الأخبار
أخبار إقليمية
حول مفهوم الدولة وأنواعها وتعاطى كل نوع مع القضايا المصيرية للسودان - الشريعة الإسلامية مثالاً (4-4) .
حول مفهوم الدولة وأنواعها وتعاطى كل نوع مع القضايا المصيرية للسودان - الشريعة الإسلامية مثالاً (4-4) .
حول مفهوم الدولة وأنواعها وتعاطى كل نوع مع القضايا المصيرية للسودان - الشريعة الإسلامية مثالاً (4-4) .


11-15-2015 11:32 AM
حسين أحمد حسين،

توطئة
سيتناول هذا المبحث مفهوم الدولة المتعلق بتوصيف ما تقوم به من مهام، كما أنَّه يتطرق لأنواع الدولة؛ الدينية منها والعلمانية والمدنية. وسننظر فى ميراثنا من كل نوع، وكيف أجاب كل نوع على أسئلة السودان المصيرية خاصةً تلك المتعلقة بالشريعة الإسلامية.
مفهوم الدولة
الدولة هى: "حزمة الأجرآءات القانونية والمؤسسية المعبرة عن مجتمع بعينه، على بقعة أرض بعينها، بالكيفية التى تُكسبها إعترافاً دولياً وسيادةً على تلك البقعة من الأرض" (لنستحضر ولادة دولة الجنوب - رغم قيصريتها - حتى نتبيَّن تعريف الدولة). وهذا التعريف البسيط يخضع بالطبع لشروط التشكل الإقتصادى الإجتماعى والتى تُفَسِّر لنا صيرورة الدولة ومسيرة نضجها منذ ولادة الحاجة إليها قبل نحو 10 ألف سنة حتى يوم النَّاس هذا.
وبالطبع هذا المفهوم هو التعريف العلمى الذى يستخدمه أىُّ نوع من أنواع الدولة (دينية، علمانية، مدنية) لإنجاز الحقوق والواجبات المتبادلة بينها وبين مواطنيها. وبعبارة أخرى هذا التعريف يُمثل الشروط العلمية لإنجاز مهام الدولة فى أىِّ مكان، وعلى أىِّ دين/لا - دين كانت. كما أنَّ الدولة بهذا التعريف ليست معصومة من التعاطى مع معتقدات النَّاس. بل إنَّها تتأثر بمعتقدات شعبها وتؤثِّر فيها، فى إطارٍ من الجدل الحميم والمحتدم. ويجب ألاَّ يتوقع السياسى الناضج إجابة سهلة على عواقب إقحام الدين فى الدولة أو فصله عنها؛ فالمخاض طويل. والمهم فى كل ذلك هو أنْ تتعاطى الدولة مع معتقدات شعبها بالطريقة التى لا تخل مطلقاً بالحقوق الأساسية لكافة مواطنيها، وأن تتعامل معهم على قدمِ المساواة.

فيما بعد المُفكِّر نُقُد: الدولة المدنية وحل القضايا المصيرية (تطبيق الشريعة مِثالاً)

من الواضح أنَّ ثمةَ مشكلة بالنسبة لكلِّ نوع من أنواع الدولة حينما يكون الحديث عن المعتقدات بشكل عام، والحديث عن معتقد الأغلبية ومعتقد الأقلية على وجه الخصوص، كما أنَّ للدولة الدينية مشكلة أُخرى متعلقة بالحرية والديموقراطية. والجدير بالذكر هنا، أنَّ الثلاثة أنواع للدولة تُقِر بالتنوع الثقافى، والإثنى، والدينى، واللغوى فى السودان. وبالرغم من هذا الإقرار، إلاَّ أنَّ المشرعين المعنيين بقضايا السودان المصيرية فى إطار كلِّ دولة من الدول الثلاث، يلجأون إلى حلول غير متناغمة مع هذا التنوع وفوق ذلك تعسُّفية. بمعنى آخر إنْ جاءت الأغلبية للسلطة عمَّمَتْ معتقدها على حساب المعتقدات الأخرى، وإن جاءت الأقلية للسلطة تعسَّفت على نحوٍ ما على دين الأغلبية.

تعريف الدولة المدنية

الدولة المدنية هى: جملة الإجراءات القانونية والمؤسسية المُتَوَصَّل إليها ديموقراطياَ، أىْ وِفق دستورٍ ديموقراطىًّ مُنبثقٍ عن عقدٍ إجتماعىٍّ مدنىٍّ جامعٍ معبِّرٍ عن إرادة المجتمع بكل تنوعاته؛ وغير خاضعة لتأثيرات القوى الإجتماعية فى ذلك المجتمع ولا لأيديولوجياتها ولا لنزعاتها؛ مهمتها إنجاز الحقوق والواجبات المتبادلة بين الدولة المدنية والمجتمع فى إطار دولة مواطنة ديموقرادية؛ وتتعامل مع تنوعات ذلك المجتمع بالطريقة التى لا تخل مطلقاً بتلك الحقوق والواجبات لكافة المواطنين؛ وأن تتعامل معهم على قدمِ المساواة بلوغاً لمرحلة الثورة الوطنية الديموقراطية – بلوغاً لاستدامةِ الديموقراطية.

وتأسيساً على ما جاء بعاليه، فإنَّ الإطار المعرفى للدولة المدنية هو الثورة الوطنية الديموقراطية؛ بمعنى آخر بدون النزوع نحو الثورة الوطنية الديموقراطية، فإنَّ الدولة المدنية لن تتنزل إلى أرض الواقع. وكما سيجئ لاحقاً، فإنَّ الأساس المادى للثورة الوطنية الديموقراطية هو إتزان معادلة الإنتاج (عمال/قوى حديثة + رأسماليين/إنتربِرينيرز + (...) = الإنتاج/العملية الإنتاجية/الثورة الوطنية الديموقراطية فى نهاية المطاف)؛ أى ديموقراطيتها. ولن تكون معادلة الإنتاج هذه ديموقراطية فى غياب تنظيمات المجتمع المدنى الممثِّلة لفئات هذه المعادلة؛ وعلى سبيل الحصر أعنى غياب حزب للعمال والقوى الحديثة فى السودان.

محددات الدولة المدنية

يمكننا من التعريف الوارد أعلاه، ومن مقالة د. أحمد زايد (دكتور أحمد زايد: "ماذا تعنى الدولة المدنية"، الشروق الألكترونية، 26 فبراير 2011) أن نعيِّن محددات الدولة المدنية وأركانها التى إنْ غاب أحدها إنزلقَ مفهوم الدولة المدنية إلى الدولة الدينية أو العلمانية.

1- من أهم محددات الدولة المدنية هو رغبة المجتمع فى الخروج من البوهيمية إلى الحال المدنى، بالتوافق على عقد إجتماعى يشمل كافة قطاعات المجتمع، ويتحوَّل فيما بعد إلى دستورٍ دائمٍ مُعبرٍ عن إرادة ذلك المجتمع وإجماعه، فى صورة مؤسسات وقوانين لا تطالها تأثيرات القوى المجتمعية أيَّاً كان مصدرها: الفرد أو الجماعة أو الطائفة أو المذهب أو مجموعات الضغط، غايتها تنظيم الحياة العامة وحماية الملكية الخاصة وتنظيم العقود وشمولية تطبيق القوانين على كافة أفراد المجتمع دون إستثناء لذى جاهٍ أو سلطان.

2- من أهم سمات الدولة المدنية هى أنَّها "دولة القانون" التى تحتاج إلى القضاء المستقل والمؤسسات الأُخرى التشريعية والتنفيذية المستقلة، وذلك لضمان إرساء المبادئ العدلية وشموليتها. ولعلَّ "أهم سمة من سمات دولة القانون هى ألاَّ تخضع حقوق الفرد فيها لأىِّ إنتهاك من قِبَل أى طرف آخر، وذلك لأنَّ سُلطة الدولة دائماً حاضرة وهى فوق سلطة الأفراد، ويلجأ إليها كل أفراد المجتمع حينما تُنتهك حقوقهم أو تكون قابلة للإنتهاك" (المرجع أعلاه).

3- من سمات الدولة المدنية هى تنامى الوعى المدنى والعقيدة المدنية التى تنبنى على "السلام والتسامح وقبول الآخر واحترام خصوصياته والمساواة فى الحقوق والواجبات والثقة فى عمليات التعاقد والتبادل المحتلفة". وهذه القيم تمثل ما يُطلق عليه "الثقافة المدنية" وهى ثقافة تخلقها إستدامة حكم القانون والديموقراطية، أىْ إستدامة الثورة الوطنية الديموقراطية، وهى تقوم على مبدأ الإتفاق والتراضى، وتعززها أعراف وأنساق عديدة غير مدونة تمثل عصب الحياة اليومية للمواطنين (وما أعظم هذه الأعراف والأنساق عند أهل السودان)، تصوغ لهم "مبادئ التبادل القائم على النظام لا الفوضى، وعلى السلام لا العنف، وعلى العيش المشترك لا الفردى، وعلى القيم الإنسانية العامة لا الفردية ولا المتطرفة".

فالثقافة المدنية تخلق من المواطنين نشطاء مثقفين مدنياً (شباب شارع الحوادث ونفير مِثالاً) يعرفون ما لهم وما عليهم، ويساهمون بفعالية فى تحسين ظروف مجتمعاتهم، بحيث يرتقون بوعيهم المدنى بشكلٍ مستدام، ويُمجِّدون كلَّ ما هو "عام، كالأخلاق العامة، الصالح العام، الملكية العامة، المبادئ العامة، ويحرصون دائماً على كل ما يتصل بالخير العام" (المرجع أعلاه).

4- من سمات الدولة المدنية أنَّها "دولة مواطنة"، يُعرَّف الفردُ فيها "تعريفاً قانونياً إجتماعياً على أنَّه مواطن (بدون ألقاب) فى المجتمع له حقوق وعليه واجبات يتساوى فيها مع جميع المواطنين. وإذا كان القانون يؤسس فى الدولة المدنية قيمة العدل، وإذا كانت الثقافة المدنية تؤسس فى الدولة المدنية قيمة السلام الإجتماعى، فإنَّ المواطنة تؤسس فى الدولة المدنية قيمة المساواة والقيم الإنسانية جميعها" (المرجع أعلاه).

5- ومن أهم سمات الدولة المدنية ومحدداتها هى الديموقراطية، وهى بالتالى الصمام الذى يمنع أخذ السلطة بالقوة والغصب بواسطة "فرد أو نخبة أو عائلة أو أُرستقراطية، أو نزعة أيديولوجية". إنَّ الديموقراطية هى سبيل الدولة المدنية الوحيد لتحقيق كلِّ ما هو عام، "كما أنَّها هى وسيلته للحكم العقلانى الرشيد وتفويض السلطة وانتخابها وتداولها سلمياً. إنَّ الديموقراطية تتيح التنافس الحر الخلاَّق بين الأفكار السياسية المختلفة للمواطنين، وذلك بما ينبثق عنها من سياسات وبرامج مكرسة لتحقيق المصلحة العليا للمجتمع، ويكون الحَكَم النهائى لهذا التنافس هو الشعب؛ لابصفة شخوصه، ولكن بما يطرحونه من برامج وسياسات" لتحقيق أهداف معادلة الإنتاج (المرجع أهلاه).

فالديموقراطية تُزَكى الثقافة المدنية التى تَرْقى بالمجتمع وتحسِّن ظروفه المعيشية. ولا تتحقق الديموقراطية إلاَّ بمزيدٍ من الديموقراطية؛ أىْ "بقدرة الدولة المدنية على خلق مناخ عام للنقاش والتبادل والتواصل الإجتماعى بين المجموعات المدنية المختلفة والآراء المختلفة وغيرها. ويشمل هذا المناخ العام فى المستوى الجزئى الجماعات الفكرية والأدبية والروافد الثقافية، ويتدرج ليشمل الجمعيات الأهلية والمنتديات والمؤتمرات العامة، وصولاً إلى النقاشات التى تدور فى أروقة النقابات وجماعات الضغط ومنظمات المجتمع المدنى الأخرى والحركات الإجتماعية والأحزاب السياسية".

هذا المناخ العام يجب أن يكون مستقلاً ومدنياً وغيرَ مُحَرَّضٍ بالأيديولوجيا، ليكون بمستطاعه القدرة على طرح الفهوم والأفكار بشكل ناضجٍ وحرٍ ونزيه. وبالتالى هذا المناخ العام هو الذى يُحرِّض المجتمع على ابتداع الأساليب المدنية النوعية فى التثاقف العام والتواصل الجمعى، ويخلق من الحوارات المتنوعة والمتباينة فُسيفساء مدنية مُقترنة بالهم العام. "ويتأسس هذا المناخ المدنى العام بالفعل التواصلى الحوارى الذى يقوم على إحترام أفعال الآخرين وأفكارهم ومعتقداتهم والإستجابة إليها بشكل مدنى عقلانى من غير فوضى أو رفض" (المرجع أعلاه).

موقف الدولة المدنية من الشرائع الدينية والإحيائية (الشريعة الإسلامية مثالاً)

لا تقوم الدولة المدنية بمعاداة الدين (أىِّ دين) كما كان الحال على عهد الدولة العلمانية الإلحادية فى الأتحاد السوفياتى السابق. كما لا تسمح الدولة المدنية باستغلال الدين لمصلحة دنوية وبالتالى تجرح قُدُسِيَّتَهُ وتستهزء به كما تفعل الدولة الدينية فى السودان وغيره من الدول. ولا تتسربل الدولة المدنية بدِين أغلبية ولا بدين أقلية كما هو الحال فى بعض نماذج دول العلمانية السياسية كبريطانيا. ولكنَّ الدولة المدنية تؤكد على أهمية الدين كجزء لا يتجزأ من منظومة الحياة المدنية، وكقيمة إيمانية روحية بالغة التأثير فى حياة النَّاس ومعزِّزة لجوهر الثقافة المدنية من جهة كون أنَّ الدين هو "الداعم الأهم للأخلاق والحاض على الإستقامة والإلتزام لا سيما فى الشئون التعاقدية؛ بل هو عند البعض الباعث على حب الخير للنَّاس والإخلاص فى العمل والنجاح فى الحياة عموماً".

إذاً، فالدولة المدنية لا تتسامح مطلقاً مع إستخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، وبالتالى تحويله إلى موضوع خلافى وجدلى وإلى تفسيرات تُسئ إليه وتبعده عن عالم القداسة وتدخل به إلى عالم المصالح الدنيوية الضيقة الزائلة. فالدين فى ظل الدولة المدنية ليس أداةً للسياسة تُجيِّرُهُ أنَّى شاءت لتحقيق مصالحها، ولكنَّه بالمقابل فهو أسمى القِيم فى الفضاء المدنى، وتتطور علومُهُ وفهومُهُ بقوة الفكر ومنطقه الداخلى القويم؛ بعيداً عن منطق التطرف والعنف الذيْن لا يُسمح بهما البتة فى إطار الدولة المدنية.

وبهذا الفهم فإنَّ الدولة المدنية لا تتعامل مع الأديان (الشريعة الإسلامية) بالمنطق المتعسف التى تمارسه دولة العلمانية الإلحادية أو الدولة الدينية، ولكنَّها تلجأ إلى التخيير كقيمة مدنية ديموقراطية محقِّقة لشروط المواطنة. وبالتالى من حق المواطن (أى مواطن) أن يختار نوع القوانين التى يود أن تُطبَّق عليه (لؤى هاشم، مناقشاتنا حول الأغلبية والأقليِّة، 2013)؛ سواء أكانت قوانين دينية (شريعة إسلامية) أو وضعية، ويجب أن تُسجَّل فى سجلِّه المدنى ويحويها رَقْمُهُ الوطنى. كذلك فإنَّ الدولة المدنية تكْفُل له الدخول تحت الشِّريعة والقانون الذى يُريد، وتكْفُل له الخروج منهما متى ما شاء تحت ضوابط تكفل إحترام المعتقدات فى الحالتين وتراعى ضوابطها وحجتها.

ولعل فضيلة التخيير المدنية هذه ستُساعدنا فى تجاوز مأزق الدولة الدينية المتاجِرة بالأديان، والتى تود أن تفرض قوانينها الدينية بمنطق الإكراه، ومنطق الأغلبية والنخبوية والأُرستقراطية. كما يُساعدنا ذلك التخيير بالنفاذ بالعبارة الحصيفة التى أوردتها دولة نُقُد المدنية "لا تخضع المعتقدات لمعيار وعلاقة الأغلبية والأقلية" إلى غاياتها؛ وهى حرية الإعتقاد، إحترام المعتقدات، حرية الإنتقال بين المعتقدات، وتحرير المعتقد من عسف السياسة وتركه للفضاء المدنى.

نعم ربما تكون هناك مشكلة فى ذهن المشرِّعين متعلقة بكثرة الشرائع وكثرة القوانين، ولكنَّها فى نهاية المطاف تعبِّر عن تنوعنا بشكل مدنى ديموقراطى خالى من التعسف والإكراه والجبرية، ويجب أن يكون الدستور الدائم للسودان معبِّراً عن هذا الواقع أيضاً. كما أنَّ تتعدد القوانين وتعدد الشرائع وما يُصاحبُها من الحرج العقدى الظاهرى عند البعض (ومن لم يحكم بما أنزل الله)، أهون على النَّاس من أن يكون التعسُّف سبباً فى حروب وفتن لانهاية.

لقد جرَّب السودان العسف والحَيْف منذ الإستقلال إلى يومِ النَّاسِ هذا، وكانت النتيجة فُرقة أبناء الوطن الواحد، واحترابهم الدائم وانفصال جزءٍ مهم من بلدهم، وبُغِّضَ إليهم كلُّ ما هو دينى. فلماذا لا نجرِّب التخيير؟ فبدلاً من أنْ تُطبَّق علىَّ الشريعة إكراهاً كما تفعل الإنقاذ الآن، فلتُخيِّرُنى الدولة بمسلك مدنى ديموقراطى (وهنا تسقط صفتها الدينية والعلمانية القُحَّة معاً) فى القوانين التى أحب أنْ تُطبَّق علىَّ: قوانين الشريعة الإسلامية (المسيحية واليهودية وغيرها)، القوانين الوضعية، أو أى قوانين أُخرى. وهنا تظهر عدد من الحقائق التى لا يراها العاسف ولا المعسوف عليه فى إطار الدولة المدنية:

1- ستتبدَّى للنَّاس لِأَوَّل مرة سماحة الشريعة الإسلامية فيكثر أتباعُها، أو وجاهة القوانين الوضعية فيزداد أنصارها. وإذا كان اللهُ عزَّ وجلَّ مُتِمَّاً نوره ولو كَرِهَ الكافرون، فَفِيمَ الخشية من التخيير؟ هل هى حيطة وحرص من الحاكم إذا لم يُكره النَّاس على الشريعة فإنَّ النَّاس سيهجرون دين الله؟ هل هى خشية من الله لأنَّ الحاكم طبَّقَ شرائعَ أخرى إلى جوار شرع الله؟

ونقول على العكس، النَّاس يهجرون دين الله بسبب القدوة السيئة التى تستخدم الدين كغطاء للفساد والإفساد، وبسبب الإكراه أكثر مما لو خُيِّروا. ولن يكون عدد المطبقين للشريعة الإسلامية على أنفسهم بشكل إختيارى أقل من الآن بأىِّ حال من الأحوال؛ بل على العكس سيتضاعفون.

إذاً تطبيق الشريعة بهذا الطريقة الشائهة المتعسِّفة لا يخلو من الأغراض السياسية والإقتصادية، وفى ذلك تشويهٌ للدين، وطمس لمقاصده السمحة، وعلى النَّاس أن يعملوا بكلَّ ما أوتوا من حصافة فكرية لمنع هذا العبث بالأديان السماوية والإحيائية من قِبَلِ المستهزئين بها وردِّ قدسيتها لها.

2- سينتقل النَّاس من أُفقِ الأيديولوجيا الدموى إلى أُفقِ المناخ المدنى الخصيب الذى تنشط فيه حرية الفكر المحرَّضة بالعقل الحر والتفكير الحر بغرض إنتاج المعرفة الدينية، وتطوير الفكر الدِّينى وإخراجه من حالة التكلُّس التى هو فيها الآن. والجدير بالذكر أنَّ الشريعة الإسلامية لم تُنْعَتْ بالسمحاء، إلاَّ لأَنَّ مِضمارَها هو الفِكر الحر المتأتى من التخيير. ولم تتطور الشريعة الإسلامية عبر قرونها الطِوال إلاَّ لأنَّ أهلَها أكثرُ إشتغالاً بالسلطان من الإشتغال بالفكر، وكما جاء بعاليه أنَّ معظم الذين أهتموا بالفكر الدينى هم مسلمو الهامش من خارج جزيرة العرب.

3- وفى إطار الدولة المدنية لن يُسمح بأى نوع من أنواع العنف الدينى أو الثقافى أو الإثنى أو اللغوى، أو العنف الأيديولوجى/السياسى/الإقتصادى أو الجسدى أو اللفظى المُجيَّر لخدمة أى شرخ فى البناء المدنى، وسوف يُفسح فقط للفكر الحر والتفكير الحر ليكونا مُدْخَلَيْنِ مُهِمَّيْنِ فى مجال المعرفة المعلومة - الأدوات فى إطار الدولة المدنية. وبهذه الكيفية سيكون بالإمكان حل كل مشاكل السودان المصيرية بأُفقِ الدولة المدنية ذى القدرة الحقيقية على حماية التنوع فى البيئة السودانية الغير متوفرة لدى الدولة الدينية والدولة العلمانية معاً. وبالتالى فى إطار هذا الأفق المدنى يمكن ان يعود الجنوب، ومن ثم نسعى إلى آفاق جديدة من التماسك والإستقرار والإنطلاق نحو مستقبل مزدهر.

4- فى إطار الدولة المدنية، ستنتهى حالة النفاق الدينى وتطبيق الشريعة على الفقراء دون الأغنياء، وسيُحاسب النَّاس بالشرائع التى اختاروها ومضمنة فى سِجِلِهِم المدنى ورقمهم الوطنى، ولا مجال هناك للمحاباة والمحسوبية فى إطار القضاء المستقل والسلطات الأخرى المستقلة. وليس ثمة خوف فى أن يقل عدد النَّاس المناصرين للشريعة ولا توجد أىُّ أرضية لذلك؛ فالمسلم المُحَقِّق لن يتراجع عن تطبيق الشريعةِ عليه فى إطار الدولة المدنية أو فى غيرها. بل على العكس، فيومئذٍ ربما نجد كثيراً من أعضاء الجبهة الإسلامية القومية سيختارون قوانين غير قوانين الشريعة الإسلامية لتُطبق عليهم (وربما غادروا السودان إلى بلدان لا تُطبَّق فيها الشريعة الإسلامية من الأساس)، طالما أنَّهم يتحايلون على تطبيقها على أنفسِهم الآن ويُطبقونها على الفقراء فقط.

ومن هنا يجب أن يعلم الجميع أنَّ الإنقاذ ترفض الدولة المدنية؛ لا لأنَّها "إسم دلع" للعلمانية وقد جاء بها الشيوعيون كما تروِّج الإنقاذ وقد فنَّدنا ذلك فى المقلات السابقة، ولكن لأنَّ الشريعة الأسلامية حينما تكون فى يد القضاء المستقل فى إطار الدولة المدنية، ستُطبَّق على الوجه الأكمل وسوف تطال أهل الإنقاذ أجمعين قبل غيرهم على حسب إفادة د. حسبو عبد الرحمن الذى قال: "كلُّ أعضاء حزبه فاسدون". كما أنَّ تطبيق الشريعة الإسلامية إذا خرجَ من يدِ الإنقاذ الفاسدة إلى يدِ القضاء النَّزيه المستقل فى إطار الدولة المدنية، فإنَّ دولة الإنقاذ الدينية سوف تُحْرَم من أهم عنصرين من عناصر برنامجها الأيديولوجى "الإسلام هو الحل"، وهما النِّفاق والمتاجرة بالدين، وسوف تقف عارية من أى نوع من أنواع الأخلاق.

5- حينما تكف الدولة عن حشر أنفها سلباً فى طريقة تدين النَّاس وإثنياتهم وثقافاتهم ولُغاتهم، تخمد الفتن والحروب القائمة على أساسها، وتتحول ميزانية الحرب بالنسبة للدولة إلى ميزانية مواطنة؛ ميزانية مدنية تخدم إيجاباً ذات التنوع الدينى والإثنى والثقافى واللغوى.

6- فى إطار الدولة المدنية (دولة المواطنة والديموقراطية) ستكون البرامج الحزبية ملحمة من التنافس على كيفية خدمة المواطنين، وستكون مُكرَّسة لعكس إستحقاقاتهم من حقوق المواطنة وواجباتها بما يخدم التوازن فى العملية الإنتاجية (عمال/قوى حديثة + رأسماليين/إنتربِرينيرز = الإنتاج/العملية الإنتاجية/الثورة الوطنية الديموقراطية) ولن تكون مكرَّسة للأنا السياسية أو الأيديولوجية أو الإثنية أو الجهوية أو اللغوية أو لمطامع فردية؛ فالكلُّ رابح فى ظل الدولة المدنية وبشكلٍ ديموقراطى.

خاتمة

على الشعب السودانى ألاَّ يرضخ لسايكلوجية المقهور وأن ينتبذ هذه الماشوسية، وأن يدلف إلى فضاء التخيير - الفضاء المدنى، ويختار القوانين التى يود أن تُطبَّقَ عليه ويكون مسئولاً عن تلك الخيارات، وأن يُغيِّرَها متى ما يشاء. وأقول لكلِّ مسلمى السودان الذين يريدون أن تُطبَّقَ عليهم الشريعة الإسلامية السمحاء: إرفضوا تطبيقها من قِبَل الإنقاذ وجبهتها المسماة زوراً وبهتاناً بالإسلامية، لأنَّها غير مؤهَّلة أخلاقياً لتطبيقها، واطلبوا تطبيقها من قِبَل الدولة المدنية حيث القضاء المستقل والنزيه الذى يتعامل مع الضعيف والشريف على قَدَم المساواة.

وسنُثبِتُ لكل العالم أنَّ الذين سيختارون الشريعة الإسلامية فى ظل الدول المدنية – فى ظل التخيير سيزداد بكل المقاييس. وسنثبِتُ له أيضاً أنَّ الجبهة الإسلامية القومية هى من يخاف من تطبيق الشريعة لأنَّها غارقة إلى أُذنُيْها فى الفساد والإجرام، ولأنَّها كثيراً ما طبقتها على الفقراء وأعفتْ منها أنصارها، ولأنَّها تحتكر تطبيقها على هؤلاء الفقراء باحتكارها للسلطة وعدم تداولها مع جهات ومؤسسات أكثر عدلاً ونزاهة.

إذاً، فالشعب السودانى لن يخاف من تطبيق الشريعة لأنَّه لم يقتل، ولم يسرق ولم يفسد، بل أنتم من يخاف تطبيقها وبئس المصير.

حسين أحمد حسين،
باحث إقتصادى مُقيم بالمملكة المتحدة.





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2283

التعليقات
#1465981 [طه على]
0.00/5 (0 صوت)

05-25-2016 12:05 AM
حسين احمد حسين في مقالك حول مفهوم الدولة المدنية وجدت هذه الجملة " وبالتالى من حق المواطن (أى مواطن) أن يختار نوع القوانين التى يود أن تُطبَّق عليه (لؤى هاشم، مناقشاتنا حول الأغلبية والأقليِّة، 2013)؛ سواء أكانت قوانين دينية (شريعة إسلامية) أو وضعية، ويجب أن تُسجَّل فى سجلِّه المدنى ويحويها رَقْمُهُ الوطنى. "ما موقف القصر ومن هم في حكمهم"غير الراشد" من ذلك؟؟

[طه على]

#1370735 [ابو سعد]
5.00/5 (1 صوت)

11-16-2015 04:12 PM
ونقول على العكس، النَّاس يهجرون دين الله بسبب القدوة السيئة التى تستخدم الدين كغطاء للفساد والإفساد، وبسبب الإكراه أكثر مما لو خُيِّروا. ولن يكون عدد المطبقين للشريعة الإسلامية على أنفسهم بشكل إختيارى أقل من الآن بأىِّ حال من الأحوال؛ بل على العكس سيتضاعفون.

ده كلام صاح

[ابو سعد]

ردود على ابو سعد
[حسين أحمد حسين] 11-17-2015 02:39 AM
ابو سعد تحياتى،
وصحَّ منك البدنُ والروح.


يعنى ببساطة؛ ضعيف يسرق ليأكل نقيم عليه كل حدود الله، وربما قبل وصوله لمرحلة إقامة الحد عليه، يكون مجتمع الإنقاذ البوهيمى (فى غياب دولة القانون) قد أقام عليه "حد الشطة".

أما ذلك اللص الشريف (وما أكثر هذه العينة فى ظل نظام ما يُسمى بالجبهة الإسلامية القومية) فأقصى عقوبة من الممكن أن تُطبَّق عليه هى أن يتحلل، أو يستأجر أحداً يُقام عليه الحد بدلاً عنه؛ كما فعل نائب تشريعى البحر الأحمر الذى ضُبِطَ يتفحش مع أربعِ نُسوةٍ فى نهار رمضان المعظم وهو بعد مُحصن بأربع.

هنا يحِقُّ لكل فرد أن يهجر الدين أو يكرهه. ولكن فى إطار دولة مدنية، فهذا لن يحدث بالمرة. لأنَّ وقتها الشريعة والقانون الذى اخترتَه سيُطبق عليك بمهنية عالية، وعدل لانهائى.

وفى هذا الأثناء، إذا خُيِّر المواطن بين الشريعة وغيرها، فكل الأعداد الذين طُبِقتْ عليهم الشريعة بذلك الشكل الشائه سيبقون على دينهم الذى بدأت تتبدَّى سماحته الآن. وكثيرون آخرون سيتركون القوانين الوضعية تأثيماً لا - إكراهاً هذه المرة.

وباشتغال الناس بالفكر البصير (لا السيخ)، وبتعلم النَّاس للدين الصحيح القويم يصبحون قدة لغيرهم، وبالتالى كثيرٌ من النَّاس سيدخل الإسلام (لقد أسلم الناشر الإنجليزى لكتب الطيب صالح، دون أن يدعوه الطيب صالح للإسلام مُطلقاً؛ لكنها القدوة الحسنة. وإذا أسلم ناشرٌ، فمن المحتمل أن يسلم العديد من قرائه).

مع خالص الود.


#1370165 [الكجور الأسود]
5.00/5 (1 صوت)

11-15-2015 03:53 PM
أعجبتني الفقرة أدناه:

1- ستتبدَّى للنَّاس لِأَوَّل مرة سماحة الشريعة الإسلامية فيكثر أتباعُها، أو وجاهة القوانين الوضعية فيزداد أنصارها. وإذا كان اللهُ عزَّ وجلَّ مُتِمَّاً نوره ولو كَرِهَ الكافرون، فَفِيمَ الخشية من التخيير؟ هل هى حيطة وحرص من الحاكم إذا لم يُكره النَّاس على الشريعة فإنَّ النَّاس سيهجرون دين الله؟ هل هى خشية من الله لأنَّ الحاكم طبَّقَ شرائعَ أخرى إلى جوار شرع الله؟

ونقول على العكس، النَّاس يهجرون دين الله بسبب القدوة السيئة التى تستخدم الدين كغطاء للفساد والإفساد، وبسبب الإكراه أكثر مما لو خُيِّروا. ولن يكون عدد المطبقين للشريعة الإسلامية على أنفسهم بشكل إختيارى أقل من الآن بأىِّ حال من الأحوال؛ بل على العكس سيتضاعفون.

[الكجور الأسود]

ردود على الكجور الأسود
[حسين أحمد حسين] 11-17-2015 01:38 AM
الكجور الأسود،
تحياتى.

شكراً على الإطلاع على الأُطروحة، وتشكر أيضاً على ما أعجبك فيها.


كل الود.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة