الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
رواية مغربية عن التصوف وطريق المريد نحو خلاصه
رواية مغربية عن التصوف وطريق المريد نحو خلاصه
رواية مغربية عن التصوف وطريق المريد نحو خلاصه


07-17-2015 04:42 AM
رهافة الإحساس وسيل الخسارات والزهد بالدنيا وما فيها هي سبيل وصول العارف إلى سبيله، فالبحث في الذات والتفكّر بها طريق توصل صاحبها إلى نبذ الدنيا وملذاتها بحثا عن الذات في سبيل حلول الأنا في الـ”هو”، أحداث كثيرة اختبرها أبويعزى الهسكوري في سيرته قبل أن يصل إلى مقام الأولياء، هذه السيرة يكتشفها الروائي المغربي مصطفى لغتيري في روايته الصادرة عن دار الآداب بعنوان “الأطلسي التّائه”، إذ يتناول فيها سيرة الولي الشهير والتقلبات التي مرت به والأحداث التي شهدتها والتي انتهت بوصوله مراتب العارفين.

العرب عمّار المأمون

الأحداث تعود بنا إلى الصراع بين الموحدين والمرابطين على حكم المغرب

في رواية الأطلسي التّائه، للكاتب مصطفى لغتيري، نقرأ الأحداث على لسان الراوي أبي يعزى الذي يشير منذ الصفحة الأولى إلى طوله الفارع، وكأنه في سعي نحو السماء حقيقة ومجازا، إذ نقرأ عن طفولته الصعبة وقسوة أبيه المشغول بالسباب أو الثرثرة وأمه التي يتقرب منها ويشاركها تفاصيل الحياة اليومية بحس مرهف، إلى جانب علاقته مع جدته طبيبة الأعشاب التي تعرفه على الأعشاب وخصائصها ليستخدمها كأدوية، الخبرة هذه ستفيده لاحقا حين ينتقل إلى منزل الشريف الشرقاوي ليرعى الأغنام، هناك يتعرف على إبراهيم، المتبحر في العلوم وعازف الناي والذي يعمل سرا مع الثورة ضد الحكم القائم والصراع بين الموحدين والمرابطين.

رؤية المحبوب

إبراهيم أوصى أبا يعزى بأن يترك السياسة وأهداه نايه الذي سلب لبّه، ثم رحل لينضم إلى صفوف علي ابن الشريف الذي يقوم بثورة ضد الحكم، إلا أنه يموت أثناء القتال، هذا الخبر كان وقعه قويا على أبي يعزى ما جعل إبراهيم يتحول إلى خليله الروحي يرافقه في ترحاله ويخاطبه دائما كالممسوس.

إلا أن الصدمة التي أذهبت روعه هي حين هام حبا بابنة الشريف فاطمة التي عالجها بأعشابه. إلا أن حياة المريد المحكومة بالخسارات لابد أن تواجه بالامتحانات المختلفة، إذ ينتقم الحاكم من الشريف الشرقاوي ويرسل فرسانا لإحراق بيته ما أدى إلى موت الجميع، الشريف وفاطمة، الصدمة التي يتلقاها أبو يعزى تدفعه لهجران البلاد نحو مراكش.

خلو الرواية من نفس صوفي عميق، استكانة وغشيان يصيبان نفس المريد أبي يعزى، الانخطاف يحل به حين يسمع الموسيقى ليرقص ناسيا كل ما حوله

هناك تبدأ رحلته وتقشفه، إذ يتنقل بين الشيوخ لطلب العلم ويتحول إلى واحد من أصحاب الكرامات ذائعي الشهرة ويغدو حكاية الناس ومحط حيرتهم، “العبد السود مثقوب الأذنين” كيف يكون عارفا، لينتهي به الأمر بهجر الدنيا والاعتزال وحيدا في مقام بعيدا عن المدن حيث يتزوج من ميمونة التي تتفرغ لخدمته وتنجب ذريته، ويتحول إلى مقصد لطالبي البركة والعلاج.

لا تخلو الرواية من نفس صوفي عميق، استكانة وغشيان يصيبان نفس المريد أبي يعزى، الانخطاف يحل به حين يسمع الموسيقى ليرقص ناسيا كل ما حوله، ثم حين يرى فاطمة لأول مرة يجود لسانه بوصف أخّاذ، فيقول “فإذا بي وجها لوجه أمام المصير، أمام القدر، أمام ما لا أتحمّل رؤياه، حينذاك تأكّدت بأنّها نهايتي الحتميّة، أبدا لن أقوى على العيش هادئا هانئ البال بعد هذا التجلي الكاسح”.

الحساسية المرهفة لدى أبي يعزى تجعله يهجر كل شيء، السياسية وما فيها ويتفرغ لتحصيل العلم واكتسابه، إلا أن حياته لا تخلو من تدخل العامة الذين يحيكون الأساطير حوله بل وينسبون له القدرات الخارقة وهو يقول في ذاته وعلنا إنه براء منها وأنه فقط يبحث عن السبيل إلى الله، بالرغم من لغته الأمازيغية وكونه أمّي إلا أنه يجد للعلم طريقا، فالصعوبات مضاعفة لديه، الترحال واللغة، لنراه يسرح وحيدا في الأقاصي يقتات أعشاب الأرض وينغمس في أحاديث مع خليله الروحي إبراهيم، متابعا رحلته في البحث عن مشايخ الصوفية.

مواربة فقهية



الرواية ذات لغة شعرية مليئة بالوصف الروحي لأننا نقرأها بصوت الراوي فقط، إلا أنها لا تغوص في أعماق فكر المتصوفة وتشير فقط إلى بعض الاختلافات بين الفرق لكنها لا تتعمق في الذكر أو الجوانيات.

فالراوي يتحدث عما يحصل خارجا، لا نعرف ما يكتسبه من علم، وكأنّ لغتيري يتجنب الغوص في المسائل الفقهية والدينية وخصوصا مسائل الصوفية، لتبق الرواية على السطح بعيدا عن الشطح ذي الشعرية العالية، لتبدو حياة الراوي أقرب لحياة المجاذيب على حد قوله هو، إذ لم يجد في الدنيا ما يفيده فقرر الزهد بها، وهذا ما يتضح في النهاية حين يتلمّس أبو يعزى امرأة لأول مرة نراه يقول عبارة تغير مجرى النظرة إليه “وهكذا لم يمر ذلك اليوم حتى باتت ميمونة في حضني، والحقيقة أن تلك الليلة علمتني الكثير، وأكّدت لي أنني ضيعت في حياتي أمورا لا يجب تضييعها”، وكأنه لو عرف الجسد والماديات من قبل لتغير كل شيء، وحتى إبراهيم الذي وضعه على الطريق نراه منهمك في العمل لا التفرغ لمجاهدة النفس التي ما إن راودت الولي شهواتها حتى انصاع لها، لتنتهي الرواية فجأة بتساؤل غريب من نوعه، إذ أن أبو يعزى يتساءل إن كان الذين يأتون إليه طلبا للعلاج يشفون بسبب الأعشاب التي يصنعها أم هواء الجبل العليل أم أنه فعلا ولي من أولياء الله، تترك هذه التساؤلات القارئ في حيرة من سيرة هذا الولي، إلا أن هذه الحيرة تنشأ لا من عجائبية سيرته بل من النهاية المفاجأة للرواية التي تبدو أشبه بالانقطاع.

الرواية تشير إلى التغيرات السياسية التي مرت بها المنطقة في تلك الفترة وخصوصا الصراعات السياسية وتأثير شؤون الدين عليها، فنرى أبا يعزى يستغرب من طبيعة البشر الذين يتناسون فجأة ما يرددونه من أفكار دينية وروحيّة لينغمسوا في الضحك والملذات، وكأننا نرى بعيونه البريئة حقيقة الرجال العاملين بالسياسة واستخدامهم الدين والاختلافات الفقهية لتحقيق مطامعهم بالحكم.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 10909


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة