أقف بالكتابة في طريق مسدود، ولا أود أن تتجاوزه إلى أبعد من ذلك، فإنني أردد ما رددته مرارا، وهو أن ما أكتبه بخصوص الكتابة في أي منبر لدي فيه ركن، رأي شخصي، ولست مخولا لتقييم النتاجات المطروحة بشكل يومي، ويصلني صداها إلكترونيا كما ذكرت، كما أنه أصبح من الصعب متابعة كل ما له علاقة بالعملية الإبداعية، متابعة دقيقة، فقط أتحدث بلسان القارئ الذي عاش سنوات، يحاول أن يحصل على المعرفة، ولم يحصل عليها حتى الآن.
أعود لتخمة بريدي الإلكتروني شبه اليومية، ولا أدري هل يدرك من يرسل إنتاجه إلى أي شخص له علاقة بالكتابة، أن هذا الشخص، قد لا يجد وقتا لمطالعة ما أرسل إليه، وإن وجد وقتا وطالع شيئا، فقد لا يجد وقتا للرد، أو لكتابة تقديم، أو حتى إبداء نصح أو فكرة؟ ذلك أن لديه ما يشغله بالتأكيد، وكم من مرة أتيحت لي فرصة، قرأت فيها بعض الكتابات واقتنعت بجودتها لو تم تحريرها، وإضافة أو حذف فقرات منها، وودت أن أخبر مرسلها، لكن لم أستطع ذلك، ثم لتنشر تلك الكتابات بهيئتها غير المعدلة، ويبدأ صاحبها في التألق وسط أصدقائه أولا، ثم وسط معمعة معارض الكتب وضجيجها، ويبدأ في مهاجمة الكتاب القدامى، الذين حاولوا إغلاق الطريق عليه وأخفقت محاولتهم.
في الأسبوع الماضي، أرسل لي أحدهم قصة قصيرة جدا، من تلك القصص التي تسمى ومضات، وانشغل بها البعض هذه الأيام، وأعني من لا يملكون وقتا لصياغة الرواية، وهي موضة هذا العصر كما نعلم. هذه الومضات غريبة حقا، ومتعجلة كثيرا في اختراع حدث وتأجيجه وإخماده في سطر أو سطرين. هناك من يكتبها بوعي وفن، وهناك من يكتبها بطريقة: (بختك يا بخيت)، أي كيفا اتفق، وربما تأتي رائعة وتعجب الناس، أو سيئة، ولا تلفت النظر. ولطالما استغربت من قصص تتحدث عن بومة، ظلت تنعق في الليل حتى نشف صوتها، ولم ينته الليل، مزارع استيقظ في منتصف الليل، وابتدأ يحرث لحافه، وينتف منه القطن، وامرأة زوجوها لرجل مسن، طويل القامة، فأمسكها من رأسها وتوكأ بها حتى باب المسجد، وبائع خضروات متنقل، نسي اسم الباميا، فسماها بامبو، ليقفز عليه كرسي من خشب البامبو كان موضوعا مصادفة في الطريق، ويضربه.
هذه الأفكار غير المرتبة، والعبثية، والتي لا جدوى من حكايتها، لماذا لا يتم النظر إليها بتأن، لماذا لا يعطف عليها الكتاب فيمنحونها جزءا من وقتهم والكثير من عنايتهم، لتغدو قصصا حقيقية، من ذلك النوع الذي يكتبه العظيم: جار النبي الحلو، مثلا، أحد عباقرة القصة الذين لم يتم إنصافهم يوما، أو المغربي أنيس الرافعي، الذي يحكي لك قصة تشبه الأغنية من شدة جمالها، وكثيرون من أجيال مختلفة؟ المرأة التي تحولت إلى عصا للتوكؤ تحتاج إلى ماض وحاضر ومستقبل، الرجل المسن من الممكن جدا أن يتمرد على ضمور الشيخوخة ذات يوم، فتفقد العصا وظيفتها المخترعة،، وتعود إليها وظيفتها الكلاسيكية المعروفة، والمزارع الذي استيقظ ليحرث لحافه، كان من الممكن أن يمشي نائما حتى حقله، ومن الممكن أن يلتقي بجنية هناك، ويغرق في حب مجنون، هكذا، كلما اتسعت رقعة الحكاية، اتسعت رقعة المتعة بها، وأمكن إضافة بهارات من كل نوع.
بالنسبة للقصة التي وردتني الأسبوع الماضي، في بريدي الإلكتروني، فقد كانت لكاتب من الذين يكتبون هذه القصص اللاسعة، بلا أثر للسع حتى يبقى فترة في الذهن، واعتاد منذ أربع سنوات، أن يرسل لي يوميا رسالة فيها خمس قصص، ولا ينتظر مني ردا، ولم أكن أرد، وأكون صريحا بأنني قلما قرأت تلك القصص، ولا أدري لماذا فعلت ذلك في الأسبوع الماضي، لأفاجأ بهذه القصة التي تحمل عنوانا مربكا:
«زعانف لسمكة كبيرة جدا وبلهاء تقيم في البيت الثاني على اليمين في شارعنا العامر بالكسل والأشجار الظليلة».
كانت القصة عن امرأة عجوز، اعتادت أن تنام عارية. هذا كل ما في الأمر، ولا توجد أي إضافات، وكتبت القصة في سطرين، أي بحجم العنوان نفسه. هنا رددت على المرسل لأول مرة، ووضحت وجهة نظري، بشأن عنوان فضفاض، لقصة صغيرة جدا، أي كأنما ألبست طفلا ثياب أبيه، فرد المرسل مباشرة بأن اتهمني بالتقليدية، وأنني ضد الحداثة.

كاتب سوداني

أمير تاج السر


القدس العربي


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1797

التعليقات
#1287378 [أبو هاجر]
0.00/5 (0 صوت)

06-17-2015 03:35 AM
الكتابة الراتبة مدفوعة الثمن؛ تجعل الكاتب يكتب أي شيئ يجول بخاطره، وهذا منزلق خطير للكاتب الثقافي؛ الكتابة عن الإبداع بأجر تجعلك ملزم بالكتابة ولو لم تكن مرتبا، إضافة إلى أن الأخ أمير معجب بنفسه، صرّح من قبل بأنّ الطيب صالح (وبالمناسبة هو من قرابته القريبة) ليس سقف له وللكتاب السودانيّين!
إبداعات أمير حتّي (صائد اليرقات) مستواها عادي لا تنافس مثلا (الجنقو مسامير الأرض) محليا، ولا أيّاً من روائع الأدب العالمي، لكنه (فاكيها في روحو).
يا أمير أنت روائي عادي لا تضع نفسك فوق الطيب صالح وتجنب الكاتبة الراتبة إنها محرقة.

[أبو هاجر]

ردود على أبو هاجر
United States [سوداني] 06-17-2015 11:53 PM
Proust so titillates my own desire for expression that I can hardly set out the sentence. Oh if I could write like that! I cry. And at the moment such is the astonishing vibration and saturation and intensification that he procures—there’s something sexual in it—that I feel I can write like that, and seize my pen and then I can’t write like that
اعلاه هو ما قالته فيرجينيا وولف عن معاصرها مارسيل بروست. فكل من يكتب ادب الرواية في السودان اليوم (باستثناء ابراهيم اسحق) ولا يظن ان الطيب صالح سقف ادبي له/لها عليه/ها ان يقرا مرة اخري الفصل الاخير من روايه مريود. عندها سيقتنع بان الطيب صالح سقفه كما اقتنعت العالمية وولف بان بروست سقفها. فذلك الفصل الاخير من مريود (من) اجمل ما كتب باللغة العربية بعد القرآن الكريم. وتواضعوا يرفعكم الله.

European Union [TAHER OMER] 06-17-2015 05:10 PM
فاكيها في روحه دي حلوة يا ابو هاجر. الطيب صالح كان متواضع شديد.
الطيب صالح خاله شقيق والدته.


#1287261 [عمر عبد الله عمر]
0.00/5 (0 صوت)

06-16-2015 09:13 PM
ايش حكاية كاتب سوداني دي؟ ما هو من صورتك واضح!

[عمر عبد الله عمر]

#1287016 [د. الفادني]
0.00/5 (0 صوت)

06-16-2015 02:16 PM
زرت بورتسودان زيارة حقيقة خاطفة لمدة يومين، و أجزم بأنها لم تكن كافية لاكمال الصورةعن هذا الثغر الباسم عند بوابة الوطن الشرقية، و لكن اتاح لي د. امير تاج السر ان اجوس خلال الديار واعيش حالة افتراضية أقمت فيها في المرغنية وطفت ديوم بورتسودان و تصورت جميلات حي الشاطيء و صافحت كاتيا الفرنسية ورأيت الفتوة حيدر وتفرست في الاقباط و الحضارمة وبحثت في سجونها عن شخصية المحتال ادريس و غيرها ...و غيرها..... من الممكنات التي اتاحها لي د. امير تاج السر من خلال رواياته التي تخطت الحدود، و فرحت ايما فرح عندما التقيت في معرض الرياض الدولي للكتاب في هذا العام بقاريء سعودي اخجلني بعمق معرفته بأمير تاج السر و كثيرون من بني جلدتنا لا يعرفون هذه القامة.... فلك التحية و التجلة ي من طرز لي سجادة الشرق بمكوناته الإثنية و مواقعه الجغرافية..

[د. الفادني]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة