الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
رواية تكشف ثقافة القاع وترسم معالم مجتمع السفلة
رواية تكشف ثقافة القاع وترسم معالم مجتمع السفلة


07-21-2015 01:25 AM
في روايته الجديدة بعنوان “عشيقات النذل” الصادرة حديثا عن دار الساقي في بيروت، نتغلغل مع الكاتب والصحفي التونسي كمال الرياحي ضمن دماغ كاتب يستفيد من علاقاته المتعددة من أجل الحصول على كلّ ما يريد سواء كان جنسا أو سلطة أو مالا. العنوان في حدّ ذاته يمهد لما سيواجهه القارئ بين دفتي الرواية، كما ترتفع عتبة التوقع حين نقرأ اقتباسا من الرجيمي الفرنسي جورج باتاي في أول صفحة من “عشيقات النذل”.

العرب عمّار المأمون


تحكي رواية “عشيقات النذل”، لكمال الرياحي قصة كمال اليحياوي كاتب السيناريو والروائي وعلاقته مع زوجته ناديا الارستقراطية مديرة إحدى الصحف الكبرى وابنتهما سارة، لتتقاطع معهما قصص المخبر والقاتل المأجور بوخا وعشيقة كمال هند المونديال التي أدخلته عالم السينما، وعشيقته الأخرى حياة التي يُشك في وجودها أصلا، لنكتشف لاحقا مقتل ابنته سارة التي كانت حاملا، ناديا تريد الانتقام من كمال الذي نكتشف أنه ليس والد سارة الحقيقي، بل هناك كمال آخر، يحمل نفس الاسم، كان صديق كمال في الجامعة إلا أنه يعمل كناقد، هذا الأخير تزوج من ناديا وأنجب منها سارة ثم هجرها.

كمال اليحياوي يعلم أن سارة ليست ابنته وأن ناديا انتشلته من الفقر وأغوته بصورة لغابرييل غارسيا ماركيز! إلا أنها الآن تريد الانتقام لابنتها التي قتلت ولوالدها كمال (الناقد)، إذ أن كمال اليحياوي قام باستئجار قاتل مأجور للقضاء عليه.

نحن أمام رواية في قالب بوليسي إلا أنها تستفيد من تقنيات “ما وراء السرد” لاختبار البنية البوليسية للحبكة، حيث تحاكم هذا النوع الأدبي وتحاول تفتيته من الداخل، بحيث لا تقدم جوابا حاسما بل تترك النص مفتوحا على التأويل، بالإضافة إلى تقديمها صورة عن أفراد تحكمهم الشهوات والرذائل.

الذاكرة والهلوسة

للجنس حضور واسع في الرواية بل هو محرك تفاصيل الأحداث، واللغة المستخدمة للحديث عنه تشابه تلك المستخدمة في الحياة اليومية

لا يوجد يقين بأن ما نقرأه بين دفتي الرواية حصل فعلا، إذ يتضح أن كمال في مستشفى السجن ويروي ما يحدث معه وكأنه يهلوس، هنا تنكشف تقنية السرد التي أسس لها الكاتب في بداية الرواية، اللاحسم والفراغات في خط السرد تجعل الاحتمالات مفتوحة على كل التأويلات، ما الذي حصل وما الذي لم يحصل؟.

يتداخل الواقعي مع الحلم أشبه بالتقنية المستخدمة في “أهل الهوى” لهدى بركات، إلا أن الرياحي يجعل الذاكرة- الهلوسة مرتبطة بالمكان الذي يحضر بوصفه حاملا للحدث، لا فضاء للشخصيات فحسب، وهذا ما نلاحظه حين يذهب للبحث عن عشيقته حياة، والتي تضيع منه وكأنها غير موجودة خارج المكان، حتى أن عشيقته هند المونديال ارتبط اسمها بمقهى المونديال، لا بعملها كمومس أو شكلها الخارجي، ففي البداية نحن نقرأ ما يتذكره اليحياوي، والأصوات التي تدخل ضمن هذه الذكريات تتشابه أحيانا لنكتشف لوثة الفجور المصاب بها الجميع، حتى ناديا التي تهتم بالبريستيج تخون كمال.

صوت اليحياوي يظهر بوضوح حين يقوم بكتابة رسالة إلى صديقه أيفون المحامي كي يرافع عنه ويدفع عنه التهمة التي تحوكها له زوجته ناديا بوصفه قاتل سارة، ثم لا يلبث أن يختفي صوت كمال نهائيا، لنتعرف على سير الأحداث من وجهات نظر مختلفة، مرة بوخا ومرة إيفون ومرة من ناديا نفسها، الجميع يتحدث عن اليحياوي وعن مقتل سارة من وجهة نظره الخاصة، الكل يوجه أصابع الاتهام للآخر.

الرواية تهدم النموذج الأخلاقي التقليدي


تتكشف بعدها حقائق عن حياة اليحياوي، الفئران الموجودة في القبو والتي تبدو في البداية كتعبير مجازي يتضح أنها مجموعة من الطلاب، قام بخطفهم من الجامعة كي يقوموا له بكتابة المسلسلات، كذلك يتضح كيف استفاد من ناديا كي يصل إلى الشهرة في عالم الصحافة، وكيف كان يواظب على زيارة هند المونديال وخيانة ناديا كي يحصل على الصفقات المتعلقة بالعمل السينمائي.

اليحياوي الذي ما إن نبدأ بالتعاطف معه رغم تصرفاته السابقة نكتشف مدى نذالته، هو إنسان انتهازي بل أكثر من ذلك، هو صورة عن الخطايا في أوجها، المعايير المستخدمة في تقييم ما هو أخلاقي أو غير أخلاقي غير موجودة بالنسبة إليه، المعيار هو المنفعة، على ماذا سأحصل إن قمت بخيانة زوجتي؟ هل ستتوقف قطط إيفون عن إزعاجي إن قمت بقتل القطة الحامل؟

شعرية القاع

يستفيد المؤلف الرياحي من تقنيات ما وراء السرد، ليتغلغل في الحدث الروائي، حتى أنه يقحم نفسه أحيانا بصورة غير مباشرة بوصفه الصحفي- الناقد الذي قُتل، ثم نشهد انقطاع الحكاية من وجهة نظر كمال ليتم استكمالها إما من أخبار الصحف، أو من صيغة التحقيق مع إيفون ومع ناديا، ثم من الفصول الأخيرة التي تكشف عن وجهة نظر كل شخصية بعيدا عن صوت كمال اليحياوي وموقفه ووجهة نظره من حيث الأحداث المختلفة.

نقرأ في “عشيقات النذل” شخصيات حادة الطباع، نزقة، والقيم تنهار لتحل مكانها دوافع من نوع جديد، أقرب إلى تلك التي نلمسها في روايات هنري ميللر، فللجنس حضور واسع في الرواية بل هو محرك الأحداث، وحتى التفاصيل، واللغة المستخدمة للحديث عنه تشابه تلك المستخدمة في الحياة اليومية، نحن لا نقف أمام شخصيات تتحدث بلسان أبطال الروايات التقليدية.

نحن أمام مجموعة من الأنذال لكل منهم تصوّره الخاص عن الحياة، وطبيعة العلاقات التي تجمع بينه وبين الآخرين، لا حدود للفانتازيات الجنسية والتخيّلات البذيئة التي تترجم لاحقا إلى أرض الواقع، نحن أمام رحلة في عوالم مظلمة لا أحد يثق فيها بأحد، بل نرى الجميع على قدم المساواة إثر تورطهم في الخطيئة بمفهومها التقليدي، مهما اختلفت منزلتهم ومكانتهم الاجتماعية هم متساوون، مرجعية المقارنة التي يمكن أن تسمى “الأخلاق التقليديّة” غائبة، بل لا تؤخذ بعين الاعتبار، فالشخصيات والأحداث تدفعها الرغبات الشخصية من شهوة وانتقام وطمع، ولا مبرر أخلاقيا لكل ما يحدث بين صفحات الرواية، والكاتب ليس مطالبا بتبرير شخوصه، بل يكتفي باقتحام الزيف الذي يحكم المجتمع وافتضاح فجوره.

وكالات


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 10058


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة