الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الشهادة الروائية على الراهن بين المشهد والخبر
الشهادة الروائية على الراهن بين المشهد والخبر
الشهادة الروائية على الراهن بين المشهد والخبر


06-28-2015 01:37 AM

المشهدية والخبر تقنيتان بارزتان في خمس من الروايات التي يكاد يتطابق فيها زمن الكتابة مع زمن النشر وزمن القراءة مما صدر خلال السنتين الماضيتين.
العرب نبيل سليمان

تخطيط: ساي سرحان

ينهض النظر في هذه الدراسة على ما قدمه الباحث السوري محمد جمال باروت في كتابه (العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح (1)، حيث يسجل أولاً حذر المؤرخ الكلاسيكي من مقاربة التاريخ المباشر، كواحدة من مقاربات التاريخ الجديد، اليومي (الجاري: نبيل).
ويوضح باروت أن مقاربة التاريخ المباشر تعني فيما تعني كيفية اشتغال وتأثير التاريخ الطويل (الماضي: نبيل) في مجريات التاريخ المباشر، حيث الواقع المتغير، كتاريخ، هو سلسلة حافلة بالمفاجآت، وليس بالسببية. فالسلسلة-السلاسل تتقطع بفعل عاملٍ عشوائي أو مفاجئ، فتنهض سلسلة سببية جديدة، لا تلبث أن تتقطع بفعل عامل عشوائي أو مفاجئ.

ليس التاريخ المباشر الساخن تسجيلاً لسيرورة الأحداث، مما يمكن أن ينجزه الصحفي أو المدون اليومي للوقائع، بل يمكن أن يكون هذا التاريخ هو التاريخ المكثف في مقطع يومي، مختزلاً أياماً أو شهوراً أو ما هو أطول.

وفي هذا التاريخ انضاف معنى جديد للوثيقة، مرتبط بثورة اليوتيوب في تقديم وثائق المشهد المتحرك عبر عمليات التغيير. إنها الوثيقة الإلكترونية إذن، والتي لا بد من فحصها، كما الأمر في وثائق التاريخ الطويل، حيث يكون الفحص بالمقابلة الشخصية، والمعايشة، وسرديات الشهود، والمقارنة، و…

إذا كان التاريخ الطويل أحد كنوز ومحركات الرواية، فالتاريخ المباشر هو كذلك أيضاً، وإن تكن المزالق والأخطار في الحالة الثانية أكبر وأمكر. وكما أن للرواية حفرياتها في التاريخ الطويل، لها أيضاً حفرياتها في التاريخ/الساخن/الجاري/المباشر، وبالعبارة الدارجة: لها شهادتها على الراهن. وفي الحالتين يجري تشغيل واشتغال تقنيات شتّى، كالمشهدية والخبر، وهما التقنيتان اللتان سأحاول أن أتبيّنهما في خمس من الروايات التي يكاد يتطابق فيها زمن الكتابة مع زمن النشر وزمن القراءة، مما صدر خلال السنتين الماضيتين.

الروايات المشهدية في التجربة الروائية الجديدة


تحفل هذه الرواية الأولى لكاتبها بالمشهديات. فمنذ السطور الأولى يرسم الراوي ولادته كما رواها له أبوه: “ولدت من رحم امرأة ميتة.. بعد أن تشبثت بدفئه أكثر ما ينبغي، خوفاً من جحيم أصوات متوحشة، ومشاعر غريبة لامرأة تلد على ظهر حيوان عنيد، يخترق جبالاً وعرة هرباً من الموت”.

جحيم أصوات متوحشة


وقد قطع الأب حبل السرة بخنجره، وحشا رحم الأم المتوفّاة بالريحان والنعناع البري، وأسبل أطرافها. وستظل تتواتر هذه المشهدية، بقساوتها وغرابتها ومناداتها للأسطرة، من شخصية إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر، حيث طوّح نجيب المقداد ونساؤه من فلسطين إلى القرية اللبنانية التي حملت الرواية اسمها (رمش إيل) إلى اللاذقية أو دمشق أو مخيم الزعتري للنازحين السوريين شمالي الأردن. ومن ذلك الكثير مشهد قصف مخيم الرمل الجنوبي للفلسطينيين في مدينة اللاذقية: أقدام الأطفال العارية وثيابهم المهترئة، بيوت التنك، القذائف، النساء البدينات يركضن نحو الأحياء الداخلية، الأعلام السورية والفلسطينية الممزقة.

كذلك هي المشاهد التي رسمت فعل السلاح الكيميائي في أطفال زملكا وعين ترما في غوطة دمشق، إذ شبّه السارد الأجساد الصغيرة النائمة المتلاصقة بصفوف من القرنفل السوري البلدي والجوري.. وعلى هذا النحو يتلامع مشهد تحطيم سعيد لصخرة السرداب في رمش إيل، وليالي نجيب المقداد مع عشيقته فاطمة، حيث يلفح المشهد الشخصية بنسائم الملحمية، وخاصة في الجزء الأول، قبل أن تنعطف الرواية إلى الزلزال السوري، حيث سيبهظ السياسيُّ الفنيَّ، فيزعزع منها تقنية المشهدية، ويربك بريقها.


مثل الفسيفساء المطعّمة بأوراق النعي صارت جدران مدينة اللاذقية وأعمدة الكهرباء وأقفال الدكاكين وحيطان المدارس. كما باتت الشوارع مقطّعة بخيام التعازي التي قد يتصدّرها بوستر ملون للشهيد بثيابه العسكرية، وبلا رتبة غالباً.

إنه المشهد الذي بات مألوفاً جداً وعادياً جداً في مدينة رواية (قميص الليل). ولسوف توالي الرواية رسم المشاهد المؤثثة بما يجود به الزلزال، ابتداءً بالبشر: “صرنا نحمل وجوهاً من كثرة ما سكنها الذعر ارتخت عضلاتها، وصارت بلا سحنة، تمشي هائمة على وقع الوجوم”. ومثل البشر هو الليل والسماء والهواء والبحر والجبل.. هي الطبيعة التي فتك بها العنف مثلما فتك بالمدينة، فباتت جثث السوريين، فيما ترسم الرواية، مكشوفة في العراء، موشومة بخط القاتل، طلقات لا تخطئ في الرأس أو رؤوس مقطوعة. ومن هنا، من المشهدية، تتلامح رسالة الرواية: القاتلان واحد، توأمان هما فاجعة هذه الأرض التي أنجبتهما. إنهما الأخوة الأعداء.

راوية الرواية هي الكاتبة حياة التي تحفل حياتها الشخصية بالمشهدية أيضاً، والمشتبكة دوماً مع ما لحياة المدينة من مشهدية.

شرارة صيرورة ثورية


فمشهد صراعها مع الجرذ، والذي يبلغ ذروته بقتله، يتصادى مع ما في حيّ الخرنوبة وموت أسطورة الرواية (جيغا). وكذلك هي بخاصة المشهديات التي تختم الرواية بدفن جيغا الذي لا يُعرَف إن كان مسلماً أم مسيحياً، وبهند بتلك المرأة الأسطورة أيضاً، إذ تفجر المشهد-الحشد: جمال متوحش انبثق بين جموع من الضغائن المستعرة. إنها الجنيّة التي تراقص اللهب الفاتن الحارق وتحترق كما أشجار الغابات هاتفة: “بو عزيزي احترق ليحرق الظلم، وأنا أحترق كي تبصروا طريقكم”. ويبدو أن الكاتبة لم تكتفِ بما يشعه المشهد الذي ختم الرواية، فجعلت لهند ذلك الهتاف، وتابعت هذه الخطابية إلى المقبوس من جيل دولوز الذي افتتح الرواية واختتمها “إن فشل الثورات سيشعل شرارة صيرورة ثورية من جديد”.


تفتتح الراوية هذه الرواية برؤياها/منامها تجري على الشاطئ لاهثة، بينما (خطواته) تمس الرمل وترفعانه ليبدو لها كنورس يحجب الشمس ببياض جناحيه. وقبل أن يبلغ الصخرة العالية يتوقف، يقترب من الماء، ينحني، يشير إلى هذه التي تسبح بين صخرتين ورديّتين: سمكة صغيرة باهرة الألوان.

تهمي رواية (مدن اليمام) بمثل هذا المشهد، فتتلون القصص التي لا تفتأ تتوالد. وعبر ذلك تنتأ خاصة المشاهد الجنسية بالغة القسوة والاستثنائية، حيث تفح السادية في اغتصاب الجثث، ويتكرر ذلك مثيراً أحياناً الرعب والقرف في آن معاً.

في واحدة من القصص الفرعية الطويلة والمتطاولة، يفجؤك مشهد الجندي محمود الذي يجري خلف الصبي المذعور، وكلبه يجري في إثره. تلتقط حواس الجندي ما لوجه الصبي النوراني ببياضه وشقرة شعر والتفاف ردفيه، من نعومة مفترضة. ويرى الجندي ساقي غزال ملفوفتين تبرز عضلاتهما في أثناء الركض، فتثير فيه شهوة جامحة للصيد.

إنه واحد من المشاهد الموّارة، مثله مثل مشاهد المجنونة التي تلتقي بالطبيب عند معمل السكر في مدخل مدينة جسر الشغور. وفي مدخل المعمل، وأمام المرجل، يتوزع الضابط وست الحسن والفتيات المقيدات، وبينهن زينب التي تدرس التاريخ في الجامعة، وتستحضر إلى المشهد الزبّاء من التاريخ التدمري. ولكي تنجو زينب من سادية الضابط وست الحسن تهتف “الموت ولا المذلة” وترمي نفسها في المرجل.

العتمة تضئ إلى أفق أرحب


وفيما ترسم الرواية من مشاهد المظاهرات تنويعا على ما يبني المشهد أو يؤثثه. فإلى المسجد يحمل الشباب نعش شهيد مكبرين. وفي طرف من باحة المسجد عشرات الفتيات يزغردن، ومنهن من وضعت الحجاب بطريقة توحي بأنها لا تعرف كيف تتحجّب. وإذ تفسر الراوية المشهد بما يثبته من اندماج الشعب السوري بجميع أطيافه، ومن التحامه في الأزمات، ينصح شاب الفتيات بإخفاء وجوههن كي لا تصورهن كاميرات الأمن، وكذلك يفعل الشباب فيخفون وجوههم بأقنعة وكمامات.

من ركن إلى ركن في أركان سوريا الدامية المزعزعة، أريافاً ومدناً، لا تفتأ رواية (مدن اليمام) تلتقط من المشهديات الخام، لتثبت منها ما هو خام أحياناً، وبانبهار الكاتبة بالواقع الأغرب والأغنى من الخيال، أو لتثبت – غالباً- ما يعاد تشكيله. وربما لأن المشهدية هي التقنية الفضلى لهذه الرواية، كانت لها هذه الخاتمة “أضاءت العتمة أرواحٌ غادرت السيارة إلى أفق أرحب وأشد زرقة! لا.. لم يكن هناك عتمة.. لم يكن هناك أنوار تضيء الشارع.. كانت الزرقة شفافة، تخترقها ثلاث بقع بيضاء.. بيضاء”.

الروايات ذات الطابع الإخباري في سرد الوقائع


في مقدمة هذه الرواية تتحدث الأستاذة السورية ريما مع طلابها في الجامعة الفرنسية حول سبب تعثر (الربيع العربي) في سوريا. وتحت إشرافها تعدّ طالبة رسالة الماجستير حول (الربيع العربي) ومستقبل الرواية العربية.

كما يعدّ آخرون وأخريات حلقات بحث منها ما يبحث في (تحولات الرواية السورية بعد الثورة)، ومنها كتاب لريما نفسها عن الثورة السورية، ليس أكاديمياً، وليس رواية، بل عمل شخصي تجمع فيه الشهادات والخبرات التي حصلت عليها في رحلتها إلى سوريا في أثناء الزلزلة، وليست (طبول الحب) إلاّ وقائع هذه الرحلة، والتي تنتهي بقتل ريما في جامعة حلب، في واحدة من المصادمات بين المتظاهرين وقوى الأمن.

يبدو (الخبر) استراتيجية سردية كبرى لهذه الرواية، سواء ظل في إهابه الصحافي (صحافة مقروءة، مرئية، خبر الوكالات الإخبارية…) أم لونته الرواية بألوانها.

ومن ذلك، مثلاً، خبر مجزرة كرم الزيتون في حمص في 26/1/2012، حيث يقطع الخبر السرد ويأتي محصوراً بين قوسين ومبرَّزاً بالأسود، ومذيّلاً بتعليق الساردة ريما “ربما يصح اعتبار هذا التاريخ أسوأ يومٍ في تاريخ الثورة السورية”، ولكن سرعان ما سيكذب الواقع هذا التوقع، إذ تتوالى الأيام بمجازرها وبغير مجازرها، وكل يوم يبزّ سابقه بسوئه.

تجعل استراتيجية الخبر ريما تشعر وكأنها (مراسلة حربية) وتتحدث عن أن هذه الحالة قد حولتها إلى (كائن نهم لجمع المعلومات واستقصاء الآراء).

تعثّر الربيع العربي


ومن أجل ذلك تسعى خلف الخبر وتلتقطه من الجريدة “قرأت هذا الخبر في جريدة الحياة عدد 28/2/2012” أو من سائق تاكسي تسأله عن أجواء المظاهر الأمنية في دمشق، أو من حسين الذي تظفر منه بخبر الصبايا في التنسيقيات، ويرتب لها لقاءً في بيته مع من ستنقل إليها أخباراً من درعا ومن حمص.

وتبلغ التقنية الإخبارية بريما حد أن تنقل عن المراسل المعروف هادي العبدلله، عضو الهيئة العامة للثورة والمتحدث الإعلامي، الذي ينقل تفاصيل الخبر المتعلق بمجزرة حي بابا عمرو في حمص.


تسعى الفنانة التشكيلية المعارضة ريما عيسى في هذه الرواية خلف قصص وحكايات كي توثّقها. والخبر هنا دوماً مفتاح قصة، أو قصة، أو بذرة حكاية، أو حكاية.

ومهما يكن فسعي ريما عيسى ليس غير قناع لسعي رواية (الذين مسّهم السحر) إلى تغطية أحداث الزلزال خلال سنواته الثلاث الأولى. والخبر هو استراتيجية كبرى من أجل ذلك.

فمنذ البداية يأتي – مثلا – خبر إطلاق الرصاص على مظاهرة دمشقية “ذات ليلة من شهر أيار 2011” كما تسجل الرواية. وفي منتصف ذلك الشهر يأتي خبر الفلسطيني الشاب الذي عاد من الجولان قتيلاً، عندما اقتحم شبانٌ السياج الحدودي بين سوريا وإسرائيل.

وهكذا لا تفتأ الأخبار تتوالى، بالهيئة الصحفية المقروءة أو المرئية أو الشفوية. فهذا خبر عن المؤتمر الأول للمجلس الوطني المعارض في تونس.

وهذا خبر عن دبابة للجيش النظامي في حمص تمشي على السيارات عقاباً لأهل الحي. وهذا خبر الانفجارين في مبنى أمن الدولة ومبنى المخابرات العسكرية في دمشق. وهذا خبر من اليوتيوب عن شاب في حمص يستنجد برئيس بعثة المراقبين العرب، شاكياً قناصة النظام.

ومن إحدى البؤر الساخنة في ريف دمشق (بؤرة المعضمية) تتوالى أخبار المظاهرات واقتحام البيوت وحصار المعضمية وانتقال العميد فاطر إلى جرمانا الأكثر أماناً.

ومن حي جرمانا هو ذا خبر مداهمة اللجان الشعبية للبيوت المستأجرة للتدقيق في أحوال النازحين المستأجرين، وهو ذا خبر الحواجز التي تفتش قوافل هؤلاء القادمين من قرية دير العصافير، وخبر النازحين في مدارس التل من ريف دمشق، وخبر مجزرة التريمسة في فجر 12 تموز 2012، وخبر تشييع شهيد في زملكا في ريف دمشق أيضاً، في يوم من حزيران 2012، وخبر المسائيات – أي المظاهرات والتحشدات والاعتصامات المسائية- في حي كفرسوسة وفي حي الميدان.

وقد يأتي الخبر وجيزاً – كما في خبر انشقاق العميد مناف طلاس عن النظام، أو في خبر مقتل العماد آصف شوكت أحد أعمدة النظام – أو قد يأتي الخبر مفصلاً: سردياً أو صحفياً. إنه نثار من الأخبار سوف يعني نثاراً من القصص والحكايات. وليست ريما عيسى إلا (قناة إخبارية) واحدة من كثير، وإن يكن بثّها أكبر حجماً وتنوّعاً. ولعل من الضروري التذكير بأن لاستراتيجية الخبر في هذه الرواية أو في رواية (طبول الحب) أو حيث اشتغلت في روايات أخرى، جذراً تراثياً سردياً مكيناً.

إذا كانت المشهدية أن تعزز النسب الفني المعاصر للرواية، فالخبر يعلن أو يعزز نسبها في التراث السردي، مثلما يصلها من العصر بالصحافة. وكما لعله بدا فيما تقدم عن الروايات الخمس، كان لكل منها منجزها الذي لا يكفي وحده في تبيّن كل ما أنجزت، وإن هي إلا إضاءة إذن لشطر من المدوّنة الروائية التي تشهد على الراهن المتلاطم في السنوات الأربع الماضية، في سوريا ومصر والعراق واليمن وليبيا بخاصة، حيث التاريخ المباشر/الساخن/الجاري يجعل المغامرة الروائية أصعب وأعقد، وربما: أجمل.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 6865


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة