الأخبار
أخبار إقليمية
الحسد وسط الحراك والإبداع السوداني
الحسد وسط الحراك والإبداع السوداني



10-05-2015 11:59 AM
صلاح شعيب

بعض الحسد مرض. وهو غريزة يتميز بها البشر في كل المجتمعات. ولكن في مجتمعات التخلف يتحول الحسد إلى ظاهرة معيقة للنهوض. ويتبع ذلك تحوله إلى ما يسميه بعض الناس الحقد الطبقي. والحقد في اللغة ليس هو الحسد. وإنما درجة أعلى منه، إذ هو إلا الغل الشديد. ولذلك يخلط الناس في توظيف الكلمتين. فليس من الضرورة أن يكون الحاسد حاقدا. فالحاسد في جوانب يستكثر فقط كسب البشر، عبر عملهم الشريف، أو البغيض، ولذلك يتمنى زواله. أو أن يحظى بمثله بالضرورة حتى لا يفوقه أحد. ولعل تحيزات الطبقة المسيطرة على الحكم، والاقتصاد، هي التي تعلي من درجات الحسد. ذلك لأنها تتيح للدوائر الاجتماعية من حولها فرصة للثراء على حساب الطبقات المهمشة في مضمار الحياة. وهكذا تنجح هذه الدوائر المسيطرة في تملك فرص التنمية البشرية لنفسها وحدها. وبالتالي يسهل لها الحصول على سكن فاخر لأسرها، وتعليم مميز للأبناء، وحيازة سيارات فارهة، فيما ترتدي نساء هذه الطبقة حلل الذهب فتتوغر صدور نساء الطبقات المتوسطة، أو الفقيرة. هذا الواقع المعاش في البلاد، والذي سيطرت عليه الطبقات الاجتماعية القريبة من الحكم الشمولي ساهم في تنمية الحسد في إطاره الاجتماعي. والواقع أنه كلما تمكنت في المجتمع أفكار الانغلاق في نظم الفكر، والدين، والحكم، والتربية، والتجارة، انحصر العطاء العملي في دائرة قلة من الناس، وهكذا ينشأ التفاوت الطبقي الذي يودي إلى الثورات.

ونموذج هذه القلة يكمن بامتياز في سودان ما بعد الاستقلال. لها شبكات من العلاقات الاجتماعية التي تعرف من "أين تؤكل الكتوف"، كما جرت العبارة الذكية. ولذلك تترك هذه الفئة الآخرين لينموا حسدهم نحوها لكون أن الطرق المتوفرة لمجاراتهم عمليا، ووظيفيا، شحيحة. وحتي إن أراد واحد من الناس أن يعثر على فرصة للعمل وسط الفئة المسيطرة على الواقع، بدلا من الانشغال بحسدهم، فوجب عليه أن يتخلى عن جزء من قيم تدينه، أو أخلاقه، أو قناعاته الوطنية، وغيرها من كوابح النفس الأمارة بالسوء. وبالطبع حينما نتطرق إلى موضوع الحسد في دوائر المنتجين السودانيين لا نستطيع إغفال دور غياب الديموقراطية، والمساواة في فرص التنمية، والعدالة في توزيع الثروة. إذ إن الحسد يتفاقم حينما تملك فئة محددة في الدولة الشمولية حيازة مشاريع العمل، والإنتاج، بينما تحجبها عن الآخرين بحجة معارضتهم للنظام، أو تهديدهم لكيانه.

ومن المفارقات أن الحاسد لا يميز. فالمتاجرون بحق، والمغتربون الذين راكموا ثروتهم عبر الهجرة لسنوات طويلة، محسودون بذات الدرجة من الحسد التي تواجهه الطبقات الاجتماعية الحاكمة، أو المسيطرة على السوق. وفي السودان يتنوع الحسد سواء نحو "المتمرمغين" في بهو السلطة، أو نحو الزملاء المبدعين في مجالات تخصصاتهم. ففي داخل السلطة يحسد ناشطون، ومستثمرون، زملاءً لهم مستفيدين من فرص الحكومة التي تذهب نحو منظوماتها حصريا. أما الذين هم في المعارضة فيحسدون بعضهم بعضا كلما حقق سياسي اختراقا في حراكه، أو أفكاره، أو حاز على رضا عقول، وقلوب، الجماهير معا. وأذكر أن الدكتور منصور خالد أشار يوما إلى الحسد نحو أفكار جون قرنق، وكاريزماه. وذكر أن الزعماء التقليديين وجهوا سهام حسدهم نحوه كونه قلب الطاولة عليهم، وأتى من ثم بأفكار لم يستطيعوا ضخها بعد أن برز كرمز سياسي باهر في المشهد السياسي.

ومن الذكريات المرتبطة بالدكتور عبدالله الطيب قوله إنه لم يدرك حسد الأكاديميين المر إلا بعد تعيينه مديرا لجامعة الخرطوم. وعبدالله الطيب لم يكن محسودا في "نعمة" الاختيار النميرية فحسب. وإنما في صيته الأدبي، والعلمي أيضا. وفي مرة كنت أجري حوارا مع الدكتور حيدر إبراهيم في أواخر الألفية الماضية وحين تعمق الحوار شمل نجاحه الفردي في تأسيس مركز الدراسات السودانية. وكان المركز حينها قد أصدر ما يقارب المئة كتابا، والآن قاربت إصداراته الثلاثمائة. قال حيدر إنه كان يسخر من مقولة عبدالله الطيب عن حسد الأكاديميين. ولكنه أدرك صدق حدس البروف بعد الحسد الذي واجهه هو نفسه من زملاء إزاء نجاح المركز، والذي تمازج بالحسد نحو الفرص التي خلقها على مستوى مشاركاته المنتظمة في المؤتمرات العربية، ومستوى خلقه علاقات مميزة مع المثقفين، والإعلاميين العرب. وكذا ربما كان انتشار المؤلفات البحثية لمدير مركز الدراسات السودانية موضوعا جالبا لحسد آخرين يجتهدون في المجال.

هذا النوع من الحسد الإبداعي ظل ملحوظا في السابق وسط الناشطين في مضامير الفكر، والنقد، والصحافة، والفضائيات، والكتابة، والرواية، والشعر، ذلك لأن هناك تزاحما شديدا، كما حال الفراشات، في مساحة الضوء، وذلك أمر مشروع، ولا حرج، ما دام المبدع يعطي الجهد الكثير، ويعوض ذلك بالتبجيل المنتظم من المجتمع. ولكن قد تنامى هذا الحسد الآن في ظل كثرة المساحات الإبداعية التي كانت قاصرة على الصحافة، والتلفزيون الرسمي، والإذاعة الواحدة، وكذلك تنامى الحسد في ظل تزايد الراغبين في الشهرة الإبداعية. الآن، أيضا، تواتت فرص حرة للمبدعين للنشر الثقافي، وساهمت الفضائيات الكثيرة، والمطابع الحديثة، في تسهيل نشر إنتاج المبدعين. ولهذا أصبح الحسد الإبداعي متجسدا بسبب عثور مبدعين على مساحة في دائرة الضوء أكبر من مساحة آخرين تعسروا في غرس الإبداع كما يتعسر المستثمرون من المزارعين في سودان الإنقاذ. أما في مجالات المغنين فالحسد يأخذ أشكالا مختلفة. وأذكر أن الراحل مصطفي سيد أحمد قال لي في حوار إن بعض الفنانين كانوا يسخرون منه، ويسمونه ـ تحت تحت ـ المغني المتفلسف. وذلك لمجرد تميزه عنهم باللغة الشعرية الحداثية، وحيازته لجماهيرية الشباب بينما أن بعض المغنين تعثر تطوره، وعاش على جمهوره الذي قد مات عدد كبير منه. إذن فإن أوصافا مثل فيلسوف، وبروف، ودكتور، توظف أحيانا في غير محلها كمحاولة للسخرية من المبرزين، وكتعبير عن الحسد الذكي لنجاحاتهم في مجالات العطاء. ويماثل ذلك استخدام النكات العرقية بين الأصحاب لتفريغ حمولاتهم العنصرية بشكل يُظن بأنه لطيف، أو مسلٍ.

وما يساعد في تطور أشكال الحسد، أو الغيرة إن شئت تخفيفا، وسط المبدعين هو أن الشهرة هي الهدف الأول للمبدع. ولذلك يسعى إليها حتى إن حققها فإنه يستميت في المحافظة عليها، ولا يريد لأحد أن يهدد موقعه، أو يحول انتباه الجمهور بعيدا عنه. وطعم الشهرة مماثل لطعم كرسي السلطة. ولهذا فإن فقدان الشهرة، والسلطة، أمر مزعج إن لم يكن قاتلا. فشهرة السياسي، أو المبدع، إجمالا لها بريق خاص. إذ يُحاط السلطوي بالجماهير فيما يُرضي المعجبون الفنان بالمدح المضطرد. ولعلهما يتجرعان طعم العلقم حين يحول المعجبون، والجمهور، الاهتمام نحو شخوص آخرين، ويعلوا من قيمتهم الأدبية. فالمبدع، وهو ما يهمنا هنا، يتوقع السعي إلى احتكار القمة إلى أن يموت. ونادرا ما يعترف المبدع الذائع الصيت بأن هناك آخرين يمكن أن يأتوا في زمانه ليتجاوزوا شهرته، أو إبداعه.

على مستوى الروائيين، والشعراء، والأكاديميين، هناك حسد نحو بعضهم بعضا من نوع آخر. فهذه المجالات غالبا ما تحظى بالجوائز التقديرية، والترقيات الجامعية. ولذلك يتعرض هؤلاء المجيدين في عملهم إلى التشكيك في إبداعهم المفارق، ويتحول الحسد من ثم ليكون مغلفا بالموضوعية في نقد إنتاج هؤلاء المكرمين، والتقليل من مستواهم عبر النقد المغرض إن أمكن. بل إن التشكيك يلحق طبيعة هذه الجهات التي تمنح الجوائز، ولجان تحكيمها. استخدام منهج نظرية المؤامرة هنا يعد محاولة "غتيته" لسلب المبدع الحاصل على الجوائز مشروعية تفوقه الإبداعي المكرم.

إن الإبداع في مجالات الفكر، والسياسة، والاستثمار، والأدب، والفن، وبقية ضروب العمل المدني، يتوجب أن يكون دافعا لمزيد من التنافس المشروع في سودان الحاضر، والمستقبل. وحركة الإبداع هي كذلك في كثير من الأحيان، إذ إن الذين يستخدمون طاقة الحسد قلة ضعيفة الأدوات. ولذلك يفشلون في اللحاق بالمبرزين في هذه المجالات، ومع الزمن يبقى ما ينفع الناس في الأرض والزبد يذهب جفاءً. والذين يثقون في قدراتهم الإبداعية المتطورة على الدوام يقابلون تحدي منافسة الآخرين بمزيد من محاولات تطوير القدرات المعرفية. وذلك عبر دراسة الأسباب التي قادت إلى نجاح الآخرين، وبذل مجهود مضاعف في التثقيف الموسوعي، وتطوير التخييل الفني، والصبر على إنضاج الإنتاج بدلا من السرعة، والتعويل على الكيف في النشر لا الكم، وامتلاك فضيلة التواضع. واعتقد أن الساحات جميعها تقبل كل المبدعين بتفاوت درجات إبداعهم، وتنوعهم، وأساليب فنهم. والاحترام المتبادل بين الأستاذين محمد الأمين ووردي كان نموذجيا بقدر غيب الحسد، إذ استعاضا عنه بغيرة محمودة للتنافس، والذي أوجد "زاد الشجون" و"الطير المهاجر". والعملان ترجمة حقيقية لإمكانية أن يسهم الإبداع الجميل لشخص في شحذ الطاقة الإبداعية لشخص آخر. والمستفيد الأكبر هو المجتمع. ولعل مثل هذا النموذج موجود بكثرة وسط المبدعين الذين يكبحون جماح الحسد بالرغبة في مجاراة جماليات الآخرين بكثير من المثابرة، ومقاومة سخائم النفس.


[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1649

التعليقات
#1349723 [لاعن الحسد]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2015 08:17 PM
"انهم سود النيه"

[لاعن الحسد]

#1349721 [لاعن الحسد]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2015 08:05 PM
صدقت

[لاعن الحسد]

#1349707 [سمسم]
0.00/5 (0 صوت)

10-05-2015 07:21 PM
شكوت إلى صديق عزيز مشكلة أن ما من شخص أحسنت إليه وقدمت له خدمة ثمينة إلا وطعنني في ظهري.. وقلت له كأني شعرت بأن البعض الذي يأتيك للمساعدة وتساعده بأريحية يذهب ونفسه مشحونة عنك لأنه ينظر إلى مساعدتك له بأنك تفوقت عليه وبدلا من أن يقول مثلا "هذا الإنسان آثرني على نفسه وقدم لي هذه الخدمة" تجده يقول "والله هوان يا زمان آخر الزمن بقينا نطلب مساعدة فلان ابن علان؟!"
فقال لي صديقي إنها ظاهرة شاملة الآن.. وحكى لي طرفة بأن ليلة القدر جاءت إلى شخص في السودان وقالت له أطلب ما تتمنى.. وأي شئ تتمناه نعطيك إياه ونعطي جارك مثله مرتين! فقا لها الرجل "عليك الله قدي لي عيني دي"!!!!!!!!!

[سمسم]

ردود على سمسم
European Union [السفير] 10-06-2015 11:27 AM
والله دا الحاصل معاى بالضبط ....صدقت.


#1349530 [الشبــــــح كاسبر]
5.00/5 (1 صوت)

10-05-2015 01:27 PM
والله يا أخي لم تقول إلا الحق والنصيحة

جارك بالحيطة حاقد عليك ولا يريد لك خير

عندي جاري يوذن في الناس بالصلاة ويؤمهم وبمجرد خروجه

من المسجد لاعمل له غير النظر إلى النساء وإغتياب الناس

كنت اعمل في وظيفة حكومية ولكن تأمر علي رئيسي في العمل فتركته

ووصلت إلى قناعة تجنب اي شي يجمعك مع السودانيين عمل او ونسه

اسمهم سودانيين لسواد نيتهم وقلوبهم وليس سواد جلودهم

اللهم اخرجني من هذا السودان الظالم اهله

[الشبــــــح كاسبر]

ردود على الشبــــــح كاسبر
European Union [issa] 10-06-2015 04:52 PM
i have same experience with stpid sudanese, specially Gazeira peopl

[العمرابي الخطر] 10-06-2015 12:20 PM
اييييييييييييييييييه ليك يا وطني..

الله يخلي لينا المغتربين , محافظين على الادب و الاخلاق و حسن النية..

اما ود البلد حاقد و حاسد

European Union [السفير] 10-06-2015 11:29 AM
صدقت والله حسد لدرجة المبالغة....وناس مريضة والحسد ليس له علاج.

European Union [لاعن الحسد] 10-05-2015 08:14 PM
صدقت يا صديق ، يجب ان يسمون "سود النيه" مثل البشير وزمرته وليسوا "سودانيه" كما يسمون انفسهم. لعنهم الله



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر تفاعلاً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش







الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة