الأخبار
أخبار سياسية
بريماكوف رجل الظل الروسي في الشرق الأوسط
بريماكوف رجل الظل الروسي في الشرق الأوسط
بريماكوف رجل الظل الروسي في الشرق الأوسط


07-04-2015 11:29 PM

بريماكوف لم يكن أحدُ الساسةِ المخضرمين فقط بل كان أيضاً أكاديمياً وصحفيَّاً سعى لخدمةِ مصالح بلادهِ للوقوف في وجهِ المدِّ الأميركي.
العرب عبدالله مكسور

تابوتٌ خشبيٌّ مكشوفٌ وبعضُ الورودِ الحمراء والبيضاء وكثيرٌ من الشموع، كلماتٌ قليلةٌ أيضاً بعيونٍ دامعةٍ ألقاها الرئيس الروسيُّ فلاديمير بوتين أمام جثمان الرجلُ الذي وقفَ رفاقُ دربِهِ ومعاونوهُ و تلامذَتَهُ على مقربةٍ منهُ يراقبونَ الرحيل الأخير لِمن عُرِفَ في أروقةِ السياسة الروسيةِ المُغلَقَةِ في مناصبَ عدَّةٍ ومهام أكثرَ تقلّدَها في ظروفٍ استثنائيَّةٍ مرَّ بها العالمُ والدبُّ الروسيُّ على وجهِ الخصوص.

يونا فينلكشتين أو ما سيُعرَف لاحقاً طيلةَ عمُرِهِ الذي استمر خمسةً وثمانين عاماً وانتهى في السادس والعشرين من الشهر الماضي بيفغيني ماكسيموفتش بريماكوف منتسِباً إلى عائلةِ أمِّه، بريماكوف الاسم الذي تردَّدَ مراراً في قصور الرئاسة العربية ومؤسسات الحكم بين بغداد والقاهرة ودمشق وفلسطين والخليج العربي كرَجُلِ مخابرات ووزيرٍ للخارجية رحلَ بهدوءِ مُقاتلٍ حاولَ مراراً إيقافَ الحروب ورُغمَ فشلِهِ الدائمِ إلَّا أنَّهُ ظلَّ وفياً للسلامِ كما قالَ عارفوه عقِبَ موتِه.

يومَ التاسع والعشرين من تشرين الأوَّل، أكتوبر من عام 1929 في إحدى ضواحي العاصمة الأوكرانيَةِ كييف وُلِدَ بريماكوف، لينتقِل مع عائلتِهِ في طفولتِهِ إلى تبليسي على حافةِ الشرق في جورجيا حيثُ كانت ضمن أراضي الاتحاد السوفييتي، وتحت ضغطِ الوضعِ الاقتصادي المتدهور لعائلتِهِ، التحق بالكلية البحرية في باكو عاصمة أذربيجان حيثُ قضى فيها عامين انتهيا باكتشاف القائمين على المدرسة إصابتَهُ بمرض الدرن الرئوي في مراحلِهِ البدائية، ليعود عندها إلى جورجيا حيثُ تعافى تماماً وأكملَ مشوارهُ التعليمي قبلَ أن يلتحقَ عام 1948 بالقسمِ العربي لمعهدِ الاستشراق في موسكو.

أنهى مساقاتَهُ الدراسيَّةَ بتفوِّقٍ مشهودٍ بين أقرانِهِ عام 1953 ليكون هذا التفوُّق جسراً لهُ للحصولِ على درجةِ الدكتوراه في الاقتصاد من جامعةِ موسكو، وليبدأ عملَهُ الصحفي في القسمِ العربي لإذاعة البثِّ الخارجي في روسيا حيثُ تدرَّجَ فيها حتى أصبحَ مديراً عاماً لها، طبيعةُ عملِهِ مراسلاً في القاهرةِ وبغداد ودمشق جعلتهُ أكثر اتقاناً للعربية بعد دراستِهِ الأكاديمية لقواعدها ما دفعَ كثيرين للقول إنَّهُ باتَ يُفكِّرُ بطريقةٍ عربيَّةٍ خلال أدائِهِ السياسي في وقتٍ لاحق.

المصارع الروماني

لم تكن حياةُ بريماكوف مقتصرة على حافَّةِ الشرقِ في المُدنِ التي عبرَها مع عائلتِهِ أو وحيداً، بل حملَتهُ الأقدارُ عندما كانت طبول الحرب تدقُّ في الخليج العربي عقِبَ الغزو العراقي للكويت عام 1990 إلى بغداد حيثُ تحرَّكَت الدبلوماسيَّةُ الروسيَّةُ لمنعِ وقوعِ “عاصفة الصحراء” ففكَّر الرئيس الروسي ميخائيل غورباتشوف بالرجلِ الأقدَر على إدارةِ الأزمةِ في الشرق، وكان يفغيني بريماكوف هو الخيار الأوَّل لتلكَ المهمَّة التي كان محكوماً عليها منذُ لحظتِها الأولى بالفشَل، لأنَّ زعيم الكرملين آنذاك نصَبَ شِباكَهُ على أكثرِ من حبل بين بغداد وواشنطن، ففي اللحظةِ التي كان فيها بريماكوف يطوف الجبال في أرض الرافدين كان وزير الخارجية الروسي يضعُ اللمسات الأخيرة في العاصمةِ الأميركية مع إدارة البيت الأبيض لبدءِ المعركة.


بعدَ الحربِ بسنوات أُطيحَ بغورباتشوف و اعتلى يلتسين سدَّةَ الحُكمِ في بلادِ الشيوعيَّة وأمام اشتدادِ الأزمةِ السياسيَّةِ في موسكو أمَرَ الرئيسُ العجوز في سابقةٍ تاريخيَّةٍ بقصفِ الكرملين رمزَ الحكمِ في البلاد وأطاحَ بالحكومةِ كلِّها وأتَى ببريماكوف وزيراً للخارجيَّةِ فذكَرتهُ كثيرٌ من المصادر بأنَّهُ المصارعُ الرومانيّ ذو الوزن الثقيل في حكومةٍ مُترهِّلةٍ أتَت لخروجِ نظامِ الحكم في موسكو من عُنُق الزجاجة.

قبل الولوجِ في مرحلةِ تصدِّيهِ للملفات الدولية ذات الشأن الروسي سواء قبل أو بعد تولِّيهِ حقيبة وزارة الخارجية في عهد يلتسين، لا بدَّ من ذكرِ شهادةِ المستعرب الروسي أليكسي فاسيلييف في مقارنتِهِ بين بريماكوف وقرينه الروسي كوزيريف من جهةٍ ومع نظيره الأميركي وورن كريستوفر من جهة ثانية، فحادثةُ المقارنةِ تعودُ بحسب فاسيلييف إلى المرحلة التي تلت حرب القرم “التي جرت بين روسيا وتركيا العثمانية بالتحالف مع فرنسا بين عامي 1853م و1856م، فخلال لقاءٍ جمَعَ بين الأمير ألكسندر غورتشاكوف وزير خارجية روسيا الخاسرة للحرب مع نظيره البريطاني، سقَطَ منديلُ جيبِ الوزير البريطاني على الأرض فما كان من الوزير الروسي إلا أن داسَ المنديلَ بحذائِهِ، لتدورَ السنون وتقع حادثةٌ مشابهةٌ بعد ما يقارب مئة وأربعين عاماً حينَ سقطَ منديل جيب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر فانحنى مباشرةً الوزير الروسي على الأرضِ حاملاً المنديلَ معيداً إيَّاهُ إلى يدِ الأميركي، ويتابعُ فاسيلييف قولَهُ “بريماكوف يأبى أن يدوس المنديل بحذائِهِ ولكنَّهُ يرفُضُ الانحناء لالتقاطه، إنَّهُ يحافظُ على ماء وجهِ روسيا الشاحب”.

مهمات شائكة

المحافظ على ماء وجه روسيا الشاحب كان قد استقر في القاهرة مراسلاً صحفياً لشؤون الشرق الأوسط لصحيفة برافدا السوفييتية، أتاحَ لهُ هذا العمل التواصلَ مع مراكز صناعةِ القرار في مراكزَ الحكم في العواصمِ العربية، حركتُهُ ضمنَ القضايا التي تعصف بالشرق الأوسط قادتهُ راكباً على حمارٍ في جبال العراق قاطعاً المسافةَ الوعِرَةَ في شمال البلادِ ذهاباً ورجوعاً مُلتَقِياً الزعيمَ الكردي آنذاك مصطفى البارزاني بتكليفٍ من اللجنةِ المركزيَّةِ والمكتب السياسي للحزب الشيوعي السوفياتي في سعيِهِ للتقارب مع حكومة بغداد المركزية حيثُ شكَّلَ الحُكمُ الجديد في العاصمة العراقية قلقاً للقيادة السوفييتية في عام 1968 فكان بريماكوف وسيطاً لإزالةِ هذا القلق من خلال لقاءاتِهِ العديدة المُكثَّفة مع الرئيس العراقي صدام حسين حيثُ أفضَت هذه الاجتماعات بين حسين والبارزاني إلى توقيع اتفاقية السلام بين بغداد والأكراد عام 1970.

ظروف نشأةِ الاتفاق وحصولِهِ أمراً واقعاً يحكيها بريماكوف في مؤلَّفاتِهِ الصادرة باللغة العربية واصفاً أدقَّ التفاصيل التي تتعلَّقُ بإدارة موسكو للملفَّات حاكياً عن علاقتِهِ بطارق عزيز الذي كان يتولَّى آنذاك رئاسة تحرير صحيفة الثورة الناطقة باسم النظام العراقي.

ربّما كان العراقُ هو المكان الذي ظهر فيهِ بريماكوف أكثر من مرة ليتميَّزَ في الإدارة الروسية بحُسنِ علاقاتِهِ مع النظام الحاكم ورئيسِهِ صدّام حسين، فمعَ نهاية الثمانينات كان يُهَندِسُ اللمسات الأخيرة على اتفاق الإدارة الذاتية الخاص بالمناطق الكردية وفي مطلع التسعينات عادَ مُحاولاً إيقاف المكنةِ الحربيَّةِ الأميركية في منطقة الخليج العربي ورغمَ فشلِهِ بسبب تخبُّط إدارة غورباتشوف إلاّ أنَّهُ عاد مع مطلع عام 2003 إلى بغداد بعدَ أن أوفدَهُ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإيجاد حلٍّ للأزمة التي أنهَتهَا الولاياتُ المتحدة الأميركية في أبريل من العام ذاته، بإسقاطِ النظام العراقي واعتقال رموزهِ وإعدامِهِم في وقتٍ لاحق، فالوثائق تُشير إلى تصريحات بريماكوف العلَنِيَّة المُعبِّرة عن جهوده لإيقاف طبول الحرب التي بدأَتها واشنطن بعد أيام قليلة من وصولِهِ إلى بغداد.

رئيس الكي جي بي

أدوارِه المتعدِّدة في الشرق الأوسط في مراحلِهِ المختلفة تكشف خطورة دور هذا الرجل، الذي ترأس جهاز المخابرات “كي جي بي” الذي يعدُّ من أقوى أجهزةِ المخابرات في العالم، حاولَ البحثَ عن مخرجٍ يَقي المصالحَ الروسيَّةَ شرَّ الشِباكِ الأميركية، ماسكاً العصا من المُنتَصَف مراراً لكنَّ السياسةَ لا تكتفي بالكلامِ المعسول الذي لا يطهو الجزَرَ الأبيض لذلكَ توقَّفَ الرجلُ عن أداءِ مهامِّهِ في الشرقِ الأوسَط بعد ما تمَّ ترويجُهُ عن صفقاتِ فسادٍ تورَّطَ بها في الماضي.

تلك الاتِّهامات التي لم تجد لها دليلاً ملموساً واحداً يجعلُها أمراً واقِعاً لتُطيحَ بهِ خلفَ القضبان فظلَّ رجلُ الظلِّ الذي خرجَ من سراديب جهاز الاستخبارات الروسي إلى كرسيِّ رئاسةِ الوزراء في أشدِّ أزمات روسيا السياسية والاقتصادية فاستخدَمَ مخزونَهُ المعرفي التراكمي لإيقاف الانهيار حيثُ تولَّى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قيادةَ دفَّةِ السفينة الروسية المُتهالكة.

دمشقُ لم تكن بعيدةً عن بغداد في مخيِّلةِ بريماكوف الذي زارَها مراراً حيث كان الصحفيَّ الأجنبي الأوَّل الذي التقى برئيس الوزراء السوري يوسف زعين الذي وصَلَ إلى السلطةِ عبر انقلابٍ عسكري في البلاد، ومن تلك اللحظةِ بدأ بريماكوف بالعملِ حثيثاً على صقلِ العلاقات الروسية السوريَّةِ وصولاً إلى ذروتِها في عهدِ رئيس النظام الحاكم حافظ الأسد حيثُ وَصفَ بريماكوف مراراً علاقتَهُ بالأسد بأنَّها تقومُ على الثقةِ المتبادلة والصراحة حيثُ كانَ عرَّابَ الاتفاقات العسكرية بين موسكو ودمشق، فضلاً عن دورِه في إدارةِ ملفِّ تسوية الصراع في الشرق الأوسط، فالحديثُ عن ملفِّ الصراع العربي الإسرائيلي يُحيلُنا للحديثِ عن علاقةِ بريماكوف برئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات وقادة إسرائيل، حيثُ تمتَّعُ رجلُ روسيا في الشرق بعلاقاتٍ طيِّبةٍ مع الجميع، تلك العلاقاتُ الوديَّةُ أعادت روسيا لاعباً رئيساً في ملفِّ السلام بعد أن تفرَّدَ الوسيطُ الأميركي ببناء جسور الثقة بين أطراف النزاع لسنواتٍ طويلة.

مسيرةُ عملِهِ أيضاً في الشرق قادتهُ إلى لقاءِ الرئيس السوداني السابق جعفر النميري عقِبَ وصولِهِ بانقلابٍ عسكريٍّ للحكمِ في الخرطوم، حيثُ أتاحَت للرجلِ علاقاتُهُ المتشعِّبةِ في حوضِ النيلِ من خلال إقامتِهِ سنوات طويلة في القاهرة مطلعَ شبابِهِ دوراً هامَّاً وكبيراً في تعزيز الحضور الروسي في المنطقة عموماً، تلكَ الفترةُ كانت عاملاً حاسماً لتأسيس علاقاتٍ مستدامةٍ مع النظام الحاكم في مصر خلال عهدِ الرئيس المخلوع حسني مبارك.


الرحيل الأخير

هذهِ العلاقاتُ الواسعةُ عربيَّاً أتاحَت لهُ قدرةً على المناورةِ سياسياً مع القيادات العربية لخدمةِ مصالح بلادهِ للوقوف في وجهِ المدِّ الأميركي في دائرة الصراعِ بين قطبي العالم في تلك الفترة، و إن كانَ بروزُهُ الأهم روسياً على الأقل أتى عقِبَ سقوطِ الاتحاد السوفييتي ونشوء دولةِ روسيا الفدرالية الذي كانَ لهُ دورٌ بارزٌ على صعيدِها السياسي في مرحلةِ التعافي.

إلاّ أنّ بريماكوف كان لاعباً أساسياً في رسمِ خطوطِ العلاقاتِ الروسيَّةِ مع العالمِ العربي من خلال رؤوس تلك الأنظمة التي حكَمَت البلادَ عقوداً متتالية قبلَ أن تُطيحَ ببعضِها ثوراتٌ شعبية، وهنا من المهم الإشارة إلى أنَّ بريماكوف كان قد قال في دراسةٍ نشرها أحدُ أهمِّ مراكزِ الأبحاثِ في موسكو حول أحداثِ الربيع العربي حيثُ وصفَ موقفَ موسكو من الثورة السورية بأنَّهُ موقفٌ أخلاقيٌّ جداً.

يفغيني بريماكوف لم يكن أحدُ الساسةِ المخضرمين في روسيا فقط بل كان أيضاً أكاديمياً وباحثاً وصحفيَّاً من الطراز الرفيع، برزَ نجمُهُ في مجالاتٍ عدَّةٍ خوَّلَتهُ لإصدار العديد من الدراسات والكُتُب حول الشرقِ الأوسط و قضاياه السياسية والتنموية والتاريخية ولهذا بمراجعةٍ عامَّةٍ نجدُ أنَّهُ حاز العديد من الجوائز العالمية لأبحاثِهِ الأكاديمية والسياسية.

بريماكوف رحلَ بهدوءٍ بعد جولاتٍ من خيباتٍ الحروب التي عاشَ على هامشِها بينما ظلَّ وفيَّاً لأهدافِ بلادِهِ التي رسَمَها في الزوايا المُظلِمة من القصور الرئاسية العربية خدمةً لمصالحِ روسيا التي حملَ فيها حقائبَ المسؤوليات المتعدِّدة بين سراديب المخابرات وصولاً إلى كرسيِّ الوزارة، رحلَ بريماكوف الروسي العنيد الذي شهِدَ في سنواتِهِ الأخيرة ثورةً أطاحَت بالهيبةِ الروسيَّة بمسقَطِ رأسِهِ في أوكرانيا، رحلَ هكذا بكثيرٍ من الشموع والموسيقى الكلاسيكية وورودٍ بيضاء وذاكرةٍ مُتعَبَةٍ مُرهَقَةٍ بملفَّاتِ الشرقِ والغرب.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4023


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة