الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
رحيل جيمس سالتر الطيار الذي أصبح كاتبا
رحيل جيمس سالتر الطيار الذي أصبح كاتبا
رحيل جيمس سالتر الطيار الذي أصبح كاتبا


06-25-2015 01:34 AM


عينة فريدة وطراز متميز حتى النهاية. لم يكن هذا الطيار الحربي السابق ليموت فوق سريره، ولا حتى فوق مكتبه. جيمس سالتر، اسم كبير في الأدب الأميركي المعاصر وكاتب نذر نفسه للكتابة فصُنِّفت ست من رواياته ضمن روائع الأدب، نُشرت خلال ستين سنة، يفارق الحياة في عقده التاسع و هو يمارس “حصة ألعاب أرضية”.

العرب

فكرة أن تكون كاتبا، هي أن تجعل من ذلك التكدس الكبير للأيام شيئا يدوم

اسم كبير ناذر جهده للتأليف، الكاتب الأميريكي جيمس سالتر الذي كان يعيش بـ “بريدكامبتون” (Bridghampton) بولاية نيويورك، توفي يوم الجمعة 19 يونيو بـ”ساغ هاربور” (Sag Harbor). هذا ما صرح به للصحافة، ناشره الفرنسي أوليفيي كوهين (Olivier Cohen) صاحب منشورات “لوليفْيي” (L’Olivier)، مؤكدا المعلومات التي تداوالتها وسائل الإعلام الأميركية.

لقد أصدرت مؤخرا منشورات “لوليفْيي” الترجمة الفرنسية لأولى رواياته “من أجل النصر” التي صدرت تحت عنوان (The Hunters) في 1956 بالولايات المتحدة. بهذا الكتاب الذي يغلب عليه طابع السيرة الذاتية، يروي سالتر، و هو طيار سابق بالقوات الجوية الأميركية، الحياة اليومية لطياري الحرب خلال الحرب الكورية.

من الجندية إلى الكتابة

جيمس سالتر، المولود في 10 يونيو 1925 بنيويورك باسم جيمس هورويتز (James Horowitz) كانت له حياة أخرى قبل الأدب. فقد تلقى التكوين بالأكاديمية العسكرية الشهيرة لـ”ويست بوينت” (West Point) سنة 1940، قبل أن يلتحق بالقوات الجوية الأميركية. وهو يتحدث عن أيامه بالأكاديمية العسكرية قال إنه كان مكانا تسوده المشاعر الكئيبة، كأنه دار أيتام كبيرة، باردة من حيث الشكل، ومتشددة من حيث الالتزامات. سنة 1945، سيتعرض لحادث حيث سيسقط وتتحطم طائرته، لكنه سيفلت من الموت، ليشارك في الحرب الكورية سنة 1952، حيث سيكلف بعشرات المهمات، ثم سيعمل بالبنتاغون بعد الحرب.

لدى تعيينه بفرنسا، شرع في الكتابة باسم مستعار “سالتر” ثم تفرغ لها كليا مقدما استقالته من الجندية مباشرة بعد صدور روايته الأولى التي تم اقتباسها للسينما من طرف ديك باول (Dick Powell)، مع روبير ميتشوم (Robert Mitchum) بعنوان “لهب فوق آسيا”، ولم يكن رفقاؤه بمرقد الجنود يعرفون أنه هو المؤلف.

“فكرة أن تكون كاتبا، هي أن تجعل من ذلك التكدس الكبير للأيام شيئا يدوم”، هكذا عبّر في ذلك العهد. بما أنه لم يلق حتفه وهو يحلق في السماء حيث الموت وارد جدا، فقد صار أديبا.

تماما كأونطوان دو سان إكزوبيري، الذي كتب مقال “الطفل الذي سقط من السماء”، بعد سقوط طائرته في عرض البحر، والذي ستصير قصته “الأمير الصغير” الكتاب الأكثر قراءة في العالم بعد الكتاب المقدس.

في سنة 1967، روايته الثالثة “رياضة و تسلية” التي تدور دسائسها بفرنسا، ستجعله معروفا بالخارج. ستليها “سعادة مثالية” (1975)، “رجل لحظات العزلة العالية” أو أيضا مجموعة القصص القصيرة “أميركان إكسبريس” الحائزة على جائزة “بين فولكنر” سنة 1988.

إثر التشريف الذي حصل عليه عن مجموع أعماله من قبل الأكاديمية الأميركية للفنون والآداب، وسينشر سيرته الذاتية “حياة للحرق” سنة 1998.

مزيج من بروست وفيدزجيرالد

روايته الأخيرة “ولا شيء غير ذلك” التي صدرت في 2014، تناولت من جديد ذكريات الحرب، ولكن أيضا البحث عن الحب المثالي، خيبة الأمل، النصر وتفاهته. وقد أشيد بها في كل بقاع العالم، ليتم اختيارها في سبتمبر 2014 “الكتاب الأجنبي المفضل لدى المكتبات” الفرنسية. عن تخليه عن بزة الجندية للتفرغ للكتابة قال جيمس سالتر “لقد كان أصعب قرار اتخذته في حياتي”.

فقد كان يرفع سقف أسلوبه عاليا في كل مرة، مرتئيا أن كتاباته السابقة كانت دون المستوى، لكن هذا غير صحيح. هذا الإنسان المتواضع الذي عاش بـ“لونغ آيلاند” (Long Island) كانت تحظى فرنسا بواسع اهتمامه مثل قوله "ذوق فرنسا لا يضاهى"، حيث جعلها مكانا لروايته شديدة الغراميات “رياضة و تسلية”.

كان لسالتر نثر متموج ورقيق، دقيق وشاعري. حنين رحب كان يغمر صفحاته، سواء تعلق الأمر برفاقه الذين اختفوا في ساحة القتال أو بمشاكل الأزواج.

لقد قرأ لسان إكزوبيري، أما إيرفين شاو (صاحب “حفلة الملاعين”) الذي نصحه بألا يتأثر بأيّ أحد، فقد كان من بين الكتاب الذين شكلوا قدوة له. كما أنه اشتغل بهوليود حيث كتب سيناريو “الهبوط إلى الجحيم” مع روبير ريدفورد، وقام بإخراج فيلم “الشجرة” مع شارلوت رامبلين لكنه توقف لشعوره بالاشمئزاز من هوليوود.

لقد كانت جودة روايات سالتر من الدقة والرقي بمكان لدرجة أن اقتباسها للسينما كان شبه مستحيل. كان لموهبته القدرة على إضفاء الرقي والأناقة على المشاهد الجنسية، على مراكمة لحظات الاستلطاف ونبل المشاعر، على جعل المقاعد الخلفية لسيارة أجرة غرفة ملحقة للجنة.

كان يحب باريس، وكثيرة هي فقرات رواياته التي كانت تدور بحفلات كوكتيل أو بالمطاعم. مزيج من بروست وفيدزجيرالد ينتاب القارئ على الفور. كل تلك السنين التي مرت، وقصص الحب الفاشلة التي نعلم جيدا أنه كان من الوارد أن تكون ناجحة -لكن كلا-. أبطال سالتر كانوا قد فقدوا شيئا ما، شبابهم، زوجاتهم، أوهامهم، تبقى لهم مكان كل ذلك عذوبة شجن وحزن.

كانت لدى جيمس سالتر قناعة: ما لا نكتبه يسقط في غيبوبة إلى الأبد. كان يملأ مذكرات صغيرة بتفاصيل، بطرائف، بل إنه نشر رفقة زوجته شبه مجموعة من وصفات الأكل. عذوبة فريدة، شراهة للأشياء الداخلية، المطابخ التي تسودها الفوضى، غرف الأطفال المليئة باللعب، الأغطية والأقمشة المجعدة جراء الخيانة الزوجية، هذا العتاد كان يشكل السماد الذي ينهل منه قوّته الروائية، سيمفونيته المُمَزِّقة.

سعادة مثالية تنتهي بجنازة "هناك العديد من الأسئلة التي كان بودنا أن نطرحها عليه، لقد اختفت كل الأجوبة". مع الأدباء، لدينا هذا الامتياز: توجد الأجوبة في مؤلفاتهم. في حالة سالتر، سيطوي ربما ضابطان العلم الأميركي، سيدّوي بوق تحت سماء غائمة. وقفة إجلال.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 7247


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة