الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الهجرة والفراق سمة العصر في قصص الأطفال بالإنكليزية
الهجرة والفراق سمة العصر في قصص الأطفال بالإنكليزية
الهجرة والفراق سمة العصر في قصص الأطفال بالإنكليزية


09-27-2015 09:32 PM

على الرغم من حرية مطلقة تكتنف أدب الكبار، ثمة قواعد 'غير مكتوبة' تحكم أدب الطفل، وهي عالمية بغض النظر عن اللغة.
العرب هالة صلاح الدين

ليس من المستغرب تماما التجاهل النقدي لكتب الأطفال، فأثر الأدب على الكبار مسألة شخصية بحتة قد تستعصي أحيانا على التقصي، فما بالك بمشقة التنظير للأطفال. ناقد كتب الطفل يخوض رحلة تستهدف غيره بالأساس، وبناء عليها يطلق عددا من التخمينات والظنون؛ استنتاجات يتعذر عليه الزعم بالتيقن منها، فقد لا يؤيّده فيها ببساطة طفل واحد.

لا أحد بوسعه أن يدعي الإلمام بتجربة ذي الخامسة النفسية والعاطفية عند قراءة رواية من الروايات. فكرة التناص الأدبية نفسها عصية على السبر في حالة الطفل. ومن هنا يتساءل مايكل روزين كاتب الأطفال الإنكليزي وصاحب ما يزيد على مئة وأربعين كتابا، “في سياق ما بعد البنيوية، ما هو وجود الطفل التناصي؟ ما هي القصائد والألغاز والبرامج التليفزيونية التي اختبرها؟! ماذا سمع؟ وما هي طبيعة خبرته اللفظية؟”، لا دراية لنا تحديدا، وهكذا يأتي غموض التأليف ثم النقد.

هاري بوتر ضد هاملت

قد تعاني مع الأساتذة الكبار في أقسام اللغة الإنكليزية بالجامعات البريطانية إن قررتَ مواصلة دراساتك العليا متخصصا في أدب الطفل، فالنظرة إليه هي أنه ليس جادا إلى تلك الدرجة. والعالَم الأكاديمي ينظر إلى الطفل وحالة الطفولة بوصفهما أمرا تافها، ربما ينتميان إلى أقسام التربية ليس إلا. لا ريب أن أدب الطفل ليس شكسبيريا غير أن لديه الحق في التواجد بمكتبات الجامعات والمؤسسات التعليمية شأنه شأن “هاملت” بالضبط.

ولكن فلنغامر وننظِّر قليلا! الحق أن ما يميز كتاب الأطفال الجيّد عن آخر سيّئ هو أنه أولا: فيه من الحقيقة الخالصة ما قد يروق الكبار، وأنه ثانيا: يحوي مبادئ أخلاقية إنسانية لا لبس فيها ولا تحتمل الشك والصواب. لغته سهلة الوقع مباشرة وإن لجأ بعض المؤلفين الأمريكيين إلى حذف كلمات، بل وعبارات، من كتبهم المصورة، تاركين عبء التخيل وإتمام القصة على كاهل الأطفال.

شتات الطفولة

لقد قالها تولستوي يوما، “كل الأدب العظيم واحد من قصتين: رجل يبدأ رحلة، أو غريب يصل إلى المدينة”. ومعه يتفق واضعو الملاحم والحكايات العتيقة، وكذلك مؤلفو كتب الأطفال المصوَّرة في القرن الواحد والعشرين. قرنٌ، رغم حداثته وخلوه حتى الآن من حروب عالمية، سمته الشتات والهجرات الموجعة بما شهده من موجات نزوح جماعية من الجنوب إلى الشمال، هربا من قيظ لهيب وجفاف مقيت أو جراء قلاقل الشرق الأوسط وحروبها.

قد تخال أن الحال السياسي ليس بمؤثر كبير على قصص الأطفال. أعِد النظر! ما عاد الموضوع الأساسي لكتب الأطفال في العالم الغربي الحث على طاعة الوالدين وأولي الأمر، أو التشجيع على مكارم الأخلاق الكلاسيكية، ما عادت تتحاشى القضايا الكبرى في المجتمع وتُلَون الحياة بألوان وردية وكأن الطفل يحيا في الفردوس، لا على الأرض.

باتت بالأحرى مهمتها خلق مشكلة جوهرية أو مواقف عسيرة ثم معاونة الطفل على تجاوزها، مثل دخول مدرسة أجنبية، أو الإرغام على التحدث بلغة لا تمت للغة المنشأ بصلة، أو الانتقال إلى أرض غريبة، أو فقدان أب، أو أم قضَت في الحرب أو أثناء كارثة طبيعية، أو هجرة الأهل وحمل الأطفال معهم كالمتاع ليواجهوا بكل براءة قسوة الاغتراب. إنها بالتأكيد علامة من علامات القرن الواحد والعشرين.

طفلة لم الشمل

مثال على هذه الكتب كتاب “عندليب ماما” المصوّر (2015)، والموجّه إلى الأطفال من سن الخامسة إلى التاسعة. تعرّفنا الكاتبة الهاييتية إدويج دانتيكا على راويتنا، طفلة من هاييتي اسمها سايا، أمها غائبة رغما عنها في مركز احتجاز للمهاجرين غير الشرعيين، “سجن مخصص لنساء ليس لديهن أوراق”، والأب يكتب كل ليلة خطابات توسل إلى المسؤولين كي يفرجوا عنها، ولكن “لا أحد يردّ عليه أبدا”.

والطفلة لا ملاذ أو مخفف عنها إلا صوت أمها الرؤوف على جهاز الرد الآلي. تقول الأم بصوت مشرق باللغة الكرييولية، “تانبري كيت بون تي نوفي بو نو!” تترجم لنا سايا الجملة، “الرجاء ترك أخبار سعيدة لنا”.

ولا تلبث الطفلة أن تكتب، “وفجأة تمتلئ الغرفة بصوت ماما الرنان تغني عن شجرة القشدة والعندليب. وفي نهاية الأغنية، تحكي لي قصة جديدة قبل النوم، قصة ألّفتها بنفسها. إنها عن أم عندليب تقوم برحلة طويلة جدا، باحثة عن أثر قوس قزح كي ترجع إلى رضيعها العندليب. أغلق عينيّ وأتخيل ماما راقدة بجواري وهي تميل لتهمس في أذني بقصة العندليب. أتخيل ماما وهي تحبك عليّ الغطاء وتقبلني قبلة المساء ثم تذهب لتنام في الغرفة المجاورة مع بابا”.

فلكلور الكاريبي

تحاول الفتاة الرقيقة أن تحيا رغم قبوع أمها في سجن صانشاين، ويعني سجن “أشعة الشمس”. تقصّر السجينة المسافة بينهما، إذ ترسل إليها قصص ما قبل النوم على شرائط كاسيت. تتوخى الأم أن تقربها من إرثها الهاييتي، فالقصص جميعها مستوحاة من تاريخ الجزيرة القصية وفولكلورها على البحر الكاريبي.

تدمج المؤلفة كلمات من اللغة الكرييولية بين ثنايا نصها الإنكليزي، لقد دمجتها على نحو بارع لا يقطع الفهم ولا يحول دونه. وبالرغم من اللغة الأجنبية عن الطفل المتحدث بالإنكليزية المتناثرة هنا وهناك، لا يشعر الطفل -ولا سيما الطفل المفروض عليه حياة الاغتراب- بالغربة عن فلكلور البحر الكاريبي، وينتابنا نحن شعور بالتماهي مع أصول الكاتبة، “لن أصير أميركية قط، إنني من هاييتي”.

واستحضارا لهذا الفن الشعبي بهاييتي، رسمت الفنانة الأميركية ليزلي ستوب الحائزة على جائزة الاعتراف المدني الأميركية لوحات زيتية تنبئ بالحيوية والألوان المبهجة. ستوب فنانة شبه منعزلة عن العالم بيد أنها تصرّ أنها ليست وحدها، “أعيش في الريف مع كلبي الأليف، وكل المخلوقات البرية المقيمة في الغابة”.

قصص الأطفال رحلات عجائبية بين النوم واليقظة


قد يفعلها الصغار!

تركز دانتيكا على الوجه الطفولي من الاغتراب، وتلقّننا نحن الكبار درسا معتبرا، حين نفشل في إحداث التغيير ونقع فريسة للخسارة والأسى، يهبّ الأطفال في تحدّ لمحو الخطأ وفرض الصواب، ولو بخيالهم.

ولأن الطفلة لا معين لها إلا الصبر والتنفيس عن مكنون قلبها، تكتب عن أمها قصة يرسلها الأب إلى إحدى الجرائد. يصبح التظلم قضية رأي عام، وتطلق السلطات سراح الأم فتعود إلى حضن الابنة، “أعتقد أنها كلماتنا التي جمعت شملنا مرة أخرى”. وهكذا ترين على حياة الطفلة، وحياة من حولها، هالة من الأمل والعزاء، وتفلح -ويا للمفارقة- في المستحيل، ألا وهو إحراز الهناء.

دانتيكا نفسها مهاجرة إلى أميركا في سن الثانية عشرة، نالت منحة ماك أرثر للعبقرية، وجائزة أفضل كاتب أميركي وجائزة إنجاز المرأة. وتعتقد صاحبة رواية “نفَس، عيون، ذكرى” (1994) أن كل المهاجرين فنانون، “إعادة خلق حياتك بأكملها ما هي إلا نوع من إعادة الابتكار، وهو ما يعادل أعظم الأعمال الأدبية”.

تلاقي الثقافات

ومثلها كمثل دانتيكا، نشأت الكاتبة آن سيبلي أوبراين الفائزة بجائزة كاتادين في بقعة غريبة عنها، فاضطرت منذ نعومة أظافرها إلى تعلم لغة أجنبية، “الهجرة، كيفما حدثت، تعني خسائر، تعني البدء من جديد”.

أسست أوبراين منظمة “إنني جارك”، وتدعم أدب الأطفال المجسّد لثقافات جديدة تفد على مجتمع ما. وتنصب كتبها على تلاقي الحضارات والأجيال في حياة الأطفال الصغار، “تركزت نشأتي كطفلة أميركية بيضاء في كوريا الجنوبية على العرق والعرق فقط لا غير، وكتابة حكايات متنوعة الأعراق، أكمل هذا الافتتان بجمال الفروق بين البشر والمشترك بينهم وتحدياتهم. إننا كلنا عائلة واحدة كبيرة”.

قولبة معاكسة

ألَّفت أوبراين كتابها المصوّر “إنني جديد هنا” (2015) ووضعت رسومه بالألوان المائية والصور الرقمية. و“جديد” هنا تعني في الواقع “مختلفا عرقيا أو دينيا أو لغويا”. تتقاطع في الكتاب ثلاث قصص في غاية الشعرية عن أطفال مهاجرين: جين من كوريا وماريا من غواتيمالا وفاطمة من الصومال. والصومالية تتحمل، فضلا عن غربة اللغة والعرق، الاضطهاد الديني والمجتمعي، وإن سقطت المؤلفة نفسها في الفهم المُقوْلب الجامد للمسلمة أنها بالضرورة محجبة حتى لو كانت طفلة صغيرة.

يلتحق الأطفال بمدرسة في أرض لم يولدوا فيها أو يختاروا العيش فيها. هل سيتغلبون، بمؤازرة معلميهم، على حيرتهم ويتسلقون حاجز اللغة السامق كي يتمكنوا من اختصار مراحل التأقلم والاندماج مع أقرانهم وهم لا يتحدثون إلا الركيك من اللغة الإنكليزية؟ “في وطننا الأم تدفقت أصواتنا كالماء وطارت بيننا كالطيور”.

قالها تولستوي يوما، (كل الأدب العظيم واحد من قصتين: رجل يبدأ رحلة، أو غريب يصل إلى المدينة). ومعه يتفق واضعو الملاحم والحكايات العتيقة، وكذلك مؤلفو كتب الأطفال المصوَّرة في القرن الواحد والعشرين

هل سيتغلبون على كل هذه التحديات من دون فقدان هويتهم أو نسيان لغتهم الأم؟! أجل، فالغرض ليس إعادة خلقهم من لا شيء وحذف القديم بحلوه ومره، وإنما تأهيلهم للتكيّف من خلال محو أميتهم المكتسبة حديثا. وهناك من الكبار ممن يعجزون تماما عن هذه المهمة شبه المستحيلة.

ولكن الطفل قطعة من العجين اللين، وقدرته على التشكل لامتناهية. في النهاية لا يجد التلاميذ منقذا إلا الرياضة والفن كجسر للهوة ومدخلا إلى أرض الأحلام الأميركية: ماريا تلعب كرة القدم كالمحترفين، جين يرسم كتبا مصورة، فاطمة تلفي في الفن سلواها.

قواعد غير مكتوبة

ولكن هل يطيق الطفل مطالعة هذه القضايا الجادة؟ أجل، ما دامت النهاية سعيدة، بمعنى أو بآخر. وما دام المؤلف أو كاتب السيناريو في حالة أفلام الطفل يستغل سلطة الكلمات الرقيقة وتكتيكات مبتكرة. وعلى الرغم من حرية مطلقة تكتنف أدب الكبار، ثمة قواعد “غير مكتوبة” تحكم أدب الطفل، وهي عالمية بغض النظر عن اللغة.

أدب الطفل ناجع فقط طالما لا يرتطم بعواطف الطفل ارتطاما أحمق مسيءٌ، وطالما يختمه فعلٌ إيجابي الوقع سمته التفاؤل؛ فعلى سبيل المثال انتقال أثيري أشبه بالعودة إلى الوطن أو البيت، ولو مجازا، أو التطهر بعد عوج، أو الشفاء من علة، أو استعادة الشعور بالانتماء، وكذا هجران كل ما هو سلبي وشاذ. وقصة الهجرة بين أيدينا الآن تثير التعاطف في قلوب الأطفال المتحدثين باللغة الإنكليزية مع كفاح أطفال اللاجئين، وربما تبعث فيهم على تغيير تعاملهم معهم نحو الأفضل. وفي الوقت ذاته تقدّم رؤية شجاعة كلها إصرار يرنو إليها الطفل المهاجر بإجلال ويتماهى معها.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 737


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة