الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الأفريقية تادجو تكتب التساؤلات الموجعة وكوميديا المأساة
الأفريقية تادجو تكتب التساؤلات الموجعة وكوميديا المأساة
الأفريقية تادجو تكتب التساؤلات الموجعة وكوميديا المأساة


08-22-2015 01:30 AM
وأنا أتجول بين مكتبات باريس، عثرت مؤخرا بالقرب من مدينة الموسيقى، بمكتبة تديرها دار النشر “أكت سود”، على نص جميل للكاتبة الأفريقية فيرونيك تادجو، استمتعت كثيرا بقراءته رغم أنه تركني متعطشا ولم يرو ظمئي حتى النهاية… لأن المؤلفة تتناول مجموعة متنوعة من الموضوعات التي تستحق تحليلا مطولا وأكثر عمقا، ولكن في المقابل، إن الرواية جدّ مقنعة وأسلوبها شيق يشدّ القارئ حتى آخر كلمة فيها، مما حفز بداخلي الرغبة في اكتشاف نصوص أخرى لهذه الكاتبة.

العرب رشيد أركيلة

شابة مختلطة الأصول تعود إلى كوت ديفوار حين علمت بموت والدها. وهي تتكفل بترتيبات مراسم الجنازة، وتباشر إجراءات الدفن تفاجأ بسيدة غريبة تطالبها بميراث ابنها، لتطفو على السطح تفاصيل الحياة الخفية لذلك الأب الذي لطالما أحبته كثيرا. هكذا تبدأ الكاتبة فيرونيك تادجو روايتها “بعيدة عن أبي”.

مواضيع متعددة

من بين الموضوعات التي تثيرها الرواية: المهجر، لمّ الشمل بطريقة متقطعة مع وطن في حالة حرب، كوت ديفوار، وفاة والد محبوب، تعدّد الزوجات، التقاليد الملزمة والمقيّدة إلى حدّ ما، الطقوس الجنائزية، أسرار الأسرة، الأخوّة في أفريقيا وأهمية الخلية الأسرية بشكل واسع، على عكس النمط الأوروبي… كتاب جميل وشخصي للغاية، مع راوية نتصور أنها مقربة من المؤلفة، خبيرة عطوفة، متفهمة وممزقة.

في عالم حيث يعيش كثير من الكتاب بعيدا عن جذورهم، تشكل عودتهم موضوعا عالي الأهمية يطبع الأدب بشكل كبير. بعد هايتي لداني لافيريير “لغز العودة” والصومال لنورالدين فرح “منافي”، ها هي فيرونيك تادجو التي تروي، في رواية ترن بنبرة السيرة الذاتية، عن كوت ديفوار اليوم في “بعيدة عن أبي”. كتاب كأنه رسالة إلى ذلك الرجل الذي اختفى والذي ستكتشف ميوله لتعدّد الزوجات، وإخوة وأخوات جددا بالمناسبة. قصيرة هي الرواية لكنها تمسح وتستعرض مجموعة متنوعة من المواضيع والتساؤلات المؤثرة: ما هي مكانة المرأة في الأسرة الأفريقية؟ كيف نعيش بين ثقافتين؟ فيرونيك تادجو، كبطلتها “نينا”، لديها أم فرنسية. ماذا تمثل الجذور عندما نعيش في المهجر لفترة طويلة؟ تساؤلات موجعة تزداد إيلاما بصورة كوت ديفوار بعد الحرب الأهلية، البلد الذي استنزفت دماؤه، يعيش حالة من الارتباك وهو يفقد شيئا فشيئا وجهته وهويته.

“بعيدة عن والدي” ليست في المقابل رواية دامعة، على العكس من ذلك، فهي كوميديا المأساة أو حسب الاصطلاح تراجيديا كوميدية، مكتوبة بتروّ كبير وموضوعية تنمّ عن حرفية عالية في أسلوبها وتحليلها الدقيقين وهي تفصح عن الحيرة والارتباك، لدى البشر وكذا لدى بلد بأسره، عن العلاقة بتقاليد الأجداد، عن فساد السلطة، إلخ… كتاب كثيف ومتوهج، كشاهد على بلد في قلب قارة أفريقيا، يحاول جاهدا أن يشق طريقا متعرجا، وعرا شديد الانحدار، نحو ما يشبه الأمل في أيام أفضل.

بتأنّ كبير وبثبات تجعلنا المؤلفة نتسلل إلى الثقافة العميقة للجنائز بأفريقيا، على نفس وتيرة الاكتشاف الذي ستكتشفه البطلة الصغيرة “نينا” حول جملة من الأسرار التي كانت تغطي حياة والدها الذي كانت تظن أنها تعرفه جيدا، ولكنها في الواقع، ستدرك أنه كان دائما شخصا غريبا عنها. لَكم كانت تودّ أن تراه ولو لدقيقة واحدة، لتطلب منه بعض التفسيرات أو أن يطمئن قلبها ويثبت لها أن كل ذلك كذب في كذب.

ثقافتان مختلفتان

انطلاقا من حب ابنة لأبيها، سنجد أنفسنا في مفترق الطرق بين الثقافات والعادات واكتشاف مجتمع ممزق بين التقاليد والثقافات الحديثة، إنها بكل بساطة رحلة لاكتشاف الطبيعة البشرية.

نستكشف إلزامية التضامن والتكافل الجماعي الأفريقي الذي يبدو في بعض الأحيان وكأنه جلسة علاج لأنه في لحظات الحزن والألم تلك، يحرص كل عضو من الأسرة على راحة “نينا” وملء ذلك الفراغ الذي يحيط بها، كما يعرف الجميع كيف يجعلون تواجدهم مفيدا بشكل من الأشكال، ولكن في لحظات أخرى تصبح تلك الجماعة كلها عبئا ثقيلا جدا على كتفيها اللذين يصبحان بالمناسبة واهنين للغاية. الجماعة هي الضامن للقرارات العالية الأهمية، إنها تستعرض وتشهر المنطق الذي يكشف قوانين الأعراف، كتأجيل موعد الدفن بسبب مهرجان “الإينيام” الذي لا يجوز خلاله مباشرة أي عملية دفن. كل واحد يستغل الموقف ويغتنم الفرصة للحصول على غنيمة ما، مثل ابن العم الذي يأتي للمطالبة بأربعة ملايين يدّعي أنها كانت في ذمة الراحل ويصرّ على الحصول عليها حتى قبل أن يتمّ الدفن.

تستعرض فيرونيك تادجو ثقافتين مختلفتين ممثلتين في شخصيتي شقيقتين: نينا تمثل الثقافة الأفريقية، إنها تخضع لوصية الأموات وتستجيب لرغباتهم الأخيرة، تثق في الأسرة وتستشيرها في كل التفاصيل لتنظيم جنازة والدها في أحسن الظروف، وقد صُدمت باكتشاف ذرية من والدها قد يكون أنجبها خلال علاقات خارج إطار الزواج، لكنها ستتقبل الأمر في نهاية المطاف وتعتبرهم كإخوة وأخوات، بعكس شقيقتها “غابرييل”، المتشبعة بالثقافة الغربية حتى النخاع، فهي تتساءل عن جدوى الإطالة في مراسيم الجنازة كما لو أنها كانت حفل زفاف، تعتبر إخوتها غير الأشقاء لا وجود لهم بكل بساطة، وفي نهاية المطاف لن تحضر مراسم الدفن لأنه بالنسبة إليها فإن الراحل لم يمت مادام يعيش في قلبها.

من هذا الباب، يمكننا القول إن الرواية تستعرض دراسة جيدة بشأن تنظيم الجنائز في أفريقيا من خلال شهادة المؤلفة، كما يشكل من جهة أخرى، دراسة نفسية جميلة للعلاقة مع شخصية الأب الأسود الكاريزمية والأم البيضاء التي تضع آلة البيانو على رأس أولوياتها.

هذه الرواية على الرغم من موضوعها الحزين (جنازة الأب المبجل) ليست نائحة ولا تسيل الدموع، تندرج في الحياة، تتحدث عن التوارث، التواصل والاستمرارية. كالاكتشاف الصادم والقاسي لعدد من الإخوة والأخوات بالنسبة للراوية الذي بقدر ما أثار خيبة الأمل لديها حيال نزوات والدها الخفية إلا أنها سوف تسعد في النهاية بهذا الحقل الأخوي الموسع “وهي تشاهدهم، تقول نينا في نفسها إنها ليست في وضعية تستدعي التذمر أو الاحتجاج. فإخوتها يمدونها بجذور ويزرعونها بحزم وثبات في الأرض. لكم نقبت في ضميرها، فلم تجد ما يكفي من الإهانة لتجعلها ترفض علاقة الأبوة هذه”.

فيرونيك تادجو هي أيضا مؤلفة لعدة روايات، كتب للشباب والأطفال، وقصائد شعرية “الملكة بوكو” حظيت بالتتويج حيث نالت الجائزة الكبرى لأفريقيا السوداء 2005.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2522


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة