الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
سندس برهوم تترقب الموت المؤجل عند 'عتبة الباب'
سندس برهوم تترقب الموت المؤجل عند 'عتبة الباب'
سندس برهوم تترقب الموت المؤجل عند 'عتبة الباب'


09-12-2015 12:54 AM
الكتابة عن سوريا الآن، وخصوصا الرواية تعدّ مخاطرة، يجب التحسّب لها بدقّة في ظل ما يحدث اليوم، إذ يقع االمبدع في فخ الحذر والمواربة خوفا من الانجراف وراء رأي سياسي أو موقف يجده البعض مخلا في بنية الرواية كعمل فني، في حين يراه البعض الآخر موقفا لا بدّ من اتخاذه، أو ببساطة نتيجة الخوف، هذا السعي نحو الحياد ولو كان جزئيا هو ما حاولته السوريّة سندس برهوم في روايتها الأولى “عتبة الباب” الصادرة عن دار نوفل – هاشيت أنطوان هذا العام، إذ تحكي هواجس امرأة سوريّة تدعى لور ومحاولاتها اليومية لمواجهة الموت المؤجل والحرب التي تحيط بها.

العرب عمّار المأمون

نجد أنفسنا في رواية “عتبة الباب” لسندس برهوم أمام هلوسات وهواجس يوميّة لامرأة تحاول إعادة التماسك إلى حياتها، فالاختباء تحت الدرج مع أطفالها خوفا من الهاون وتغلغل صور الموت لحياتها الأسرية والزوجية يجعل الاستمرار شبه مستحيل، وخصوصا في ظلّ الاختلافات في الآراء والتوجهات التي تحكم الأشخاص المحيطين بها.

لكن يلاحظ أن الرواية لا تحوي حكاية واضحة الملامح، إذ لا أحداث جوهرية تختبرها الراوية بل ما يحدث يحيط بها وتتفاعل معه بالحد الأدنى دون التورط كليا به، كأن “عتبة الباب” بمفهومها المجازي -الأسرة والمحيط- هي حد الأفعال التي تقوم بها، وغير ذلك لا مجال لتغييره، بالتالي الغرق في خيالات يوميّة وتقلّبات بالرأي والمشاعر.

محاولات للبقاء

“عتبة الباب” أقرب إلى مونولوج طويل بصوت الراويّة تحكي تفاصيل حياتها وكأننا أمام فصل من رواية لم تكتمل أو خاطرة طويلة عن يوميات الموت والخوف، كما نقرأ الحرب وفضاءاتها وكيف انعكست جسديا على الراويّة -لور- التي تشعر بخواء في بطنها يجعلها أقرب إلى المشلولة، تأخذها هواجس مجزرة الكيمياوي والموت الذي يقتنص من حولها، وتخيلاتها عن أطفالها يقتلون أو يشهدون الموت، الهواجس اليومية التي تمرّ بها يشترك فيها السوريون إلى جانب رغبة الرحيل والانفكاك من الموت.

إلا أن الرومانسيّة تحضر في الرواية بعد هذه الهواجس لنرى لور تسعى إلى تجاهل ما يحدث حولها بعد يقينها بأنه لا يمكن تغيير ما حولها ومحاولتها خلق تفاصيل “جميلة” مع المحيطين بها وقطع سبل التواصل مع العالم الخارجي لتحافظ على صورتها عن دمشق -مكان سكن لور- حيث تزور أصدقاءها وتشاركهم لحظات بهيجة بالرغم من المصائب التي حلت بهم كرصاص القناصة الذي شل صديقتها والانفجار الذي ألحق الأذى بأخرى، بالإضافة إلى عودة الشغف إلى حياتها اليومية مع زوجها واشتعال فتيل الحميميّة من جديد بينهما.

يلاحظ في الرواية أن الموت الذي تشهده لور، يقتصر على محافظتي دمشق وحمص والطريق بينهما المليء بصور الدمار في حين أن زيارتها للساحل السوري -اللاذقيّة- كانت أهدأ وكأنّ لا شيء يحدث بل أشبه بالاصطياف، دون حضور الجحيم المشابه للحياة في دمشق وحمص أمّا خوفها على أولادها فنراه فجأة يختفي بعد العودة من الساحل وقرارها بالتراجع عن الرحيل والبقاء في سوريا والإغراق في العالم الورديّ المتخيّل عن دمشق بالرغم من الموت، وكأن لور تختار تجاهل ما يحدث من حولها.



يعكس العنوان الذي تحمله الرواية الثيمة التي تحاول معالجتها، ففضاءات وعوالم الشخصية كلها مرتبطة بـ”الداخل” وبالتفاصيل اليومية والحميمية التي تعيشها وعلاقتها مع من حولها فقط، حتى إحساسها بمن هم “خارجا” من أطفال وضحايا لا يتجاوز التعاطف، صحيح أنه انعكس على طفليها ورغبتها في حمايتهما إلى درجة تخيّلها لقتلهما بيديها كي لا يشهدا الفجيعة إن أصيبت الأسرة بشيء خطير، دلالة على اقتحام من نوع ما، لمسلحين من نوع ما، سيقومان باغتصابها أمام أولادها، إلا أنها تقرّر، فجأة، عدم متابعة ما يحصل في سوريا، مختزلة موقف الإنسان المحايد الذي مازال في سوريا بعد سنتين ونصف السنة من الثورة -زمن السرد ومرجعيته للواقع- ومحاولاته لملمة أشتات حياته والتمسك بها، ليعيش في ما يشبه الفصام الذي تعيشه لور التي انتهت نحو نزعة رومانسية تجعل أمام عينيها غشاوة ورديّة، وكأن حضور الموت أعماها عن الحل وتسبب في شللها.

الموت العبثي

موقف الحياد الذي تحاول الكاتبة المحافظة عليه لا يبدو متماسكا وخصوصا في ظل تداخل المصطلحات التي تستخدمها لوصف ما يحدث في سوريا كذلك اختلاف توصيفات أطراف النزاع وجعل الموت عبثيا دون توجيه اللوم لأحد ما، ليبدو النصّ متخبطا في مرجعيّته وعلاقته مع العنف، ما جعل الموقف من السلطة مشوّشا وغير واضح المعالم، بالإضافة إلى إحالات الكاتبة إلى ثنائية “أكثريّة/ أقليّة” حين اتخاذها قرار الرحيل والإشارة إلى تسهيلات رحيل الأقليات بعكس الأكثريّة، ما يجعل النص يبدو مجردا من الصراحة في علاقته مع “الثورة السوريّة” وتكريس بعض الأقاويل المتداولة والتي ترتبط بـ”الأقليات” الموجودة في دمشق وخيارات الرحيل أو الحياد المرتبطة بذلك.

الحديث عن الإنسان العادي وحياته الخالية من “التشويق” يجعل خيار الكتابة عنه تحديا، فإما الانتصار للتقنية الروائية أو وضعه ضمن سياق أو فرضية تختبر بنيته ودوره كشخصية روائية، إلا أننا في “عتبة الباب” نجد ثرثرة أحيانا وهواجس أقرب إلى البوح الذاتي والتخيّلات والتهيّؤات، التي صحيح أنها تعكس وتختزل هواجس شريحة كبيرة من السورييّن إلا أنها لا تخدم الرواية، ما يدعو إلى التشكيك في مدى صحة تسميّة هذا النص برواية، شعرية البوح التي نجدها أحيانا تصلح للشعر لكنها لا تبدو ذات أهمية في بناء الرواية، التي تخلو من الحكاية والتقنيّة بل تحكي تجربة يوميّة لا تتعدى التسعين صفحة يمكن اختزالها بمقال أو تحقيق صحفي.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1016


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة