الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
ألما شحود وتحولات الإنسان من الزهور إلى السلاح
ألما شحود وتحولات الإنسان من الزهور إلى السلاح
ألما شحود وتحولات الإنسان من الزهور إلى السلاح


06-21-2015 12:54 AM
الثائرة السورية ألما شحود خرجت من سجون النظام بحالة مزرية لبشاعة التعذيب الذي تعرضت له لتسلم الروح في الاردن بعد إصابتها في المعارك.

العرب فادي بعاج

'شحود' جميلة بوحيرد سورية عاشت متنكرة بملابس الرجال

قبل عامين من اليوم، وخلال زيارة صحفية لي إلى مشفى “عاقلة” في العاصمة الأردنية عمان، الذي كان آنذاك يقدم خدماته الطبية مجانا للجرحى السوريين والمرضى منهم أيضا، وذلك بالتعاون مع منظمة سورية أميركية، عثرت حينها على قصص الكثير من الجرحى المدنيين، وكذلك العسكريين التابعين للجيش السوري الحر، كان يرافقني حينها فراس الحمصي وهو طبيب سوري مقيم في المشفى، يعرف قصص كل من دخل وخرج، فالحكايات جميعها تتشابه في الوجع والأسى وصعوبة الحالات الطبية، ولكن عندما وصلنا إلى آخر غرفة، همس لي الطبيب: هنا تسكن الحرة، سألته مستغربا من هي؟ قال: إذا أردت أن تسمع قصة من قصص ألف ليلة وليلة ولديك الوقت الكافي، اتبعني.

كانت من يسمونها “الحرة” امرأة دمشقية تدعى ألما شحود، من مواليد حي الميدان عام 1986، مرت بتجارب لم يشهد التاريخ الحديث لها مثيلاً، بعد أن شاركت في الانتفاضة السورية بكل مراحلها، حتى وصلت إلى مرتبة مقاتلة تقود مجموعة مسلحة تابعة للجيش السوري الحر.

الاحتجاج السلمي

انخرطت ألما شحود في انتفاضة السوريين منذ الأشهر الأولى، حيث تنقلت من التظاهر إلى أعمال الإغاثة ومساعدة الأهالي، ومع وصول المظاهرات السلمية لمدينة عربين الواقعة في الغوطة الشرقية بريف دمشق، حيث كانت شحود تعيش، قامت بالمشاركة بتلك المظاهرات، حالها حال الكثير من السوريات.

مع مرور الأيام أخذت ألما تهتم بخدمة النازحين، الذين اضطروا إلى الرحيل إلى المناطق التي تتواجد بها ألما، من خلال توزيع المعونات مع مجموعة من النسوة، حيث كانت حركتهم أسهل بكثير من حركة الرجال، وعندما بدأ العمل المسلح للثورة، تشكلت بعض المجموعات العسكرية من شباب الغوطة، حينها كان العمل سرياً للغاية، حيث كان النظام وما يزال، يسيطر على كافة المناطق والانتشار الأمني كثيف جدا.

كان أول دور لألما في العمل المسلح، نقل الذخيرة بين المجموعات، حيث كانت تتظاهر بأنها حامل في شهورها الأخيرة، وتنقل الرصاص بعد أن تلف أمشاطه على بطنها، ففي ذلك الوقت لم تكن النساء معرضات للتفتيش من قبل حواجز الأمن والشبيحة، ويوما بعد يوم بدأ الثوار بتعليمها على استخدام البندقية وشيئا فشيئا بدأت تحمل السلاح.


المجموعة المقاتلة

التواجد الأمني الكثيف للنظام السوري في ريف دمشق، أجبر المقاتلين على القيام بضربات نوعية في ذلك الوقت (تقريبا في نهاية عام 2011) بسبب نقص الموارد، حيث كان مصدر الدعم الذي تتلقاه المجموعات المسلحة من تبرعات التجار والأهالي في دمشق وريفها، في ذلك الوقت قررت ألما شحود إنشاء مجموعة مقاتلة تتألف من حوالي عشرين شابا،

حيث كانت تملك مبلغا من المال ومجموعة من المجوهرات التي قامت ببيعها، لتستخدم كامل المبلغ لشراء السلاح والذخيرة اللازمة لمجموعتها الجديدة، وللضرورة الأمنية كان التعامل بين أفراد المجموعة الواحدة يتم بالأسماء المستعارة وذلك تحسبا لأي عملية اعتقال لأيّ فرد، أي أنه اذا تم انتزاع أيّ معلومات تحت التعذيب للمعتقل، ستكون ليست ذات فائدة كبيرة بالنسبة إلى النظام لأن الأسماء وهمية.

ومن هنا حملت ألما اسمها المستعار “الحرة”، الاسم الذي أطلقه علها الثوار وعرفت مجموعتها أيضا بـ”مجموعة الحرة”، التي كان عملها المسلح محصورا بالقتال الهجومي بأسلوب قتال العصابات، أي ضرب المراكز الأمنية والحواجز التابعة للنظام ضربات نوعية وسريعة أيضا، وبعد ذلك تنحل المجموعة ويعود أفرادها كل إلى بيته وكأن شيئا لم يحدث، ألما كانت ارتدت ملابس رجال وكانت تضع اللثام على وجهها حتى أن الكثير من المجموعات الأخرى كانوا يظنونها رجلا.

ألما في سجون الأسد

في الشهر السابع من العام 2012 كانت مدينة عربين تتعرض لقصف شديد من جانب قوات النظام، آنذاك كانت ألما شحود تساعد في إسعاف الجرحى ونقلهم إلى أماكن آمنة، حينها تعرضت لأول تجربة اعتقال، وعن ذلك تتحدث قالت لي ألما “كنت في عملي بمدينة عربين وبدأ القصف الشديد، وعندها قمت بالمساعدة بنقل الجرحى من أطفال ونساء وكان عليّ العودة إلى منزلي في عين ترما، وهنا ركبت سيارة أجرة مع شاب ليوصلني من طرق فرعية بعيدة عن الحواجز، وإذ بنا أمام حاجز للأمن، طلبوا منا النزول ودون أيّ سبب بدأ العناصر بضرب السائق، وعندما أراد الاستفسار عن سبب الضرب، تعرض للمزيد من الضرب الجنوني، وهنا لم أستطع السكوت وتدخلت للتخفيف عنه وإذا بأحد الضباط يشتمني بأبشع الألفاظ فقمت بتوجيه صفعة له على وجهه كردة فعل مباشرة مني، عندها تعرضت للضرب المبرح حتى أغمي علي ولم أفِق إلا وأنا في معتقل لفرع المخابرات الجوية حيث قضيت هناك 38 يوما ذقت فيها كل أنواع التعذيب التي لا تخطر على البال حتى إنهم قاموا بإزالة الشعر من رأسي بشكلٍ نهائي، وكانت التهمة الموجهة إليّ هي (ناشطة سياسية) وهم لا يعلمون أي شيء عن عملي المسلح، ولكن ذلك كان كله انتقاما بسبب ضربي لضابط الأمن، أفرج عني بعدما دفع أهلي مبلغ مليوني ليرة سورية كرشاوى لمسؤولي النظام”.


تجربة الاعتقال الوحشية والمريرة لألما نمّت لديها الرغبة في الانتقام، فهي خرجت من السجن بحالة مزرية جدا تفوق الخيال لبشاعة التعذيب الذي تعرضت له، وأكثر ما أوجعها هو حلق شعر رأسها بالكامل، وحالما تعافت من جراحها الجسدية عادت إلى الغوطة حيث كانت مجموعتها بانتظارها، ولكن هذه العودة كانت بلا رجعة للحياة المدنية، ألما تركت عائلتها وبيتها، حاملة معها آلامها النفسية التي لم تجد دواء لها غير القتال المسلح ضد قوات النظام، التحقت شحود رفقة مجموعتها بالجبهات الأمامية للغوطة الشرقية بريف دمشق، وتنقلت بين مدن سقبا وحمورية ورنكوس وغيرها، كما انضوت مجموعة “الحرة” تحت قيادة المجلس العسكري بريف دمشق التابع للجيش السوري الحر.

في الشهر الأخير من عام 2012 اجتمعت مجموعة من كتائب الجيش السوري الحر وحشدت قواتها لتوجه ضربة قوية لفرع المخابرات الجوية في منطقة حرستا بريف دمشق، ألما شحود ومجموعتها كانوا من ضمن هذه الكتائب، وجرت معركة عنيفة جدا كان الهدف منها اقتحام الفرع، كانت المعركة الأخيرة التي شاركت فيها ألما حيث أُصيبت إصابة بالغة أدت إلى شللها، حيث استغرقت تلك المعركة أكثر من ثلاث ساعات وخلالها كان قد أصيب أحد أفراد مجموعتها، ولكنها رفضت تركه مصابا، فاندفعت نحوه لسحبه وإذا بجنود نظام الأسد قاموا بالالتفاف حولها وبدأوا بالضرب المبرح باستخدام أسلحتهم الكلاشنكوف بطريقة هستيرية حتى غابت عن الوعي غارقة بدمائها.

استطاعت مجموعات الجيش الحر إنقاذ ألما ومن معها، وسحبهم لمنطقة آمنة، حيث أدخلوا على الفور إلى مشفى ميداني في منطقة عين ترما بريف دمشق، وبعد الكشف على الحالة الصحية لدى ألما تبين أنها قد تعرضت للشلل نتيجة الكسور الكثيرة التي أصابت جسدها وخصوصا منطقة العمود الفقري، حينها لم يستطع المشفى الميداني تقديم العلاج اللازم لألما، وهنا قرر أهلها أن يأخذوها إلى مشفى ابن النفيس الواقع في منطقة مساكن برزة في دمشق، أي تحت سيطرة النظام.

كانت طوال الوقت في غيبوبة، وحين استيقظت رأت قدميها مقيدتين بالسرير الذي تنام عليه في المشفى الحكومي، حيث كانوا قد اكتشفوا هويتها.

بقيت ألما خمسين يوما، وهي تعالج معتقلة، إلى أن تمكن الثوار من إخراجها عن طريق دفع مبلغ مادي كبير كرشوة لشرطي استطاع تغيير اسم ألما، وأخرجت بشكل رسمي، ومن ثمة قام الثوار بنقلها إلى مشفى حلاوة بمنطقة كفر بطنا المحررة في ريف دمشق، وهو مشفى خاص، وبقيت هناك شهرا تقريبا وبعدها اضطروا لنقلها حيث كان القصف عشوائيا يستهدف كل شيء، استطاعت مجموعة “الحرة” في شهر آذار من ذلك العام تهريب ألما إلى الأردن، حيث أجريت لها أكثر من عملية جراحية في آخر محطة طبية لها في مشفى عاقلة.


بعد لقائي بألما وسماعي لتفاصيل قصتها، تشكل لديّ فضول لمعرفة مستقبل الحالة الصحية لها، وهل من الممكن أن تستطيع النهوض من فراشها الذي رافقها لأشهر عدة، اتجهت فورا إلى الطبيب المسؤول عن حالتها وهو الدكتور أيمن الحوارنة الذي شخّصَ لي الحالة بقوله ” ألما مصابة بشلل سفلي من مستوى منطقة الصدر إلى الأسفل ولديها قرحات اضطجاعية في ظهرها، أي أن الظهر مفتوح بعدة أماكن وذلك بسبب بقائها في الفراش لمدة طويلة، كما أن لديها ضعفا بالعضلات الصدرية ولذلك فإن لديها صعوبة بالتنفس، ونحن الآن في طور علاجها من كل ذلك لنصل إلى هدفنا، وهو جعلها قادرة على الجلوس ومن ثمة يكون بقدورها استعمال الكرسي المتحرك، ولكن للأسف الشديد حالة شللها ليس لها علاج”.

موت المحاربة

بعد عام على ذلك اللقاء، انتشر خبر وفاة ألما على وسائل التواصل الاجتماعي ونشرته أيضا بعض الصحف السورية والعربية، كثير من السوريين لم يعرفوا شيئاً عن تلك المرأة، ولا حياتها الغريبة، ولم يسمعوا عنها إلا بعد وفاتها، حيث فارقت الحياة وحيدة بعيدة عن أهلها وبيتها ومدينتها عربين، ووطنها سوريا.

لا أعرف لماذا صعدت إلى عقلي صورة جميلة بوحيرد بعد لقائي بألما وسماع قصتها قبل عامين، بالتأكيد هناك أوجه اختلاف كبيرة بين قصتي ألما شحود وجميلة بوحيرد، وأبرز هذه الأوجه أن بوحيرد عُذبت واُعتقلت من قبل الاستعمار الفرنسي، ولكن ألما عُذبت واُعتقلت وأهينت وحُلق شعرها وضُربت حتى الشلل ومن ثمة توفيت من قبل أبناء وطنها، من قبل جنود الجيش السوري الذين كان المفترض بهم حمايتها، قصة ألما شحود سوف تقرأها الأجيال السورية القادمة، والأجيال العربية أيضا، وربما سوف تُشاهد القصة من خلال فيلم سينمائي أو حتى مسلسل درامي تاريخي بطولي.

ماتت ألما في مثل هذه الأيام قبل عام مضى، في ذات المشفى في الأردن بعد صراعها الأول والأخير مع الذل والاستعباد.


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 8101

التعليقات
#1290178 [nagatabuzaid]
0.00/5 (0 صوت)

06-21-2015 09:55 PM
اللهم ارحمها واسكنها اعلى الجنان مع الصديقين والشهداء وحسن اؤلئك رفيقا

البعض يسرقن المجوهرات والحلى والحلل والشهيدة (الما) تبيع مجوهراتها من اجل النضال وتحرير الوطن من طاغية متجبر يقتل حنوده الحرائر تعذيبا ما اشيه طاغية سوريا بطاغية السودان ولكن هل بيننا (الما شحود سودانية )

[nagatabuzaid]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة