الأخبار
أخبار إقليمية
لا راحة في الحب ولا خلاص في الحرية ولا يقين في العقيدة
لا راحة في الحب ولا خلاص في الحرية ولا يقين في العقيدة
لا راحة في الحب ولا خلاص في الحرية ولا يقين في العقيدة
حمور زيادة كتب أزمنة متعددة وأحداثا متنوعة دون أن يفقد خيط سرده


06-19-2015 11:35 PM

لا يغفل قارئ «شوق الدرويش» الصادرة عن دار العين 2014، لحمّور زيادة، بروز الجانب التاريخي الذي اتخذه الكاتب كخلفية أو إطار زمني لروايته (والتي حصلت على جائزة نجيب محفوظ في الرواية، والقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2015)، بالنسبة إلى الأحداث، فالتاريخ حاضر وممتدّ ليشمل حقبة مهمّة من تاريخ السودان، حقبة المهدية، صعودها ونهايتها على يد الجيش المصري بتحالفه مع الإنكليز للقضاء على المهدي وأعوانه في معركة أم درمان، وإن كان ثمة أثر لحقبة أسبق هي فترة الحكم التركي وما تخلّلها من مظالم للعباد، وصل إلى حدّ الثورة عليهم.

العرب ممدوح فرّاج النابي


استطاع الروائي السوداني حمور زيادة في روايته “شوق الدرويش” تضفير مادته التاريخية في بناء سردي محكم الأدوات والتقنيات تجعل منه عملا متميّزا في سياق السّرديات التي تجعل من التاريخ مادّتها، ولا تكون ناقلة له بقدر ما هي مفسّرة لأحداثه برؤية أخرى لا تتعارض مع التاريخ الرّسمي، وإن كانت لا تطابقها، حيث الرواية تقوم بإعادة حياكة التاريخ، مع الأخذ بعين الاعتبار ما ردّده إدوارد سعيد في “الاستشراق”، بأنه «لا توجد أصلا حقيقة، وإنما هناك دائما تمثيل أو تصوير للحقيقة».

الموت عشقا

تضع الرواية المقولات الوجودية، الحبّ والحرية والإيمان، في إطار شبكة سردية ينداح فيها جفاء المادة التاريخية، ليبرز الجانب الإنساني، معتمدة على لغة محايدة في نقلها للأحداث، لتخلص بعد صراع الشخصيات إلى حقيقة جوهرية هي ملخص رحلة الأبطال سواء العبد بخيت منديل الذي تعذّب بمحبوبته حواء أو ثيودورا التي كانت قادمة من الإسكندرية من أصول يوناينة، أو الشيخ حسن الجريفاوي، جميعهم يفطنون إلى حقيقة «لا راحة في الحب، ولا خلاص بالحرية، ولا يقين في العقيدة» بل يتبارون في التعبير عنها بصيغ ومواقف مختلفة.

كما مال السّرد -إلى جانب الحوارية التي طعّم بها الرّاوي أحداثه- إلى تضمين موروث ثقافي متنوّع؛ دينيّ (قرآن/ إنجيل/ أحاديث) وأدبيّ (شعر، ومقتطفات للحلاج وابن عربي، ورسائل) وفولكلوريّ (مواويل وأغاني سودانية) وهو ما أكسب نصّه متعة وثراء في تعددية دلالته بتناصّاته مع عبارات ذات دلالات موحيّة، إلى جانب التنوّع في اللّغة التي جاءت في بعضها لغة شعرية كما في لقاء الحبّ والهيام، ولغة حيادية في وصف الدمار الذي سبّبته الدولة المهدية، إلى لغة مطعّمة بمفردات وصور محليّة اعتمدت على التشبيه في أغلبها.

الرواية تعيد حياكة التاريخ، وفق رؤية إدوارد سعيد بأنه "لا توجد أصلا حقيقة، وإنما هناك دائما تمثيل أو تصوير للحقيقة»

في الرواية خيط رومانسي شفيف، غطى على مساحة الدم والعنف التي عمّت الرواية، سواء كان دم الحرب على المهدي وأعوانه من قبل الإنكليز والجيش المصري، أو الدم الذي استباحه الترك، وأخيرا دم الضحايا الذين كان يتعقّبهم بخيت منديل، انتقاما لمحبوبته. وهو الخيط الذي يتوسّل به الكاتب في مفتتح روايته بمقولة ابن عربي «كلّ شوق يسكن باللقاء، لا يعوّل عليه».

هذا العشق الذي جعله الكاتب عنوانا لروايته هو الصّورة النقيضة للحرب والدمار اللذين تواجدا مع الدولة المهدية، وليس الحبّ مقتصرا على بخيت منديل الذي جعله منذ أن خرج من الحبس «لا يشعر بأنه حرّ بل بأنه بينه وبين حريته دماء، بينه وبين حريته ثأر»، فهي بالنسبة إليه تارة «العالم»، وتارة كان يدعوها «أنت لي الدنيا». ويصيب سهم الحبّ عددا من شخصيات الرّواية لا فرق بين الشيخ الدرويش الحسن الجريفاوي الذي هام بفاطمة، وبين حبّ يوسف أفندي المصري لابنة عمّه نفيسة.

تتأتى أهمية النّص في اللّعب على وتيرة الزمن، فالراوي الغائب المهيمن على السّرد، والمحايث للشخصيات، يسرد أحداثا تستغرق 17 عاما على مستوى الزمن، معتمدا على التقطيعات الزمانية: كالتقديم والتأخير، والفلاش باك، والاستباق، والحذف، والتلخيص وغيرها، وهذه التقنيات ساعدت لأن تجعل من نصه منفتحا على أزمنة متعدّدة.

يقدّم الكاتب وثيقة اجتماعيّة عن الحياة في السّودان، بعضها جاء من منظور المبشّرين، كما هو في رحلة ثيودورا القادمة من الإسكندرية، ونظرتها إلى الخرطوم التي أحبتها ووصفتها بأنها «درّة الدنيا»، ومقارنتها بأم درمان التي اتّخذها المهدي مكانا له، ويشمل الوصف العناصر كافة التي تمثّل خصوصية للسودان مثل الأغاني والأساطير المشكّلة لهوية المكان مثل ما دار حول تسمية سواكن، وأيضا الأزياء (التركية والمصرية والسودانية) والطعام (وأسطورة سكبه للجن)، وغيرها ما يعكس أن المدينة التي أسّسها خورشيد باشا كما وصفها الأب بولس لثيودورا في طمأنته لها بأن«الخرطوم أوروبا صغيرة»، لكن ما حدث لها، كان من تعاقب الاستعمار عليها.



الحياة السرية

ثمّة صورة أخرى ظهرت من تفاعل الشخصيات وعلاقاتها ببعضها البعض، فظهرت صورة نقيضة عن تلك التي رسمتها الشّخصية الأجنبية عن الأوضاع الاجتماعيّة السيئة وحياة الرّق التي أثقلت كاهل السودانيين، والفقر وحالة الجوع التي وصلت في إحدى المجاعات إلى أكل الجثث، ثم أكل الأحياء كما فعلت أم مريسيلة، وأيضا الحياة السّرية والملذّات للزنجيات في بيوت المتعة بأم درمان، وأنواع الشراب كالمريسة، ووجبات الطعام كالعصيدة وغيرها، بل تكون الرواية في بعض جوانبها وثيقة دينيّة على مستوى التديّن الشّعبي والتعلّق والوله بدعوة المهدي، أو على مستوى الحركات التبشيرية، كما تقدّم صورة عن الحياة الاقتصادية وحركة التجارة في ذلك الوقت، وسياسة الاحتكار التي مارسها التّجّار في الأزمات، ونظام العملة السّارية آنذاك مثل “الريالات المجيدية وريالات أبوطيرة وقروش مصرية”، كما لا يغفل تأثير قدوم المصريين والنصارى كما يصفهم إلى بلادهم، حيث نقلوا العاصمة إلى الخرطوم، وأنهوا سلطة أم درمان التي كانت عليها أيام المهدية، كما يصف صورة من صور العنف التي مارسوها.

تنتهي الشّخصيات جميعها إلى هزائم متلاحقة، الحسن الجريفاوي يظل حائرا في تساؤلاته التي تكاد تعصف به، ويوسف أفندي المصري هائما خلف زوجته الهاربة، وبخيت منديل بين يدي رجال الجريفاوي ينتظر مصيره، أما ثيودورا فصارت جثة بعد أن قتلها إبراهيم ود الشوّاك لهروبها، ودفنها منديل بيديه. لكن أكبر هذه الهزائم هي تلك التي كان شاهدا عليها منديل منذ سقوط الخرطوم وهزيمة جيش المهدي في مصر، ثم هزيمته في حب حواء وقتلها على يد سيدها. لا يخفى على قارئ النص أن ثمة تعريضات عدة داخل الرّواية تخص الشأن المصري مثل حديثه عن الثورة العرابية واعتبارها هوجة ونكسة، لكن أهم هذه الأشياء غير المقبولة هي اتهامه الصريح للمصريين بأنهم غزاة وفي المقابل نفى عن الإنكليز أيّ فعل، إضافة إلى تشويهه الشخصية المصرية في صورة نفيسة زوجة يوسف أفندي المصري، التي وصلت إلى الخيانة والغدر بزوجها، وهو ما يفتح تساؤلا كبيرا لدينا نوجّهه لحمّور: كيف يتصوّر مصر التي يعيش بين ظهرانيها؟


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2074

التعليقات
#1289169 [kakan]
4.79/5 (8 صوت)

06-20-2015 07:04 AM
ااتمني ان تعمل صخيفة الراكوبة علي الترويج لهذة الرواية الرائعة وذلك لهزيمة الاحباط الذي نعايشة في بلد يتصارع الجميع للوصول الي الخرطوم المدينة الخالية من المسارح ومراكز الاستنارة والوعي ويحليل المسرح القومي وسينما النيل الازرق والمركز الثقافي السوفبتي وعروض الموسيقة المجانية الاسبوعية في قاعة الامتحانات بجامعة الخرطوم وياحليل دار النشر في جامعة الخرطوم
واركان النقاش في النشاط الطلابي وماركز الاستنارة والوعي الممتدة في الازقة والحارات لتلاميذ الاستائ المحترم محمود محمد طة وبكايئة اخير علي ندوة الاربعاء في مركز البحوث الانمائية وحوار الثلاثاء كتاب وجمهور في ميدان دار النشر ونادي السينما وهواة الاستماع مع العمبري ومصطفي سلفاب كل هذا راح ضاع لم يبق في الخرطوم غير مطعم جاد وكوارع المونليزا رحم الله السودان واسكنه فسيح جناته

[kakan]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر تفاعلاً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش







الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة