الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
سارة شمة ترسم غشاوة اللاشيء ما فوق الواقعية بإنسانية
سارة شمة ترسم غشاوة اللاشيء ما فوق الواقعية بإنسانية
سارة شمة ترسم غشاوة اللاشيء ما فوق الواقعية بإنسانية


09-26-2015 11:09 PM
سارة شمة فنانة سورية بدأت حياتها الفنية انطلاقا من الرسم الواقعي البحت، لتنتقل سريعا إلى الفن ما فوق الواقعي المحفوف بالمخاطر والمواجهات القصوى مع الذات ومع العالم، فتفوقت فيهما معا.

العرب ميموزا العراوي

بيروت - “في سوريا؟ ما في شي في الشام” هذا تعبير نسمعه كثيرا في لبنان من فم قادمين من سوريا، هم في غالبيتهم من أصحاب المؤسسات وميسوري الحال، ليس القصد بهذا الكلام إضافة سمة الطبقية على الحرب المندلعة في سوريا، بل القصد هو إشارة أولا إلى أن الشام، في عرف ذلك التعبير، هي مجمل سوريا. فإذا كان الوضع هناك مستتبا نسبيا بالنسبة لباقي المدن والقرى، فذلك يعني أن “لا شيء في سوريا”.

هو نوع من اختصار “حداثوي” لجرح مفتوح بطول الجسد السوري، إضافة إلى ذلك إن هذا القول يحمل في طياته نزوعا واعيا حينا، وخبيثا حينا آخر في النظر -أو عدمه- في عيون الوحوش التي تفتك بالبلاد طولا وعرضا.

وهذا “اللاشيء” هو أساس الفن الذي أُطلق عليه بـ”الهيبر ريالزيم” عند بداية الألفية الثانية، وهو فكريا مستوحى من أفكار الفيلسوف الفرنسي الحداثي جان بودريارد، في حين مرجعه البصري يعود إلى “الفوتو رياليزم” أي “الواقعية الفوتوغرافية”.

تحايل فني

عرف هذا الفن أولا في الولايات المتحدة الأميركية، ثم انتشر في باقي الدول الغربية. حين وصل إلى المنطقة العربية لم يحظ بـ”استحسان” الكثيرين. أغلب النقاد أو المهتمين في شؤون الفنية اعتبروه نوعا من تحايل الفنان لإخفاء ضعف ما في تقنية الرسم والتلوين.

إذا يتم، في معظم هذه اللوحات، استخدام الصور الفوتوغرافية أو الاعتماد عليها كأساس، ومن ثم العمل عليها لتحويل معالمها. حتى لو كان هذا الأمر هو أساس العملية “الهيبير ريالية”، فذلك لا يمكن اعتباره تهمة أو إدانة ترفع في وجه الفنان، إذ تكمن أهمية التقنية فقط في قدرتها على خدمة الفكرة أو الشعور المراد التعبير عنه. إضافة إلى ذلك ثمة فنانين عرب كثر برعوا في الرسم الواقعي، ولكنهم اختاروا الابتعاد عنه أو الانبثاق منه.

من بينهم، وربما أهمهم، الفنانة السورية سارة شمة التي بدأت حياتها الفنية انطلاقا من الرسم الواقعي البحت، لتنتقل سريعا إلى الفن ما فوق الواقعي المحفوف بالمخاطر والمواجهات القصوى مع الذات ومع العالم.

وحازت الفنانة على العديد من الجوائز المحلية والعالمية، كما أنها اشتركت في بداية مسيرتها الفنية بمسابقة من أهم المسابقات في التاريخ الطبيعي بأستراليا، حيث حازت جائزة عن لوحة زيتية بحجم متر ومتر وعشرين سم.

اختارت الفنانة أن ترسم في هذه اللوحة حيوان وحيد القرن، لأنه بالنسبة لها حيوان حزين ومسالم بشكل مستمر. وتقول سارة شمة في إحدى المقابلات “ركزت على رسم تفاصيله وخاصة مسام جلده التي تشبه مسام جلد الإنسان، رسمت له قرنا وهميا، لأنه كان مقطوعا في الطبيعة. كذلك اهتممت برسم عين وحيد القرن التي تتميز بوجود دمعة دائمة فيها، وهذه خاصية مؤثرة تعنيني كثيرا، وأحب أن أعمل عليها”.

ثمة صعوبة في اختصار تجربة سارة شمة بالرغم من أنها لا تزال في بدايات مسيرتها الفنية. غير أن جلّ ما تتميز به هو القدرة العارمة على نكأ الجرح البشري إن من حيث المضمون أو من حيث الأسلوب الذي يتخذ الواقعية أساسا له.

تعمد الفنانة بعد ذلك إلى “التصرّف” بالواقعي حتى يظهر انكساراته أو بطولاته بناء على فكرة ما في خيالها.

تناولت الفنانة مواضيع مختلفة في لوحاتها، غير أنها لم تخرج عن موضوع الإنسان، فهي ترى كل شيء من خلاله ومن خلال تحولاته وأفكاره وهواجسه. كثيرا ما اتهمت بالنرجسية لكثرة ما ترسم نفسها في لوحاتها، وهي لم تنف ذلك يوما. ومع ذلك، فهذا المنحى ليس بالضرورة أمرا سلبيا، بل لربما هو ما يدعم بحثها الفني ويعمّق أبعاده.



سؤال الحرية

رغبة شمة المتجددة في اختبار أعماق نفسها واضحة جدا في لوحاتها، حتى في تلك التي لا ترسم فيها ذاتها. وواضح ارتماؤها في مغامرات تشكيلية تسعى إلى تعظيم قدرات الجسد في حركاته و”تصدعاته”.

لم يسلم شكل الجسد أو الوجه في لوحاتها من التشويه، ولكن دون المساس بـ”إنسانية” ملامحه مهما اشتدت وطأة الألم أو الخوف أو الشك الذي اعتراه أو تعرض له.

أما الطاقة الكبرى التي شحنت أعمالها وصقلت موهبتها الفنية، فهي من دون شك طاقة “اللاشيء يحدث” التي يصر عليها بعض الوافدين من سوريا، هي الحرب القاهرة التي تشرّد شعبا بأكمله، حرب تركت أثرها في نظرات العينين والملامح واستنفار الشرايين تحت مسامات الجلد المتوسعة.

هذا العنف الذي تعرض ولا يزال يتعرض له الشعب السوري، كان كفيلا بأن يعلي من نبرة الأحمر المتخثر في لوحاتها، وأن يقتطع من الأجساد أعضاء التقطتها سارة شمة قبل أن تفقد حيويتها، لتشحن بها فضاء لوحاتها ضاربة عرض الحائط قانون الجاذبية الأرضية.

معظم لوحات سارة شمة، وخاصة التي تصور الإنسان شامخا بالرغم من انكساراته، وكأنه على رأس جبل غير مرئي يشرف على هاوية ما، لوحات تسأل الناظر إليها “من أنا إذا؟ أين أنا؟”، وتنسجم تلك التساؤلات الوجودية إلى أقصى حدّ مع ما طرحه يوما والد “الهيبر رياليزم” المفكر جان بودريارد في هذا القول “هكذا هو الحال دائما: في اللحظة التي تشعر فيها بهواء الحرية، تجد نفسك ملزما بأن تسأل ذاتك: من أنا؟”.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 712


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة