الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
عجز اليسار وأوهام الإسلاميين
عجز اليسار وأوهام الإسلاميين
عجز اليسار وأوهام الإسلاميين


08-17-2015 03:22 AM

تفكيك التّيار الإسلامي لصالح تيارات أكثر قبولا للتّعددية والدّيمقراطية لا يمكن أن يحدث دون حركة تقدمية قوية وقادرة على التعبير المستقل عن نفسها والدّفع بالصّراع لأرضية أكثر تقدّما.
العرب نزيهة الخليفي

طيّب تيزيني من أبرز المفكّرين العرب، لا ننكر قيمته العلميّة والفكريّة الثقافيّة من خلال مشاريعه النقديّة متعدّدة المجالات، منها على الأخص قضيّة النّهضة العربيّة وعواملها وإبراز عوائقها، سواء في فكر الذّات أو تلك النّاتجة عن الحضارة الغربيّة. وفي هذه المرحلة، أنجز تيزيني أعمالا هامّة نذكر منها “من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي”، و”النصّ القرآني أمام إشكاليّة البنية والقراءة”، و”من ثلاثيّة الفساد إلى قضايا المجتمع المدني”.

ورغم تأثّره بالفكر الماركسي كمرجعيّة فلسفيّة في أعماله، إلاّ أنّ مساره الفكري قد شهد تحوّلا تمثّل في تخلّيه التامّ عن الطّرح الماركسي التّقليدي، القائل بقيام عمليّة التّحول المجتمعي على صراع الطّبقات، واستبدالها بالانفتاح على كلّ أطياف المجتمع. هذا بالإضافة إلى اهتمامه بالمسألة الدّينية، واستبدال فكرة استبعاد النصّ الدّيني الإسلامي من عمليّة التّحول المجتمعي، وهو جزء طبيعي من الفكر الماركسي، بأهميّة فهم التّجربة الدّينية من الدّاخل ومدى مساهمتها في تحقيق التّحول المجتمعي.

ومن خلال الحوار الذي أدلى به إلى مجلّة “الجديد” لا يمكننا تقييم أفكاره وآرائه، فقد يكون تكتّم عن بعضها وألغز في بعضها الآخر، رغم إسهابه في بعض المسائل. لذلك من الضّروري الاطّلاع على آثاره العلميّة للوقوف على منهجه العلمي والفكري ومجادلته. وعبر هذا الحوار، سنحاول عرض بعض المسائل التي تبدو لنا غير واضحة، لمناقشتها وبيان مدى اختلافنا معه، إيمانا منّا بأنّها في النّهاية مسائل نظريّة تختلف فيها الآراء وتتعدّد المواقف، عاكسة ضبابيّة واقع المجتمع العربي الآن، باعتبار أنّه لا وجود لحقائق ثابتة، فكلّ شيء يبقى نسبيّا.

وفي قراءتنا لهذا الحوار، نقف على رؤية وتصوّر لقراءة الوضع الرّاهن في الدّول العربيّة ومنها على وجه الخصوص سوريا. فما ذهب إليه طيّب تزيني في جلّ إجاباته عما وجّه إليه من أسئلة يتماشى والوضع الرّاهن، والحالة التي آلت إليها الدّول العربيّة من تشتّت وانهيار آيل إلى “الحطام” على حدّ قوله. فنحن نتّفق معه تقريبا في جلّ ما ذهب إليه، لكننّا في بعض إجاباته، نلاحظ سكوتا أو إشارات عابرة إلى بعض النّقاط التي بقيت ضبابيّة دون الوقوف على مغزاها ونواياها. فهناك مسائل طرحها طرحا جدليّا ومنهجيا واضحا لا لبس فيه، وهي معبّرة عن واقعنا الراهن بعامة والواقع السوري على وجه الخصوص، فمثلا حديثه عن مسألة النهضة العربية وعواملها باعتبارها من أبرز مشاريعه النقدية والفكرية، ومسألة الخطاب الغائب ومدى تورّط الشباب في حمله والدفاع عنه.. وهي مسائل شارحة وواصفة لما يدور في الدّول العربية من تشرذم وصراعات داخلية وخارجيّة نتيجة المصالح السياسيّة والاقتصادية. ولكنّنا نرى لبسا في بعض النّقاط مثل: مسألة الدين والثورة ومسألة مصائر اليسار ومسألة التعبير الديني ومسألة ما سيأتي غدا.

الدين والثورة

لقد أرجع طيّب تزيني التحوّل الذي شهده الخطاب الإسلامي في سوريا إلى “العمليات القاسية التي واجهت الإسلاميين في الداخل، ما جعلها تحوّل النظر باتّجاه الداخل السوري، بعد أن كانت المقاربة الإسلامية تقوم على ثنائية الغرب (في الخارج) والمجتمعات الإسلامية العربية (في الداخل)، وقد توغّل العنف الداخلي من قبل النظام ليس باتّجاه الإسلاميين فحسب، بل تخطّى ذلك إلى مواجهة الداخل السوري بطريقة عزّزت مفهوم (الحُطام العربي)، هذا الحطام الذي يتحول شيئا فشيئا إلى هدف أقصى”. هنا لا يمكن ردّ صراع الإسلاميّين نتيجة القمع الدّاخلي فحسب، خاصّة في وضعنا الرّاهن، بل هناك أساسا وبالدّرجة الأولى عوامل خارجيّة قد غذّته ودعّمته، ذلك أنّ أيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين، باعتبارها المحرّك لمعظم المنظّمات الإسلاميّة المتطرّفة في مختلف أنحاء العالم، كانت مدعومة من قبل أطراف خارجيّة هدفها الإطاحة بالنّظم العربية سواء في سوريا أو في مصر.. وهو دعم جاء أكثر تصميما على تخريب وزعزعة الاستقرار، يبطن غاية إعادة التّأهيل الاقتصادي وخلخلة الأمن الدّاخلي وتدمير النّظام وإسقاطه لصالح الإسلاميين المتطرّفين.


فالقوى الخارجيّة تقوم بتسليح المتشدّدين الإسلاميين وتدريبهم، على أساس أنّهم هم الممثّلون للاعتدال والإسلام الصّحيح بدلا من سلطة النّظام الحاكم. وبناء على ذلك جاء الاسم الآخر من المعتدلين من المعارضة والمتمثّل في “داعش”. والهدف منهم هو تشتيت الانتباه عن تورط القوى الخارجيّة في الشأن السوري لجهة ما تقدمه حاليا بشكل سافر من دعم مالي ولوجستي وسياسي للمجموعات المتشدّدة. ومن هنا يحقّ التّساؤل: كيف لنظام مدرك لخطر الانهيار ومهدّد من قبل قوى داخليّة وخارجيّة تسعى إلى نهش كيانه أن يبقى مكتوف الأيدي، إذ لا بدّ له من ردّ الفعل واستعمال القوّة، خاصّة وأنّ السّلطات السّورية تدافع وتكافح مع شعبها ضدّ الإرهاب الذي يتنافى مع الديمقراطية، ومحاولة التصدّي لوجود عوائق دينية تمنع تأسيس نموذج ديمقراطي في العالم العربي من خلال وجود توجّهات إسلاميّة تحاول نشر معتقداتها الدينية بتعابير حصرية وتسلطية، ووجود حركات اجتماعيّة متديّنة ترى أنّ عقيدتها الدينية تدعم قيم العدالة والحرية والتعدّدية والتمثيلية السّياسية. فالحرب على الإرهاب الإسلامي والصّراع الطّائفي تمّ استعمالهما كفزاعة لتمرير السياسات النيوليبرالية، والضّغط على شعوب العالم وشعوب المركز، فنضال القوى الديمقراطية العربيّة يجب أن يتمّ تقديمه باعتباره جزءا من هذا النّضال العالمي، في مواجهة النّظام العالمي ومرتكزاته. وبناء على ذلك ندرك أنّ النظام السوري يدرك جيّدا أنّ تسليم الدولة سيكون في يد مجموعات متطرّفة مثلما وقع في ليبيا واليمن.

أمّا عن إمكانيّة إنتاج قراءة للنصّ الدّيني الإسلامي تكون قادرة على مواكبة الظّروف التّاريخية والاجتماعيّة في العالم العربي، فقد ذهب طيب تيزيني إلى أنّ “المسألة قد طرحت منذ وقت مبكّر، ولكنّ مشاريعها ظلّت ناقصة لأنّ منتجيها ولّوا دون احتضانهم من قبل حاضنة مجتمعيّة تنجز انتصارات على أرض الواقع…” وقد أرجع الأسباب إلى “هيمنة الآخر (السلطوي) على نتائج ما تحقّق إيجابا وسلبا منذ عام 1948 وعام 1958، وفشل الوحدة المصرية السورية..” وسكت عن أنّ قراءة النصّ الدّيني في تلك الفترة لم تكن تتماشى والواقع المعيش، ولم تكن قراءة بعيدة عن نظام البلاد بل هدفها الإخلال به، خاصّة وأنّها تحتكم إلى الأيديولوجيات والانتماءات السياسية في تلك الفترة. كما أنّها بقيت في حدود القراءات الإسقاطية والسطحية، هذا بالإضافة إلى وجود بعض الأطراف من داخل السياج الدغمائي الرافضة للخطاب الديني الكلاسيكي.

ومن هنا يمكننا الإشارة إلى جهود بعض القرّاء المتميّزين الذين درسوا النصّ الدّيني وربطوه بقضايا العصر، أمثال محمد أركون ونصر حامد أبو زيد وحسن حنفي وطه عبدالرحمن وعلي حرب.. فقد سعى هؤلاء إلى تحريك إشكاليّات النصّ الدّيني الكلاسيكيّة برؤية أكـثـر حداثيّة، وذلك بتوظيفهم آليات فعّالة في إنتاج المعرفة حول النصّ، وكشف المسكوت عنه وتعريته، ولم يجدوا أيّ حرج في اشتغالهم بالمناهج الغربيّة وتطبيقها من أجل فهم طبقات النصّ الدّيني، على الرّغم من وجود حملة شرسة ضدهم مثّلتها ولا تزال جماعات التكفير في زمن التفكير.


إنّ القرآن نصّ لغويّ، ولكنّه يمثّل في تاريخ الثّقافة العربية الإسلاميّة نصّا محوريّا يقوم على التّجادل والتّحاور بين الإنسان والواقع من جهة، وبين الإنسان والنصّ من جهة أخرى. ومن هذا المنطلق، تستدعي قراءة النصّ القرآني آليات أكثر حداثيّة تهدف إلى ملاءمة البعد الموضوعي لفهمه، مع ضرورة الإيمان بمواكبة التّسارع التّاريخي للمجتمعات البشريّة، والحقّ في المساهمة والمشاركة من أجل بناء فكر ديمقراطي عالمي، ينطلق من النصّ وإليه يعود. فما نلزم به أنفسنا أنّنا مجتمعات تؤمن بـ”النصّ”، “النص القرآني”، ولا ترى أيّ حركة لتشكّل مجتمعها من دونه. ولا يمكن أن نقيم أي حضارة أو ثقافة متماسكة بمعزل عن العلاقة التي وضّحها النصّ القرآني والمتمثّلة في كلمة الإسلام.

المجتمع المدني

في مسألة المجتمع المدني، ذهب طيب تيزيني إلى أنّ “الممكنات العروبية والإسلامية قابلة للتّحاور والتّقابل والتّقارب، إذا ما هيمنت دولة أو دول عربية في مجتمعات مدنية يهيمن فيها القانون والتعددية الحزبية والفكرية، جنبا إلى جنب مع منظومة التداول السلمي للسلطة واستقلال السلطات مع حراك مجتمعي مفتوح، وفي مثل هذه المجتمعات المدنية، ينبغي ألا يتحقق الأمان والحرية فحسب، بل كذلك أن تنجز ذلك عبر عناصر شتّى لا تمثلها الانتماءات العشائرية، إنّما عبر قانون مدني وضمن مجتمع تهيمن فيه ديمقراطية متحركة فاعلة”.

نرى بالعودة إلى السؤال المطروح: في ظلّ سيطرة الأنظمة القمعيّة وحضور الخطاب الإسلامي المتشدّد، لا يمكن عودة الثقة بمفهوم دولة القانون في وضعنا الرّاهن إلاّ بإمكانيّة بروز تيّار إسلامي أكثر ديمقراطيّة وأكثر اعتدالا وقبولا للمفاهيم السياسيّة الحديثة كمفهوم حقوق الإنسان، باعتبار أنّ مجتمعاتنا هي مجتمعات إسلاميّة بالأساس، ومن ثمّة فإنّ بناء مشروع إسلامي ديمقراطي هو السّبيل الوحيد للتّقدم. إنّ البديل الإسلامي الوسطي هو بالفعل الأقدر على تجميع التيار الإسلامي العامّ والأكثر قدرة على البقاء والتّحالف مع أجهزة الدّولة والقوى الدّولية. إنّ تفكيك التّيار الإسلامي لصالح تيارات أكثر قبولا للتّعددية والدّيمقراطية لا يمكن أن يحدث دون حركة تقدمية قوية ومتجذرة، وقادرة على التّعبير المستقل عن نفسها والدّفع بالصّراع لأرضية أكثر تقدّما. فالمسألة هنا تتعلّق بضرورة إيجاد حلّ لهذه القوى الإسلاميّة المتشدّدة والمهدّدة لأمن الدّول العربيّة ويتمثّل في إرساء تيّار إسلامي معتدل يقبل التّسامح والتّحاور ويضمن الحرّيات والتّعايش السّلمي.

مصائر اليسار

أمّا في مسألة مصائر اليسار، فقد ذهب طيب تيزيني إلى أنّ قوى اليسار لم تقدّم مشروعا للانتقال إلى مرحلة ما بعد الثورات، بل هي انصاعت إمّا للأجندات الخارجيّة أو أعادت إنتاج النماذج القمعية وإشهار السلاح. وهذا مبرر غير كافٍ، لأنّ اليسار يحمل عجزه في ذاته. فاليسار أوّلا هو تيار ذو ميولات اشتراكية شيوعية لم ينجح عبر التاريخ في الوصول إلى السّلطة، ولم ينجح في إعداد مشروع جديد، لأنّه عاجز وفاشل أيديولوجيا، متقوقع حول أيديولوجيا معيّنة، هذا بالإضافة إلى خضوعه لأجندات خارجيّة. واليسار في الدّول العربية، مثل تونس، ليس له مشروع قابل للتطبيق، وأهميته تتمحور حول فعل المعارضة فقط. وليس مستعدّا للمصالحة مع هويّته لأنّ غاياته الانتهازيّة تقوم على الزعاماتيّة وحبّ الكراسي، لا على التفكير في مستقبل البلاد والشّعوب وما تعانيه من فقر وتهميش.

ولعلّ تداخل العناصر الجيوسياسية والعوامل الذاتية والخارجيّة تفسّر تعثّر الثورات العربية أو فشلها، ممّا يجعلها غير قادرة على تطبيق نماذجها أو مشاريعها على أرض الواقع بل بقيت نظريّة. فمصير الثورات رهين نجاح الحوار والتوافقات السياسية بين نقابات العمال ورجال الأعمال من جهة، وبين الأحزاب اليسارية والعلمانيّة والحركات السّياسية الإسلاميّة من جهة أخرى.

إنّ اليسار ليس واعيا بأنّ حضوره ضمن تحالف ديمقراطي واسع هو السّبيل إلى ترشيد الدولة وحصار عصاباتها وإخضاعها لإرادة الجماهير المناضلة في إطار مشروع لإعادة هيكلتها على أسس أكثر عدالة وأكثر حريّة. هذا مع ضرورة وعيه أنّ المشروع الإسلامي المتشدّد لا يتفكّك إلاّ بوجود حركة تقدّمية قادرة على النموّ والتّعبير عن نفسها في الصّراعات السياسية والأيديولوجية والاجتماعية القائمة في الواقع العربي. ولا بدّ له من الاعتراف بأزماته وحقيقة حصار القوى الحيّة والحركة التقدميّة في المجتمع بين حركة إسلامية رجعية (طائفية وميليشياوية) تقدم نفسها بديلا ثقافيا للدولة الوطنية، حركة ذات رصيد شعبي كبير، ودولة استبدادية مصرّة على عدم التقيد بأيّ معايير ديمقراطية.

كذلك هناك شقّ كبير من اليسار في الوطن العربي يتبنى رؤية زعاماتيّة، ويرى من خلالها أنّه القائد والممثّل الحقيقي للشّعب. وينحصر دوره بالتّالي في قيادة الطّبقات الكادحة وتعبئتها لبناء الاشتراكية. وتعدّ هذه الرؤية الزعاماتيّة لدور اليسار من أهم العوائق التي تحدّ من دوره الممكن، وإبطال فاعليّته السياسية لمصلحة أوهام مؤدلجة. ومن هنا يتطلّب الدّور السّياسي الفعّال لليسار قراءة حقيقيّة للظّروف الذّاتية والموضوعيّة، ترصد الخارطة التي يمكن أن يسلكها التّنظيم اليساري في كلّ لحظة، أي الكشف عن إمكانيّات العمل وليس الإرضاء الزّائف للأيديولوجيا وأوهام الزّعامة. هذا بالإضافة إلى أنّ اليسار غير قادر على قيادة الجمهور ولا الحركة، ولا على تحقيق نصر انتخابي مهما كان نوعه، لكن بإمكانه أن يخلق في هذا السياق صوتا جذريا قادرا على إلهام قطاعات من الجمهور، وإنتاج موقع ديمقراطي أصيل داخل المجال السّياسي.

وهو قادر أيضا على إنتاج أشكال من المبادرات النوعيّة المرتبطة بقضايا المجتمع، مثل تنظيم العمّال والفلاحين وإثارة قضاياهم، والاهتمام بالمسألة الطّائفية وقضايا المرأة. وهي قضايا يمكن أن تمثّل عمليّة إنتاج لمشروع سياسي قادر على التّمايز وخلق حركية فكرية وسّياسية تقدم اليسار كصوت جذري في المجتمع له موقعه وتحيّزاته، ويخوض من هذا الموقع الصّراعات السياسية والأيديولوجية، ويعمل على الدعم التنظيمي والسياسي للحركة الاجتماعية، وهذا يعني أن اليسار يفترض أن يكون صوت الدّفاع عن الحريّة، ومقاومة كلّ أشكال الاستغلال والقهر في المجتمع أكثر من كونه مشروعا زعاماتيا ومثلا أعلى لقيادة الطّبقة العاملة، أو منهجا لبناء الاشتراكية.

ويعدّ القبول بهذا الدّور المحدود في حقيقة الأمر تواضعا أمام الظّروف الموضوعيّة لنمو اليسار وانفتاحه على الفرص التي أتاحتها الثورة. فبدلا من أن يبقى في انتظار سرمدي لنمو الطّبقة العاملة وتبلور وعيها لتشكّل قوة اجتماعية يستند إليها، فإنّه من الممكن البدء باحتلال موقعه والتّوجه لجمهوره من آلاف المواطنين -وخاصة من الشباب- الذين ألهمتهم الثورة، فانحازوا لمواجهة القهر في كافة صوره. هذه القوّة الفاعلة والحيّة تعدّ بوابة تحوله إلى تيار جماهيريّ فاعل في كلّ مكان وزمان.


ولا ننسى أنّ الكثير من الأوهام حالت دون تحقيق اليسار لدوره وساهمت في عرقلة مساره داعية إلى ضرورة النظر في إعادة هيكلته ومحاولة إعادة تأسيسه بعد الثورة. فمع بروز وحشية وإرهاب الشقّ الأكبر من التيار الإسلامي وطائفيته وصعوبة بروز تيار ديمقراطي من داخله، انكشف زيف رهان قطاع من اليسار على التحالف معه لمواجهة الدولة الاستبداديّة مثلما وقع في سوريا ومصر. ومن ناحية أخرى، سيطرت الدّولة على مكتسبات الثورة ومشروعها بحجة الحرب على الإرهاب، فبدا اليسار عاجزا عن تقديم مشروع أو حتى صوت جذري يؤثر في مسار الأحداث السياسية أو حتى يلهم القطاعات الثورية من الجماهير دون انحياز للإسلاميين في معركتهم الرّجعية. حيث مثلت بوادر دولة الإخوان المسلمين الآخذة في التشكل نموذجا يستحيل فيه التأسيس لأيّ حياة مدنية يناضل فيها الناس من أجل حقوقهم ومصالحهم (ناهيك عن النضال من أجل الاشتراكية)، نظرا لهوس الجميع بالهوية والطائفية، ورعاية النظام الحاكم نفسه لهذا الهوس.

أمام المسار الذي أخذه الصّراع بين الطوائف والنظام، نعتقد أن إعادة تأسيس اليسار بعد الثورة لن يقوم بالضرورة على محاولة توحيد فرقاء اليسار المحملين بأعبائه، وإنمّا ببروز تيار يساري جديد يسعى للتّخلي عن أوهامه السابقة الذّكر، والتصدّي للإجابة عن أسئلة اللّحظة.

التعبير الديني

صحيح أنّ الخطاب الإسلامي كان أكثر حضورا وفعالية سواء بشكله المعتدل أو المتشدّد، ومن هنا -كما ذهب إلى ذلك طيب تيزيني- بدا مصطلح “ربيع عربي” غير متوافق مع “الإسلاميين الجدد” المتشددين، وهاهنا كذلك، كانت ملامح ما يأتي لاحقا تحت مصطلح “داعش”، تعبيرا عن إقصاء مصطلح الرّبيع العربي، واقترابا من الإسلام المتشدّد. أما من أصبح عليه دفعُ الثمن فقد تمثل في الإسلام الشعبي والربيع العربي، والاثنان يحتملان الانطلاق يدا بيد، كما يمكن النظر إلى داعش بوصفها الوجه الآخر من الدعوة إلى النزعات الإثنية والمذهبية والطائفية ومثيلاتها، ممّا زاد من مأساويّة الواقع وتردّيه. هذا بالإضافة إلى عرقلة مشاريع التغيير. فمسألة ظهور داعش يعد نقطة انعطاف هامّة في الثورة قد أثّرت تأثيرا سلبيا مدمّرا بسبب الدموية والوحشية المفرطة التي ظهر بها داعش، إلاّ أنّه لم يستطع إحباط عزيمة الناشطين، لأنّ الأغلبيّة تعتقد أنّ داعش والنّظام قد خرجا من رحم واحد وهدفهما واحد هو السّعي نحو إفشال الثورة وطمس مطالبها.

ومن هنا يمكن القول إنّ طيب تزيني قد أرجع عدم تطابق مصطلح ربيع عربي مع ظهور “داعش” وسكت عن عوامل أخرى هامّة وبارزة مثّلت أيضا عنصرا فعّالا في عمليّة طمس مصطلح “الربيع العربي” وعدم مطابقته لما يحدث في الواقع، وتتمثّل في أنّ الكثير من قوى العالم قد سع إلى المساهمة في إفشال هذا الرّبيع، من ذلك مثلا حضور قوى خارجيّة مثل: أميركا وأوروبا وروسيا والصين وإسرائيل وإيران وبقية الدول العربية، واجتماعهم على إفشال هذه الثورة العربية، ومحاولة حرق أزهارها التي نمت وكان من المنتظر أن تينع في القريب. هذا ورغم ذهاب البعض إلى فشل الأنظمة العربية بعد الثورة، وأيّ محاولة للبقاء لن يكتب لها النّجاح، متأثرين في ذلك بما ذهب إليه الفيلسوف الألماني إريك هوبسبام أثناء دراسته الثورات الأوروبية، أنّ محاولة الأنظمة في البقاء ستنتهي إلى الفشل، لأنّ الأنساق السّياسية التي يمكن فرضها، تتناقض مع الظّروف السياسية القائمة تناقضا عميقا في مرحلة التغيير الاجتماعي والواقع السياسي الجديد الذي أفرزته الحركة الاحتجاجية. اللّهم إلاّ إذا استطاعت هذه الأنظمة تغيير ذاتها بما يواكب التغيير الذي أصاب فضاءات السّلطة الاجتماعية الجديدة.

ولكّننا مع ذلك نقول إنّه مهما سعى الأعداء إلى التّعطيل والعرقلة لمسار التقدم والنّجاح، فإنّ الثورة العربية تعدّ ثورة كبرى، ما زالت في ربيعها العربي ثائرة متمرّدة على كلّ القيود، ساعية إلى فكّ الحصار وكسر الطّوق، رغم أنّ الحرب ما زالت قائمة بين مناصريها وأعدائها، في انتظار مشهد الختام.



ومع ذلك تبقى ثورة تدور رحاها في فضائنا العربي، لأنّها ثورة شعبيّة كبرى بامتياز. وإن كانت بعض الحركات المسلّحة قد خرجت لنصرتها أو إجهاضها كما في بعض الأقطار مثل سوريا وليبيا، فإنّ الشعبية والسلمية هما من سماتها العامّة.

ما يأتي غدا

في استشرافه للمستقبل، اشترط طيب تيزيني أنّ التحوّل لا يكون إلاّ بتحوّل عميق في الفكر العربي الإسلامي، ويرى أنّه في هذه الحال يمكن إنجاز الأمر في سياق ثورة تجتاح العالم العربي بصيغة إسقاط العوائق والكوابح من التاريخي الإبستيمولوجي والنّظر في أسئلة الواقع الرّاهن. لأنّه إلى حدّ الآن لا توجد ثقافة جديدة بل هناك احتجاجات وتمزّقات تعكس وتعبّر عن مرض مجتمعي في العالم العربي، وهذا يستوجب إصلاح الثقافة وإصلاح التعليم والعودة إلى قراءة التاريخ ودور المثقف، حتى نقف على معنى الديمقراطية في العالم العربي وتحقيقها نسبيا. ولعلّنا هنا نستحضر مقولة عالم الاقتصاد والعلوم السياسية جوزيف ألويس شومبيتر إثر تعريفه للديمقراطية، وهو تعريف من أبرز التعريفات قبولا وانتشارا باعتبارها “الإجراءات المؤسساتية المنظمة لعمليّة صنع القرارات السياسية، والتي يكتسب الحكام من خلالها قوة اتّخاذ القرارات بالتنافس للحصول على أصوات الشعب”، وبناء على هذا التعريف، فإنّ الديمقراطية تعدّ أحد أشكال الحكومة الذي تتوفر فيه جملة من المعايير، كالمنافسة الحرّة التي تتيح التداول السّلمي على السّلطة، والمشاركة السياسيّة وحقّ الانتخاب والاقتراع، وضمان الحقوق الإنسانية والمدنية مثل حرية التعبير والصحافة والانضمام إلى الأحزاب السياسية وتكوينها، ومساءلة الحكام وضمان حكم القانون.

ويمكن الجزم بأن هذه المعايير لا تنطبق بصورة كاملة على العالم العربي، فالتحول الديمقراطي عملية انتقالية “تصبح من خلالها ممارسة السلطة السياسية أقل تعسفا وأقلّ استثناء للآخرين” كما يرى هنري هدسن، ويفرق بعض الباحثين بين التحول الليبرالي والتحول الديمقراطي، فيشير الأول إلى تغيرات تحدّ من سلطة الدولة في التدخل في حياة الناس ويسمح بالتعبير بحرية للمعارضة، أما التحول الديمقراطي فيشير بصورة خاصة إلى عملية التغير تجاه الانتخابات الحرة والمشاركة الشعبية. فدولة الحريّات لا تبنى إلاّ بإعادة هيكلة مؤسّساتها الدولية وضرورة النظر في بنائها العام، من حيث قيامها على العدالة الاجتماعية وضرورة احترامها لموروثها وأصالتها وتصالحها مع هويّتها.

ختاما

يمكننا القول إنّ طيب تيزيني قد واكب كلّ الأحداث السورية، وشارك في المظاهرات رافعا شعارات تطالب بالحرّية والعدالة ونبذ العنف والتظاهر سلميا.. وبناء على ما صرّح به في حواره في مجلّة “الجديد”، نقول إنّه كان منطقيّا في إجاباته، لكنّه قد أسهب في البعض منها مثل حديثه عن مسألة النهضة ومسألة الخطاب الغائب، في حين جاءت بعض إجاباته الأخرى مقتضبة وملغزة نوعا ما.. ومع ذلك فإنّ حواره يعدّ قراءة من بين القراءات، تحمل رؤية وتصوّرا للواقع الرّاهن الذي تعيشه الدول العربية الإسلامية وسط دوامة من الصّراعات والتّجاذبات. ولكنّنا وددنا لو بيّن لنا بعض النقاط التي قد تبدو غامضة للقارئ العادي، مع ضرورة التبسيط في اللّغة، لأنّنا لاحظنا أنّ الحوار يغلب عليه الطابع الفلسفي الملغز ذو اللغة الثانية، لغة النقد الخاصّة بنخبة معيّنة من القرّاء المثقفين. ونحن هنا واليوم، في واقع بلا خرائط تحكمه الصراعات الأيديولوجية والسياسية وتغلب عليه القوى المتطرّفة والميليشيات ممّا زاد من كثرة التفسيرات والحوارات، واختلط الحابل بالنابل، وما أحوجنا إلى قراءة حوار لمفكّر بارز يعي ما يحدث في واقعنا الراهن، ويستشرف الحلول الكفيلة للخروج من هذه الدوامة التي ظلّت مرهقة لتفكيرنا ومنهكة لقوانا ومشتتة لجهودنا.

باحثة من تونس


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4858


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة