الأخبار
أخبار إقليمية
فتحي الضو : لم أستغرب في زمن الانحطاط المعرفي أن تصبح كلمة بروفيسور ودكتور تنافس كلمة "يا حاج"
فتحي الضو : لم أستغرب في زمن الانحطاط المعرفي أن تصبح كلمة بروفيسور ودكتور تنافس كلمة "يا حاج"
فتحي الضو :  لم أستغرب في زمن الانحطاط المعرفي أن تصبح كلمة بروفيسور ودكتور تنافس كلمة


"أجوب شوارع الخرطوم كل يوم"
10-28-2015 01:20 AM
أتخيل سعادة مفترضة من قبل القراء بهذه المقابلة، فقد قدر لها أن تكون مع ضيف حرمنا منه لزمن طويل، لظروف وملابسات قاهرة.. عن نفسي أمضيت زمنا طويلا لكسر طوق هذه العزلة بعزم وصبر، عل براعمها تتفتح في صحيفتنا (اليوم التالي).. لم أشتك من عسر كبير لولا أن صاحبها لديه تحفظه المعلوم من الإجابات المبتورة.. لم أستسلم فلقد ركضت ملء أنفاسي لأتمها وأزفها عروسا عبر هذه السطور، فهي مقابلة من النوع النادر؛ بإجاباتها بالتأكيد.. هنا فتحي الضو؛ يزور الخرطوم على صدر ورقة بيضاء –طبعاً- ويزينها بالحبر الأسود.. كاتب تملؤه السيرة الذاتية، متى ما حاولت أن تفاجئه بالسؤال عن الثقافة مرة تجد الهناء والشفاء.. لاعب ماهر في مستطيل السياسة بمفرداتها القاسية وسنداتها وشرفائها والمجرمين فيها، تسوره المواقف من كل حدب وصوب كأنه مسبحة متى عددت حباتها المنظومة بلا إفراط.. مفجوع بحب وطنه وشعبه.. لديه جراح وأفراح وابتسامات.. حثيثا اقتربنا من كل أدواته التي يستخدمها في الحياة.. يدنو قليلا من أن يكمل سفره السادس الذي كشف عنه في هذه المقابلة؛ لا قبل ذلك أبداً، ثم تجرى معه هذه المقابلة الأولى طوال سنيه العامرات بالفكر والسياسة والأدب والمؤلفات والأكاديميا، نوستالجي من الدرجة الأولى حينما يتذكر الشجرة، وقرية ود عشيب، وعنيد في نفح لهبه على النخبة بمواقفها واخفاقاتها.. يرقد على سرير من الرفاهية قال إنه لا يحس بها بعيدا عن وطنه.. وهاهو أمامكم.. ينهض عن خزانة ذاتية مملوءة بالقيم والتجارب.. عمل بالصحافة الكويتية بدءاً من أواخر سبعينيات القرن الماضي، وحتى مغادرته الكويت بعد الغزو العراقي في العام 1990. استقر بعدها في القاهرة مواصلاً العمل الصحافي في مكتب صحيفة الوطن الكويتية، إلى جانب مشاركته كمستقل في بدايات تأسيس فعاليات التجمع الوطني الديمقراطي، وبخاصة في مجال الإعلام.. في العام 1993 غادر القاهرة ليفتتح أول مكتب لصحيفة عربية لتغطية منطقة القرن الأفريقي (إثيوبيا، أرترييا، جيبوتي، الصومال، كينيا، يوغندا) من مقره في العاصمة أسمرا. قام بتغطية الحرب الأهلية الصومالية، ثمّ العمليات العسكرية في الجبهة الشرقية بين قوات التجمع الوطني الديمقراطي والنظام في الخرطوم.. قام بتغطية الحرب الإثيوبية الأرتريية الثانية 1998 - 2000 وذلك من الخطوط الأمامية وعلى جبهات متعددة. في العام 2002 غادر أسمرا إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يستقر الآن بأسرته.. أقام العديد من الندوات في كثير من المدن الأمريكية، وبعض المدن الكندية، وبريطانيا، وأيرلندا، والنرويج، وهولندا، والقاهرة.. يرأس حالياً اتحاد الصحافيين السودانيين الأمريكيين بالولايات المتحدة الأمريكية.


فتحي الضو:

* عشت في مهاجر ومناف متعددة على مدى ما يقارب الأربعة عقود زمنية.. سلبتني الديكتاتوريات نصفها
* رغم التنقل ظللت أحمل الوطن بداخلي
* كلما تطاولت غربتي اقتربت من الوطن أكثر
* أرهقتني الذاكرة "الغربالية"
* أنا كاتب أدبي ضلَّ طريقه إلى الكتابة السياسية
* النخب السياسية السودانية انتقائية
* مقولة "الخرطوم تقرأ وبيروت تطبع والقاهرة تؤلف" من أكثر المقولات صدقاً وكذباً في آن
* الصادق المهدي غزير الإنتاج ولكنه قليل التطبيق.. ينسى كل شيء حالما يجلس على سدة السلطة
* بيتي وطن مصغر
* الترابي له نشاط وافر في الكتابة الفكرية لكن تفسدها الميكافيلية
* منصور خالد مفكر ضخم ولكنه لا يطبق ما يقول
* تقديراً لك والقراء الكرام أقول إنني أضع اللمسات الأخيرة لمؤلف جديد أتمنى أن يكون "رسالة غفران"
* أنا من المتابعين والمدمنين على الاستماع للشعراء الشباب بخاصة مجموعة "ريحة البن"
* إذا أردت معرفة الواقع السياسي السوداني فعليك بقراءته ثقافياً.. أما إذا أردت معرفة الواقع الثقافي فما عليك إلا أن تقرأ الفاتحة على روحه

حوار .. حسن محمد علي


* في المفتتح؛ أسأل أولاً عن فتحي الضو الغارق في الملفات السياسية والمهمل لدور المثقف؟
- أعتقد أن هذا استهلال جيد لهذا الحوار، وأشكرك عليه لأنه مستفز ويحرض المرء على الدفاع. لكنني لست بصدد الدفاع بقدر ما أريد إقرار حقائق واقعية. الحقيقة أنني ابتعدت في كتاباتي عن تناول الشأن الثقافي، ولكنني لم أبتعد عن المتابعة والقراءات الثقافية المختلفة. والواقع أنني عندما تمضي عليّ فترة زمنية وتصرفني فيها شواغل الدنيا عن القراءة الثقافية تنتابني موجة اكتئاب وأشعر بعسر هضم لكل ما حولي، ولا أستعيد توازني إلا باللجوء إلى قراءة شتى ضروب الأدب من شعر وقصة ورواية. فأنا أؤمن تماماً بأنك إذا أردت معرفة الواقع السياسي السوداني فعليك بقراءته ثقافياً، أما إذا أردت معرفة الواقع الثقافي السوداني نفسه، فما عليك إلا أن تقرأ الفاتحة على روحه.
* لماذا كل هذا الانحياز الصارخ للكتابة الجامدة ذات الحيثيات والأرقام والمستندات رغم أن الروائيين حققوا مجداً كاملاً بخيالاتهم وكتاباتهم الرفيعة؟
- نعم، لعل جمود الكتابة السياسية ناتج من اعتمادها على لغة الأرقام والمواثيق والوقائع المجردة. ثانياً على المستوى الشخصي، فأنا ولجت باب الكتابة السياسية أصلاً من باب الأدب، حيث كنت أقرض الشعر وأكتب القصة في بواكير حياتي، ومن هذه الزاوية يمكنك أن تقول عني إنني كاتب أدبي ضلَّ طريقه إلى الكتابة السياسية. وأقول ضلَّ لأن الكتابة السياسية ليست إبداعية كما تعلم. وليس تبرؤا مني ولا دفاعاً عن نفسي، بل لعلني أعبر بشكل واقعي عن كل الكُتّاب الذين يتناولون الشأن السياسي، وأقول إن ذلك قدر مفروض علينا. ما الذي تتوقعه من كُتَّاب بلد مضى على استقلاله نحو ستين عاماً بالتمام والكامل، استهلكت منها الأنظمة الديكتاتورية الثلاثة التي جثمت على صدره خمسين عاماً؟. أما عن الجزء الثاني من السؤال فيؤسفني أن أقول إننا نشكوا فقراً مدقعاً في الكُتَّاب الروائيين بدليل أن جائزة الطيب صالح التي ينظمها مركز عبد الكريم ميرغني لم تتلق سوى تسع روايات في مسابقة هذا العام، وبالتالي لا أعتقد أن مقاييس المجد التي ذكرتها تنطبق علينا!
* برأيك هل نحن شعب استهلكته السياسة لهذه الدرجة حتى لم يعد له وقت لخلافها حتى على مستوى المثقفين؟
- نعم. أتفق معك تماماً في أن الشأن السياسي استغرقنا كسودانيين. ما تحادث اثنان إلا وكانت السياسة ثالثهما. ذلك يعود في تقديري إلى أمرين، الأول هو ما ذكرت عن تسلط الأنظمة الديكتاتورية على رقابنا. أما الأمر الثاني فهو يعود إلى البيئة المجتمعية. فالسودانيون شعب منفتح على ثقافات الآخرين وهذا الانفتاح يحتم المتابعة الحثيثة لشؤونهم وفي صدارتها السياسة. لكن أعتقد أنها أصبحت حالة مرضية لن تجد لها علاجاً إلا بتنقيح المناهج الدراسية المختلفة وإصلاح التعليم بشكل عام والعالي بشكل خاص، والاهتمام بالثقافة والفنون، وإطلاق الحريات وأشياء أخرى لن تتوفر إلا في ظل نظام ديمقراطي. ولكن أي ديمقراطية نروم؟ هذا هو سؤال المليون كما يقولون.
* حركة الثقافة السودانية تراجعت بشكل تلقائي هل ذلك نتيجة لتقلبات سياسية أم عدم قدرة على العطاء في أجواء غير مواتية؟
- نعم بالطبع تراجعت والذي تراجع في السودان كثير. أنت تعلم أن الأنظمة الديكتاتورية بطبيعتها عدو للثقافة. ولعل مقولة جوبلز وزير الدعاية في عهد هتلر والتي قال فيها (كلما سمعت كلمة ثقافة أتحسس مسدسي) تعبر تماماً عن نظرة الديكتاتورية للثقافة. لكن دعني أكون منصفاً إذ يمكننى أن أستثني الشعر الذي لم يتراجع بل ظلَّ في تقدم وتألق واضح. وأعتقد أن أمة حداتها أزهري محمد علي ومحمد الحسن حميد ومحمد طه القدال ومحجوب شريف وهاشم صديق وآخرون، لا يمكن أن نحكم على الشعر فيها بالتراجع. وواقع الأمر أنا من المتابعين والمدمنين على الاستماع للشعراء الشباب بخاصة مجموعة (ريحة البن)
* إفرازات الوضع السياسي وانعكاسه على الفعل الثقافي.. بتره أم كبته؟ خنقه أم إتاحة الفرصة أمامه؟
- بالطبع خنقه وهرسه وفطَّسه. دعني أقول لك حقيقة أرددها دائماً وهي أن هويتنا السودانوية ناتجة عن تحالف الجغرافيا والتاريخ. للأسف الشديد لم نستطع استثمار هذا التميز، بل على العكس فالتعدد الثقافي والإثني الذي تتوق له بلدان مثل أمريكا التي أعيش فيها، أصبح مصدر فرقة وشتات وتناحر واستعلاء وحروب في السودان. أعود وأقول إن تلك من أمهات الخطايا التي ارتكبتها الأنظمة الديكتاتورية في حق الشعوب السودانية.
* الحديث عن فشل النخبة السودانية مستمر وكذا إخفاقاتها ومواقفها واستقطابها.. هل انتهى جيل النخب؟
- نعم سيظل الفشل مستمراً طالما أنهم مسؤولون عن صناعة الديكتاتوريات، وطالما بقيت هذه الديكتاتوريات في السلطة بفضلهم. فالنخب السياسية السودانية انتقائية، تجدها دائماً تتمثل بالنماذج السالبة في التاريخ الإنساني. مثلاً أغلبهم لم ير في كل التجارب الإنسانية سوى مقولة المفكر الألماني كارل فون كلاوزوفينتر (الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى) لكنهم لو قرأوا تولستوي أو فيكتور هيجو أو مكسيم غوركي لعرفوا قيمة الحرية وفداحة الحرب. والحقيقة هذا اهتمام مشترك بين الأنظمة ومعارضيها. بدليل أن النظام الحالي ظلَّ يخصص جزءاً مقدراً من ميزانية البلاد للأمن والدفاع على مدى أكثر من ربع قرن. وحتى إن اختلفنا مع برنامجه الأيديولوجي، لو أنه خصص هذه النسبة للخدمات بصورة عامة لكان قد حقق أهدافه وأحدث تغييرا جذرياً في بنية المجتمع، لكن ذلك أشبه بمن يطلب من السماء أن تمطر ذهباً. على الجانب الآخر فالمعارضة دائما ما ترمي بثقلها على الكفة الحاملة للسلاح. حدث هذا مثلاً في تجربة الجبهة الوطنية في يوليو 1976 المفارقة أن النظام الحاكم كان أحد أضلاعها الثلاثة. وحدث هذا في تجربة التجمع الوطني الديمقراطي في أسمرا 1995 وكانت الحركة الشعبية سنده، ويحدث راهناً في تجربة الجبهة الثورية. والحقيقة تتكرر التجارب رغم أنه معروفة نتائجها التي يدفع ضريبتها الرازحون تحت وابل النيران، لكن النخبة لا تكف عن التجارب حتى لو كانت باهظة الثمن!
* في تقديرك أين يكمن الخلل، لماذا الفشل رغم أن هذه النخب مؤهلة أكاديمياً وثقافياً؟
- من أكثر المقولات صدقاً وكذباً في آن واحد، هي مقولة الخرطوم تقرأ وبيروت تطبع والقاهرة تؤلف. صحيح نحن شعب قارئ ولكننا نقرأ للمتعة الذهنية. السيد الصادق المهدي من أكثر السياسيين تأليفاً على المستويين السياسي والفكري، فهو غزير الإنتاج ولكنه قليل التطبيق، ينسى كل شيء حالما يجلس على سدة السلطة. الدكتور الترابي له نشاط وافر في الكتابة الفكرية، لكن تفسدها الميكافيلية التي يتصف بها، لأن الكتابة كما قال ابن خلدون في مقدمته الخالدة (تشذب الأفكار وتهذب النفوس) كذلك الدكتور منصور خالد فهو مفكر ضخم ولكنه لا يطبق ما يقول، فما جدواها إذن؟. أذكر ذات يوم في أسمرا خلال أنس مع الدكتور الراحل عمر نور الدائم، قال لي إن السيد الصادق يوفر عليه قراءة كتاب من 600 صفحة في ست دقائق. وقرأت في حوار مع الرئيس المخلوع جعفر نميري عام 1984 في مجلة التضامن قوله إنه يقرأ أربعة كتب في وقت واحد. وهذا شطط بالنسبة لرئيس جمهورية الذي بالكاد يتوفر له وقت، لكن حتى إن كانت تلك حقيقة فلسوف ينطبق عليه المثل السوداني السائد (القلم ما بزيل بلم)، والحقيقة ما كنت أعتقد أنني سأعيش حتى أعلم أن بعض النخب تطاولت سنواتهم في السلطة ولم يقرأوا حتى آرسين لوبين، وأعرف سياسيين كثرا لم تتعد قراءتهم الصحف والبيانات الحزبية. لذلك فتُطلق الألقاب جزافاً؛ إذ تسمع المفكر والأستاذ لمن لم يصدر مؤلفاً واحداً في حياته. ولذلك نحن كريمون في الألقاب، لم أستغرب في زمن الانحطاط المعرفي الذي نعيشه أن تصبح كلمة بروفيسور ودكتور تنافس كلمة (يا حاج) في ثقافتنا السودانية، وذلك على حد تعبير صديقنا حيدر إبراهيم علي وهو محق بالطبع!
* ماذا تتوقع أرفف المكتبة السودانية من إصدارات جديدة لفتحي الضو؟
- ما كنت أود الإفصاح عن هذا، ولكن تقديراً لك والقراء الكرام أقول إنني أضع اللمسات الأخيرة لمؤلف جديد أتمنى أن يكون (رسالة غفران) وشفيعاً لي في غيابي عن قراء المقالات الراتبة. وكما تعلم فأنا أساساً مهتم بالجانب التوثيقي، وإن سألتني لماذا؟ فسأقول لك لقد أرهقتني الذاكرة (الغربالية) إن جاز التعبير التي نتمتع بها، فالنسيان يعد إحدى صفاتنا السالبة، لهذا تتكرر تجاربنا البائسة.
* الذي يرى عنفوان شخصية فتحي الضو وهو يدخن السيجارة يراها الآن ذابلة.. الغربة أم هو الغبن أيهما تختار في الإجابة؟
- الحقيقة لست ذابلاً، ربما تراءى لك ذلك، فأنا أرى نفسي في قمة عنفوانها الوطني رغم تساقط السنين. فأنا ما زلت أحلم وأعتقد أن تلك مهمة صعبة في زمن وجدنا فيه القابض على وطنه كالقابض على الجمر. عشت في مهاجر ومناف متعددة على مدى ما يقارب الأربعة عقود زمنية، سلبتني الديكتاتوريات أكثر من نصفها، ولكنني رغم التنقل ظللت أحمل هذا الوطن بداخلي وهي المهمة الأصعب. اكتشفت أنه كلما تطاولت غربتي اقتربت أكثر منه. أما الغبينة فلست ممن يتعاملون بها لأنني أمتثل للمثل السوداني القائل (الفشَّ غبينته خرب مدينته).
* أنت من جيل لم يمش كثيراً على شوارع الخرطوم ويشهد تجلياتها الأخيرة بسبب سفرك وغربتك الطويلة.. ماذا تركت لأبنائك من ذكرى وطن؟
- الحقيقة بالمفهوم المعنوي أنا أجوب شوارع الخرطوم كل يوم، طيلة هذه السنوات وأنا أعيش هذا الوطن بكل دقائقه وتفاصيله كل يوم. لدي أربعة من البنين والبنات وجميعهم ولدوا في بلدان مختلفة، ومع ذلك يمكن القول إنني نجحت في تعريفهم بوطن لم يعيشوه ويتعفروا بترابه. لذلك سأكون منصفاً ولا أزعم أنهم يحبونه كما أحبه. فالوطن الذي نتحدث عنه لم يمنحهم شيئاً يذكرهم به، بل على العكس لا شيء يأتي منه يسعد بالنسبة لهم، لا سيِّما وقد ارتبطت الأوطان في أذهانهم بمنطق الحقوق والواجبات. أعتقد أنهم يشفقون عليّ أحياناً من هذا الاستغراق في حضرة من أهوى، ذلك الذي قال عنه الشاعر الراحل محمد الفيتوري (عشقي ينفي عشقي وفنائي استغراق).
* هل هم مدركون الآن لتشكل شخصية سودانية في عوالم بعيدة وأخرى؟.. هل يعرفون الكسرة وزحام المواصلات؟
- بالطبع هم أكثر إدراكاً مني نسبة لوسائل المعرفة التي تلقوها. بيتي وطن مصغر، أستطيع أن أقول إنني حافظت على بيت سوداني مائة في المائة، ليس بمنطق الانعزال عن مجتمع نعيش فيه، وإنما بمنطق أننا نضيف له ثقافة جديدة إلى ثقافاته المتعددة. هذه الثقافة تشمل كل جميل في عاداتنا وتقاليدنا وسلوكياتنا وغالباً ما يكون ذلك مصدر دهشة لمعارفنا من الأصدقاء الأمريكيين أو غيرهم. وللإنصاف فإن زوجتي الراحلة لعبت دوراً كبيراً في كل هذا.
* كيف وجدت الخرطوم في عودتك الأولى بعد غياب دام سبعة عشر عاماً؟
- سُئل الأديب جيمس جويس بعد عودته من منفاه الاختياري في فرنسا: كيف وجدت إيرلندا؟ فقال وهل غادرتها؟ هذه بالضبط نفس مشاعري في العودتين. الأولى التي ذكرتها كانت في العام 2006 بعد سبعة عشر عاماً، لم أشعر بالدهشة التي تتلبس الناس في مثل هذه المواقف، ذلك لأنني كنت مهموماً برؤية الإنسان وليس العمران. أما الزيارة الثانية فقد كانت في مناسبة غير سعيدة لا أذكر منها شيئاً علق بالذاكرة.
* ما الذي اختفى من الشخصية السودانية حتى الآن برأيك في تقلبات العولمة وظهور عوالم الرقمية والهواتف الذكية؟
- هذا سؤال كبير ومهم جداً. المجتمع السوداني ظلَّ في حالة تحولات جذرية، كلنا نعلم أنه في ظلّ الأنظمة الديكتاتورية تظهر المشاعر السالبة من حقد وحسد ومقت وكراهية ونفاق وأنانية واستعلاء وهلموا جرا. هذه التحولات لا تحتاج لمثقفين حتى يرصدوها وإنما تحتاج لمتخصصين في علم الاجتماع. سألت أصدقاء عن عدد الكليات الاجتماعية في الجامعات السودانية، ارتد إليّ سؤالي وهو حسير. عندما رفع النظام الحالي شعاراً نازياً ومستفزاً سماه (إعادة صياغة الإنسان السوداني) ارتعدت فرائص الدنيا كلها إلا نحن لم نول المسألة الاهتمام المطلوب، وكانت النتيجة المؤلمة أن النظام نجح في صياغة البعض وفق مفهومه الأيديولوجي، وهذا ما نرى محصلته في التغييرات العنيفة التي طرأت على المجتمع ويختصرها الناس بالقول المندهش (والله الناس اتغيروا..) من جهة أخرى، نعم الهواتف الذكية قربت المسافات، ولكنني منزعج جداً من سوء استخدام البعض لها، فما لمثل ما نراه صنعت هذه الوسائل.
* ألا تحن لجلسة في مدينة الشجرة تستعيد بها بعضا من أيام ماضية وزمن جميل؟
- الحنين – النوستولوجيا – هو جزء من مكونات الشخصية السودانية، لذلك تجدها رغم كثافة الهجرة وتطاول سنواتها لم تندمج بشكل كامل في المجتمعات التي تعيش فيها. أنا بالطبع لا أستثني نفسي من هذا الحنين الذي يجرفني ويغمرني ليل نهار. أنا ولدت في الحماداب التي يطلق عليها أيضاً الشجرة وأحن لتفاصيل الحياة فيها وهي رغم مدينيتها وقربها من الخرطوم إلا أنها ما زالت تتمسك بأخلاق القرية السودانية. وبالقدر نفسه أحن لنصفي الآخر وهو قرية ود عشيب في الجزيرة، وأظن أنني من خلال الاثنتين معاً توسلت حب هذا الوطن العظيم.

الحلقة الاولي من الحوار نشرت اليوم في صحيفة اليوم التالي

- - - - - - - - - - - - - - - - -
تم إضافة المرفق التالي :
IMG_106650344236438.jpeg


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 7929

التعليقات
#1362324 [saeed]
0.00/5 (0 صوت)

10-29-2015 10:54 AM
منصور خالد مفكر ضخم ولكنه لايطبق مايقول" ! !

فى حوار صحفى مع نميرى بعد الانتفاضة سأله الصحافى عن رأيه فى منصور خالد_ وكان يبتغى

ان يرد نميرى على الهجوم العنيف الذى كاله له فى كتبه_ رد عليه نميرى : انه رجل كفؤ

شغل كل المواقع التى كلَف بها بجداره . لقد صدق الرجل فقد شهد السودان الهيبه والكفاءة التى وسمت وزارة الخارجية حينما تقلدها منصور , فقد رأى الناس لاول مرة

مفهوم الدبلوماسية والتنمية ماثلا وتحول السودان الى ورشة عمل وقبلة للمستثمرين ثم

برزت صروح اقتصاديه وعمرانية هائله لم تتكرر منذ الاستقلال , دعك جانبا اسهامات الرجل فى اللجنه الدولية للبيئة وفى اليونسكو وغيرها. الان هو خارج السلطة , كيف

له ان يطبق مايقوله الان ؟ وهل مطلوب من المفكر ان يطبق افكاره او ان يكف عن التفكير؟

[saeed]

#1362063 [ali hamad ibrahim]
5.00/5 (1 صوت)

10-28-2015 07:45 PM
أخى الحبيب فتحى
تحية من قلب مهموم ومكلوم وشكرا على هذه الطلة الندية.

على حمد ابراهيم

[ali hamad ibrahim]

#1361996 [ود النوبة]
0.00/5 (0 صوت)

10-28-2015 04:44 PM
هنالك بروفسور في جامعة السودان يعطي الدكتوراة مقابل هدايا وكل اللذين يحملون درجة الدكتوراه اذا سألتهم عن البحوث التي حصلوا عليهافي الدكتوراهلا يفهمونها
شيئ عجيب و لم اذيد علي ذلك

[ود النوبة]

#1361896 [عمر الياس]
5.00/5 (3 صوت)

10-28-2015 01:10 PM
سلام عليك ايها الغالي الذي نحبه كحبه لوطنه و آآآآه من جرح وطني

عمري لم يتجاوز ال40 و بنهاية هذا العام اكمل عشرين عاما من الغربه و ما امرً علي من يحب وطنه ان يعيش اجمل سنين عمره بعيدا عن وطنه و اهله و ترابه... قرأت بالامس مقالا لمولانا سيف الدوله بعنوان والدي حمدنا الله عبدالقادر .. هل أخطأت في غيابي عنك !! و حبست دعومي بصعوبه شديدة رغم ما اعرفه عن نفسي من جلد فقد علمتني الغربه كيف احبس دموعي و ان الله مع الصابرين... لم استطيع التعليق علي مقالة مولانا و افكر في السفر اليه معزيا و مواسيا و ارجو الله ان يرفع قدمي اليه...

جدد هذا اللقاء مع الاستاذ فتحي الضو مشاعر الحسرة و الالم المكبوت في الدواخل رغم التظاهر بالصبر و الجلد و انا اقرأ كلماته التي تعبر عن وجدان السواد الاعظم من السودانيين الذين يعيشون في بلاد المهجر و الذين يعيشون غربه داخل وطنهم السودان!!!

احيك يا من حملت حب الوطن في فؤادك و ارجو الله ان يمتعك بالصحة و العافية و طول العمر حتي تري ما يسرك في حضرة من تهوي!!!

احيانا اصاب بالاكتئاب لسطحية بعض التعليقات التي تدل علي ما ذكره الاستاذ في هذا اللقاء من انحاط في الثقافة و اتساءل احيانا هل هي فعلا سطحية في التفكير و قصور في الفهم و الادراك ام هي شي مقصود الهدف منه اضافة الم الي من نحن فيه من الم و من هذه التعليقات التعليق الاتي:

-----------------------------------------------
#1361687 [Kokab]


"لم أستغرب في زمن الانحطاط المعرفي أن تصبح كلمة بروفيسور ودكتور تنافس كلمة "يا حاج"

مقارنة غير موفقة على الاطلاق تنم عن انحطاط اخلاقي وافلاس معرفي و عدم احترام للمقداسات الاسلامية.
ماذا تعرف عن الحج يا هذا؟ الحج يدخل الجنة. ان شاء الله الدكتوراة تدخلك الجنة.

------------------------------------------------

من المعروف عندنا نحن السودانيين اطلاق كلمة حاج علي من في مرتبة العم و الجد لدرجة هنالك من يقولها لوالده --يا حاج--

استدلال الاستاذ بذلك و استعارتها في سبيل كثرة هذه الشهادات في زمن الانقاذ من غير قيمة او فائدة تٌرجي من حاملها اي اصبحت دكتور فلان مثل حاج فلان الذي لم يحج اساسا...

المعلق فهم و الفهم قِسم ان الاستاذ استخف ب لقب حاج... تحج في قرعة يا هذا!!!

[عمر الياس]

ردود على عمر الياس
[ابوكدوك] 10-28-2015 07:57 PM
احسنت اخى :

واسال الله ان يرد غربتكم جميعا، فليس هناك احن وادفا من حضن الوطن

بلادى وان جارت على عزيزة .. واهلى وان ضنوا على كرام

لك وللاخ فتحى الضو التحيه و خالص الود والعرفان .


#1361687 [kokab]
1.25/5 (5 صوت)

10-28-2015 08:52 AM
"لم أستغرب في زمن الانحطاط المعرفي أن تصبح كلمة بروفيسور ودكتور تنافس كلمة "يا حاج"

مقارنة غير موفقة على الاطلاق تنم عن انحطاط اخلاقي وافلاس معرفي و عدم احترام للمقداسات الاسلامية.
ماذا تعرف عن الحج يا هذا؟ الحج يدخل الجنة. ان شاء الله الدكتوراة تدخلك الجنة.

[kokab]

ردود على kokab
[جاااااهل بدرجة امممممى] 10-29-2015 02:25 AM
كلام حلو جدا....ادخلوها براااااكم الجنة....انا داير ادخل النار....تحجوا فى جبل اعور...وانتو البتحجوا عندهم ديل صهاينة يا حاج

[يا خبر بفلوس] 10-28-2015 11:32 AM
وردك يا كوكاب ينم عن استفزاز معرفي واحساس بدونية معرفية رهيبة اعانك الله للتخلص منها .. الرجل جاء بكلمة يا حاج من باب التناول الشعبي الاجتماعي ولم يدر بخلده اطلاقا البعد الاسلامي لكلمة يا حاج وهذا واضح في وضعها بين الاقواس اذ صارت ترادف يا عم ويا خال .. اما اتيانك بالوصف (انحطاط اخلاقي ) فلا يسعني الرد عليه لانه غريب ومنفر ويوافق رد الاخ فتحي عن تقاعس الاجتماعيين للتحولات التي تمت في الشخصية عند البعض وليس الكل والا قل لي ما معنى ذلك في خضم محاورة رجل معروف عنه اهتمامه بالامور السياسية الثقافية وتناول الظواهر الاجتماعية المصاحبة لها ان ترميه بالتردي الاخلاقي اسال الله لك المعافاة من المرض كما اسلفت .. واخيرا اختلاف الراي السياسي لا يجب ان يفسد الود والتحابب بين ابناء الوطن الواحد الا من ابى واراك عصي على التجاوب مع هذا طالما انت ارتضيت ان يكون هذا ردك ولا حول ولا قوة الا بالله

[المتجهجه بسبب الانفصال] 10-28-2015 10:23 AM
النداء بصيغة( يا حاج) لاعلاقة له بحج أو عمرة ،،،،، يخاطب بها كبار السن حتى وإن لم يحجوا أو يعمروا ،،،، اشتقاق دارجي سوداني خاص معلوم مقصده فلا تقحم المقدس في الموضوع،،، والنية زاملة سيدها،،، ولك خالص الود

[طائر الفينيق] 10-28-2015 10:02 AM
+ الكاتب لم يقصد ماذا ذهبت اليه في تفسيرك الحرفي للعبارة.. وهي عبارة منقولة من كلام الدكتور حيدر.. وكلاهما لا يقصد ما ذهبت اليه !!

+ المقصود هو شيوع الكلمة.. خاصة أن كلمة يا حاج في السودان لا تعني بالضرورة من ذهب للحج.. فنحن نستخدمها أحيانا كثيرا لكبار السن مثل كلمة يا عم !!

+ المعنى المقصود واضح من السياق.


#1361666 [الكاره للعنصرية]
5.00/5 (1 صوت)

10-28-2015 08:40 AM
متعك الله بالصحة والعافية فتحي الضو

[الكاره للعنصرية]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة