الأخبار
أخبار إقليمية
الروائي أسامة رفيعة يبحث عن «اللّحن المفقود»
الروائي أسامة رفيعة يبحث عن «اللّحن المفقود»
الروائي أسامة رفيعة يبحث عن «اللّحن المفقود»


رواية تُقدّم ملامحَ الريف السّوداني في جرعة واحدة
08-29-2015 04:56 PM
عبدالدائم السلامي- تونس
كلّما سنحتْ لي فرصةُ قراءة نصّ من نصوص الرواية السودانية إلاّ واطمأنّت نفسي إلى زعمِها بأنّ لهذه الرواية رُوحًا سرديّةً مبثوثةً بلُطفٍ في مفاصلها، تُنبئ بها اللغةُ بخَفَرٍ حينا وتُخفيها بدَلال أحيانا أخرى، وتُمثّل في كلّ إصدارٍ جديد جوهرَ تَمَيُّزِه، بل قلْ وعنوانَ بذخه الاستعاريّ. وهو زعمٌ تُؤكّده جَوْدةُ أعمالِ الروائيّين السودانيين المقيمين بالخارج والذين أمكن لرواياتهم أن تصل إلى القارئ العربيّ. وعلى تَفاوُتِ حجمِ الأدبية في راهن الكتابة السردية السودانيّة التي تشهد «انفجارا روائيا» على حدّ قول الناقد مجذوب عيدروس فإنّ المُنجَزَ الروائي ظلّ ينبِضُ بإيقاعِ جسده الثقافي السوداني بجميع حمولاته التاريخية والاجتماعية والسياسية والجغرافية، وهو إيقاع لا أُلْفِي له شبيهًا في ما يُكتب الآن من نصوص عربيّة وإنْ حضرت منها في نغماته أصداءُ الانتماءِ إلى الجيلِ الفنيِّ إضافة إلى الاشتراكِ في ثقافة اللغة.
انشطارُ الوعيِ
لا أشكّ في أنّ قارئَ رواية «اللحن المفقود» للكاتب أسامة رقيعة الصادرة عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بعمّان/الأردن سنة 2015 واجدٌ فيها هذه الرُّوحَ الحكائيةَ بعد أن نفخ منها الكاتب في صلصال بيئته الريفية ما به هيّجَ رغبةَ كلِّ مُفردةٍ من مُفْرداتها في سرد حكايتها سردًا وئيدًا وئيدًا، فيه تخفُّفٌ ظاهرٌ من تعقيدات التجريب الروائيّ وثِقَلِ مَقُولاته النظرية، وفيه حنينٌ إلى منظومة القِيَم الأخلاقية التي راحت تتآكَلُ في مجتمع القرية بسبب تضارب المصالح الشخصية لأفراده بعد أن كانت تمثّل السنَنَ الذي يَزَعُ الناسَ بعضَهم عن بعضٍ -على حدّ عبارة ابن خلدون- ويحقّق لهم وحدةَ ضميرهم الجَمْعيّ، وفي هذا السرد أيضا يحضرُ تَنَافُرٌ لعواطف البعض من هؤلاء وتضافُرٌ لمصائر البعض الآخر منهم.
ما الذي طرأ على واقع مجتمع القرية وحرّك الأحداث فيه إذن؟ إنه تغيُّرُ سرديّات الناسِ، تغيُّرٌ عنوانُه غيابُ اللَّحنِ الناظمِ لجريان أفعالهم، وانشطارُ وعيِهم بما حولهم ما ساهم في تنامي تَعَثُّرِهم الأخلاقيّ وتَبَعْثُرِهم الاجتماعيّ. وهو تعثُّرٌ وهو تبعثرٌ اجتهدت الرواية في تقديم صورة لهما منذ افتتاحيتها، إذْ يحلم راويها في هناءة ليله الصيفيّ بانشقاق القمر إلى نصفيْن مُتباعدَيْن، ويذهب في تأويل ذلك إلى أنّ الانشقاق ليس إلاّ علامةً من علامات موته الذي يُحيل ضِمْنًا على موت براءة بيئته الاجتماعية، فيقول: «وبقيتُ ناقصَ الثبات أوزّع نظراتي إلى نصفي القمر في وجل ثم أحاسب نفسي وأنا في تلك البدايات الأولى من عمري... كيف لي أن أقابل ربّي وقد جاءت الساعة وانتهت هذه الحياة الحلوة؟». هي بالفعل حياةٌ حُلوةٌ تحتضنها قريةٌ «ترقد في وداعة إلى جوار النّيل، تستلهم منه الجودَ والعذوبةَ» وتستلهم منه «العَكَرَ أحيانا». وإنّ مِنَ العَكَرِ ما تكتظّ به الأحلامُ ويُنبئ تأويلُه بما سيحدث في واقع قرية الراوي من فسادٍ في سَجايا أهلها وإفسادٍ فيها.
تجريمُ البطل
تتخذ الرواية من شخصية «عبد القيّوم» مِنْوالاً بُطوليًّا تُفسِّرُ به تأزّم منظومة القيم الأخلاقية داخل القرية، إذْ تقدِّمه للقارئ في إهابِ «رجل عريض البنية وافر الوقار تلمح في قسماته وضاءةَ حُبّه للناس»، ثم هي تُلقي به في تجربة حياتية تتعاور روحَه فيها طاقتان: صورةُ الأولى حُبٌّ كامنٌ فيه، يحفزه باستمرار على التفاني في خدمة الآخرين، وصورة الثانية تنكّر له من قبل مجموعته الاجتماعية. لكأنّما الرواية قد استحضرت بيتَ «العرجي» الذي يقول في صدره «أضاعُوني وأيَّ فَتىً أضاعوا» فاختارت هي أيضا أن تُجرِّبَ إضاعةَ بطلِها عبدِ القيّوم ولو إلى حينٍ، وأنْ لا تُكْمِلَ صفةَ البطولة فيه إلا بعد إخضاعه لمحنة أن يكون ضحيّةً: ضحيّةَ بطولتِه وكريمِ شمائله. ذلك أنه بقدر ما سعى عبد القيّوم إلى حُبّ الناس وخدمتهم سعى مُتَخيِّل هؤلاء إلى تجريده من فضائله عليهم عبر تصديق تورّطه في قضية قتل، فالقرية لم تُصدّق جهد آمنة –زوجة عبد القيّوم- في تبرئته، «بل لم تشفع لها حتى الذّبائح والكرامات التي تعجّلتها، فعقول القرية قد تحجّرت، وصورة الخبر قد ارتسمت في وجدانهم نقشًا محفورًا بإزميل موروثٍ». ويبدو أن خيارَ الرواية تجريمَ بطلها أمرٌ ذو وجاهة دَلالية ستتكشَّفُ للقارئ في الصفحات الأخيرة منها. وقد احتاجت الرواية في تسريد تلك القضيّة إلى حبكة ذات ملمح بوليسيّ، وتفصيلُها تنبُّه الناس إلى وجود جثّة شاب ملقاة بأحد أطراف قريتهم حاملةً أثرَ طعنةٍ عميقة في الظهر. وقد تبيّن لهم أنّ القتيل هو «عثمان ود نايل» الذي حضر حفل زفاف «ضراع الليث ود حامد» بـ«أمونة بنت سعد» وهي «جميلة القرية التي يعرفها الجميع، واشتهرت بنظرتها البريئة التي تسافر في أكباد الشباب كحلم موجع». وقد عُرف القتيل بكونه تعشّق هذه العروس ورغب في الزواج منها ولم يفلح، وهو ما دفعه إلى أن يُشاكس العريس يوم زفافه، حيث قضم شيئًا من قطعة لحم ثم أعطاه بقيّتَها قائلا باستهزاء: «بعض النّاس بنخلّي ليها البواقي والفضلات» وأَتْبَع ذلك بضحكة موبوءة بالخبث. وهو أمر استرعى انتباه عبد القيّوم الذي أنهى حينها ذبحَ خرفان العرس، فراح والسكّين الحادّة في يده يؤنّب هذا الشاب بشدّة في محاولة منه لثنيِه عن مشاكسة العريس. وقد اتكأ الناس على ذلك المشهد ليتّهموا عبد القيّوم بالجريمة، وأبلغوا عنه الشرطة التي اقتاده أفرادُها إلى السجن، ولم تُفلح جهودُ الراوي في تكليف محامٍ للدفاع عن المتّهم الذي اعترف تحت ضغط الشرطة بأنه القاتل.
لُغةٌ بلا ثياب
لئن أظهرت الرواية انتصارَها للحقّ والخير بإعلانها براءة عبد القيّوم، بعد أن تبيّن أن أخت العريس «ليمونة» هي التي قتلت «عثمان ود نايل» انتقاما منها لكرامة أخيها، فإنها لم تُخفِ يأس الراوي من عودة قريته إلى براءتها الأولى التي هي لحنُها المفقودُ، ويتجليّ ذلك في قوله: «أريد واقعا، أريد حاضرا، يَمْثُل أمامي ويُشبعني، واقعا مليئا بالمحبّة والصّدق والإيمان، واقعا يترنّم على لحن الأحلام ثم يمنحنا ما نشدّ به عضد الخير بيننا». وهو قول نستشفّ منه خوف الراوي، ومن ورائه خوف الكاتب، من إمكان استشراء العداوة بين سكّان القرية. ونحن واجدون ما يُبرّر هذا الخوف في دلالة الأسماء الواردة بالرواية، وذلك من جهة أنّ اسمَ عبد القيّوم مُخالفٌ في تكوينه لطبيعة باقي أسماء شخصياتها، حيث لا يتوفّر على طاقة تُعيِّنُ المُسمَّى تَعْيينَ التخصيص على غرار «عثمان ود نايل» و«ضراع الليث ود حامد» و«أمونة بنت سعد»، فالقيّوم اسم من أسماء الله الحسنى، وهذا يجعل كلّ الناس عبادًا للهِ القيّومِ، ومن ثمة فإنّ اسم «عبد القيّوم» يُحيل على كلّ فرد من مجتمع القرية، وكأنّ الرواية تشي بأنّ محنةَ بطلِها قابلةٌ لأنْ تتكرّر في الواقع لدى باقي عباد الله متى غلَّبوا نزوعَهم إلى الشرّ على توقِهم إلى الخير والمحبّة والتسامح.
ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ جُملةَ أسامة رقيعة إنما هي جُملةٌ شَفَّافةٌ تراها العينُ بلا أثواب، فهي تَعِدُ قارئَها بكشف طبقات دَلالاتها وَعْدًا ممزوجا بتمنُّعٍ خفيٍّ، ولا تني في خلال تمنّعها تُعوِّلُ على نباهته في عدم الاكتفاء بما يظهر له من معانيها وتُحرّضه على الغوصِ في أعماقِ تكوينها فيسهل عليه، حينذاك، تقشيرُ محمولِها وبلوغُ جوهره. ولعلّ في شفافية هذه اللغة ما مثّل سبيل الكاتب إلى عضد نصّه بطاقةٍ كبيرة على تحريك الأحداث والإخبار عن فواعلها وتوصيف بيئتهم بأريحيّة هي من روح الرواية السودانية عنوانٌ من عناوينها. وما تأكيدي خصوصيةَ السرد السوداني وبذخَ إيحاءاته إلا دعوةٌ للإعلام الثقافي العربي لينصبّ بجهده على إصدارات أحفاد الطيّب صالح حتى يفكّ عزلتَها الجغرافيةَ تعريفا بها، وبحثا في شعرياتها وتأويلا لإيحاءاتها.
---دار الحياة


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 766

التعليقات
#1330664 [المكوجي]
5.00/5 (1 صوت)

08-30-2015 05:59 AM
اتمنى لك مشوارا كتابيا حافلا في عالم الرواية السودانية. سيما وقد شغلتنا قفة الملاح وساس يسوس عن الاطلاع والكتاب.

[المكوجي]

#1330554 [عصام بشير]
5.00/5 (1 صوت)

08-29-2015 10:32 PM
السﻻم عليكم اتمنى لك مزيد من التقدم والنجاحات استاذاسامه رقيعه
لك مني خالص الود

[عصام بشير]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة