الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
سلام عبدالعزيز: ليس على الرواية أن تعلمنا الأخلاق
سلام عبدالعزيز: ليس على الرواية أن تعلمنا الأخلاق
سلام عبدالعزيز: ليس على الرواية أن تعلمنا الأخلاق


11-06-2015 01:41 AM

حين تقرأ للروائية السعودية سلام عبدالعزيز روايتها الأخيرة “دحرجة الغبار” الصادرة مؤخرا عن دار الساقي ببيروت تدرك أنك أمام روائية محترفة طوّرت من أدواتها السردية، وعمّقت شخوصها الروائية، وفضاءات اشتغالها مقارنة بعملها الأول “العتمة” الصادرة عام 1996، إذ تتناول بذكاء مناطق حساسة من أمراض المجتمع المزمنة من تعصب وطائفية واستبداد وذكورية. غير أنك سرعان ما ستتفاجأ بأن اسم سلام عبدالعزيز ما هو إلا اسم مستعار تختبئ خلفه صحفيّة وإعلامية محترفة حاصلة على ماجستير في الإعلام والعلاقات العامة. “العرب” التقت الكاتبة للحديث حول تجربتها الروائية وهموم المثقفة السعودية، وعن قضايا أخرى.

العرب زكي الصدير

بدأت سلام عبدالعزيز الكتابة في القصة والشعر، في سن مبكرة باسمها الصريح عائشة السالم، وعملت في الصحافة بذات الاسم. وبعدها بسنوات كتبت باسم مستعار وهو سلام عبدالعزيز، لأسباب عائلية، ورغم أن هذه الأسباب تلاشت حسبما ذكرته لـ”العرب”، إلا أن وفاءها للجهد، ولتعب السنين، ولكفاحها، ولتشبثها بالغد وبالحلم، فضّلت أن تبقي على اسمها المستعار.

استعارات القبيلة

هذا الموقف من العائلة (القبيلة) كان محتاجا إلى شيء من التفصيل والتوضيح من سلام، فهيمنة القبيلة والأعراف والتقاليد، والخوف من ردود فعل المجتمع أمام سيرة الأبطال المسكونة بالإيروتيك والاعترافات الجسدية في روايتها كانت سببا لتغيّب الاسم الحقيقي، وتختبئ عائشة السالم خلف اسم سلام عبدالعزيز، تماما، كما حصل مع تجربة الروائية السعودية صبا الحرز في رواية “الآخرون”، أو كما جرى مع طيف الحلاج في رواية “القران المقدس”.

عن ذلك تحدّثنا سلام عبدالعزيز: لأكون أكثر دقة في توصيفي، إذ ربما كانت عبارة “لأسباب عائلية” ظالمة، ذلك أن الله منحني أروع عائلة في الدنيا، هذه العائلة هي أكبر وأجمل حقيقة في وجودي، أتحدث عن القلوب غير المزورة، القلوب التي لا تنطفئ، لا تعرف النفاق ولا الغدر، هؤلاء هم أهلي. مضمون كبير لا يعوضني عنه شيء في الدنيا. وبخلاف النظر عن تجربة صبا أو “القران المقدس”، القضية ليست ما أكتب، لأنها في نفس الوقت أتفه وأبسط من ذلك بكثير. القضية فكر مجتمع يرى في اسم المرأة المتداول ما يخدش شيئا ما في الداخل. ولاحظ، أنا أتحدث عن فكر مجتمع وفترة زمنية قبل أكثر من عشرين عاما.

تتابع ضيفتنا: في ذلك الزمن، ركنت إلى عقلانيتي، كنت واعية بأن الكتابة هي توقي المشتعل، هي إضرام النار في صدري، ودونها أنطفئ وأغدو بلا روح، وبالتالي، ولدت “سلام”، كان ذلك في بدايات المرحلة الجامعية. انظر أين أنا الآن؟ وأي شوط من حياتي قطعته؟ هناك عمر حافل، وهناك ذات أخرى تنسج في أعماقنا دون تقصد منا، وسلام هي ذاتي التي تمددت في شرايين عمري وهي حقيقتي. هذا من جانب، ومن جانب آخر نسيجي الداخلي شفاف، يربكه الضجيج ويفقده سلامه، أنا لا أطيق الأضواء وإني منسجمة مع عزلتي وعالم البسطاء من حولي.

الرقيب المسكوت عنه

مناخات الرواية الخليجية عموما، والسعودية على وجه الخصوص محكومة بالرقيب السياسي والاجتماعي والديني، فتتسع أسئلتها وتضيق وفق فضاء هذا السقف. وروايتا “العتمة” و”دحرجة الغبار” مهمومتان بمنطقة محرمة، وتشتغلان على ملفات مثل حقوق المرأة، والعلاقة بين السنة والشيعة، والطائفية، إلى آخره. الأمر الذي يجعل من الرقيب وسقوفه همّا وعبئا لدى الكاتب الحر. عن ذلك تقول سلام عبدالعزيز: سقف الرقيب لا يشكل لي همّا، فرقيبي الداخلي أشدّ ضراوة، في رواية “العتمة” مثلا، كنت أتحدث عما هو كائن لرغبتي في ما يجب أن يكون. أخذني الحماس للفكرة، وغيب عني العمل على تطوير أدواتي وتمكني منها، عدا في جانب اللغة، كنت أدرك حساسية حركة المشرط الذي أتحرك فيه وأنا أخوض في منطقة ملغومة كالسنة والشيعة، لكني أدرك غنى اللغة، اللغة حياة، من المهم أن أعرف المفردة التي تغني هدفي دون أن يجد الرقيب لي ممسكا.

الرواية تغوص في ملفات حساسة


تجسد سلام بوضوح في رواية “دحرجة الغبار” التي اقتبست عنوانها حسبما ذكرته من قصيدة للشاعر إبراهيم الشمر، صوت المرأة المنكسرة المخذولة المسحوقة، المرأة التي أرادت أن تصرخ باسم جميع النساء، وتعبّر عن مدى ما يشعرن به في مجتمعاتنا المحافظة المحاصرة بسلطة الرجل والدين والقبيلة. وترى سلام بأن القضية الحقيقية في هذا الشأن هي قضية الحرية وكرامة الإنسان دون خطاب مزدوج من قبل المثقف. تقول “حسنا، رغم تمتع المرأة اليوم بكثير من الحقوق، لكنها تظل مصبا للظلم الاجتماعي، بالنسبة إليّ إن الأهم هو الفكر، النظرة التي يتساوى فيها المثقف مع غيره، عندما يتحدث عنها بمنطق تقدمي، لكنه يراها في داخله بذات الفكر الرجعي”.

وفي سؤال حول رأي بعض القراء الذين يرون في سلام عبدالعزيز الروائية الأخلاقية المسكونة بالدفاع عن المجتمع وعن فضيلته وعن معيارية الصواب والخطأ تجيب ضيفتنا بأنه: ليس على الرواية أن تكون معلمة أخلاق، لأنها انعكاس للحياة بكل متناقضاتها، انعكاس للواقع، يجمله، ولا يزوّره. وكي يستطيع الأدب التواصل مع الناس، عليه أولا أن يمثلهم، بصورة يشعرون معها أنهم أمام بشر من لحم ودم. ربما جاء هذا الاعتقاد لكون الشخصيات في رواية “العتمة” فيها الكثير من الطهرانية، وربما أيضا خانتني بكارة التجربة في أن أجعل شخصياتي تتحرك بحيوية، وتعبر عن بواطنها، حين أعدت قراءتها بعد سنوات، ذعرت من جهلي وبكيت، كان ينقصني الفهم والقدرة المعمارية والبناء المشدود لأتجرّأ على كتابة رواية. ولا يزال هذا الشعور يراودني، رغم أني في “دحرجة الغبار” كنت أكثر اقترابا من شخوصي، وكانت بدورها أكثر اقترابا من الواقع.

عن انعكاسات الربيع العربي على ثقافة الجماهير في الشارع ترى سلام أننا لم نخرج من عنق الزجاجة بعد، وتقول: إن ما حدث زلزال كبير فوق مستوى استيعاب الإنسان العادي، كما أن الحدث أبعد من الثقافة، الثقافة تقول “انزعوا السلاح”، والمثقف شاهد مؤثر، عجز أصحاب القرار عن مدّ جسر للتواصل بينهم وبينه، فكيف سيؤدي دوره وهو عاجز عن الكلام؟ كما رأينا، لا توجد تجربة ناجحة في هذه الثورات، طالما أنها لم توظف لإسعاد الناس،، فهي قاصرة عن إحداث تغيير فعلي.

وعن قراءتها للمشهد السعودي وانقساماته بعد الربيع العربي تعتبر سلام أن الحياة بطبيعتها سياسة، والفارق بين كاتب وآخر هو في الوعي، قد تتبدل أنظمة فجأة، لكن تبدل الناس يكون أبطأ، ويحتاج إلى زمن طويل، لأنك هنا تتعامل مع إرث فكري، وبيئات، وحمولات تراكمية عبر التاريخ.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 756


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة