الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
الفأر.. صديقي الأول
الفأر.. صديقي الأول
 الفأر.. صديقي الأول


11-22-2015 01:17 AM


المرأة تكتب نصوصها الإبداعية باشتباك أول مع الخوف، ثم تتقمص وجع الأشجار حين تتمطى روحها الخضراء في الخشب المحترق.


ميدل ايست أونلاين

بقلم: جواهر رفايعة

أول الكلمات كانت الخوف

الكارثة الأولى بدت لي أمرا مصيريا، معجزة أن أكبر ولا أصبح خرساء! كن يجتمعن حول أمي، نساء كثيرات، صاحباتها وجاراتها وقريباتها، ويدور الكلام، كلام كثير ومتشابك، وكنت لا أعي منه شيئا، أنا ابنة الخامسة، كنت أدرك فقط أن ثمة قصصا طويلة تتسلى بها النسوة مع أمي.. قصص لم أعرف لها بداية ولا نهاية، قصص جديدة كل يوم، وكنت أتساءل بيني وبين نفسي.. من أين يأتين بكل هذا الكلام، كلام كثير ومتشابك.. يدور ويدور!

رأسي يدور بحروف متلاصقة صغيرة وكبيرة ويصخب بكلمات متقاطعة وجمل متناثرة، سألت أمي: عندما أكبر من أين سآتي مثلكن بكل هذا الكلام! هذا ما كان يؤرقني، فالأمر كان بالنسبة لي آنذاك إما أنني سأصبح خرساء، أو أنني سأتقن كل هذا "الحكي"، لا خيار ثالث كان أمامي، كأن المسالة كانت مسألة حياة أو موت، يا للطفولة! كيف ترتب مفاهيمها على أساس: ألعب أو لا ألعب، من غير توقف وبكثير من التصميم.

في الصف الأول الابتدائي تعقدت المشكلة كثيرا، تعلمت الورق والقلم، تعلمت أن أكتب على اللوح الأسود كلمة كبيرة "فأر" أول الكلمات التي حفظت، أول أصدقاء الكتابة كان الفأر.. التقيت به هناك، على سبورة الصف الأول، كتبته المعلمة بخط واضح على سواد الحائط، ونسخت حروفه مرات عديدة على دفتري، فأر كبير، فأر صغير، فأر مذعور وآخر بشع، بارتجافات أولى عبأت الصفحة بالفئران.

اكتأبت بالكلمة الأولى التي أخطها على دفتري، وتمنيت أن تكون دراستي كلها بهذه السهولة... فأر فقط، أولهم كان وآخرهم أيضا.

أحتفي به الآن برهبة يقرض الذاكرة وينتفخ بطنه ليستحيل جرذا مقززا.

فأر الدراسة أعرج الحبر، يقفز من الورق المهتريء ويقضم بهجة حروفي، ويخطط لائحة حريتي بلعابه اللزج، يتذوق نسيج شجري ويلوب بلحسه بشهية، ينخر تماسكه ثم يدعي زورا وبهتانا تسوس خشبي.

أول الكلمات كانت الخوف، ذلك الفأر الذي ظل يلف لعابه خيوطا حول أصابعي، خيوطا مرتبكة مذعورة مرعبة ومرعوبة.

أول اشتباكاتي في الكتابة كانت مع الفأر الصغير، امتدت بي إلى اشتباكات كثيرة مع الحياة، معي، ومع غيري أيضا.

في الصفوف الابتدائية الأولى كانت تسلية المعلمة الوحيدة هي النسخ، كانت تتسلى بوقتنا وبأمية أحلامنا، تلك التي تستعيرها من صفعة عاجزة، ترفع رأسها مربكة بشرودها ونحني رؤوسنا الصغيرة لنكتشف مجبرين سر الخطوط، كانت الصفحة الأولى هي رغبتي في التصالح مع الكتابة، نسخت الدرس المرة الأولى، والصفحة الثانية كسرت بها بغموض لا أعرف الآن دافعه أوامر المعلمة وانتقمت منها، نسخت كلمات غير مترابطة ولا علاقة لها بالدرس، كلمة من هنا وكلمة من هناك، كلام كثير ليس له بداية ولا نهاية، تذكرت به لغو النساء اللواتي كن يجتمعن مع أمي واكتشفت لحظتها أن قلمي ليس أخرس، وأن أعماقي تضج بالأصوات، أعماقي أيضا ليست خرساء، إنما كان يشي بها صمت الحزن وهزيمة الثرثرة.

على هذا الاكتشاف فاجأتني الكتابة "على تلك الشاكلة ظهرت النار يا جدنا! ذات مرة ظهر في الهور حيوان كالثور، وقف هناك ونظر إليه الناس بذهول: التمع، وتوهج وأطلق ضوءا كثيرا وعلى حين غرة عاد من حيث جاء. حاولوا أن يقذفوه بالسهام، غير أن السهام اشتعلت دون أن تؤذيه. رجل حكيم، جد قديم أدرك ما كان يريده الثور فقال للناس: لقد حان الحين وسيتحقق ما يعرفه، ما يريده هو أن تجمعوا طعامكم والصوان والحطب ليحترق بها، أخذوها له، فانغمر في اللهب.. على تلك الشاكلة ظهرت النار يا جدنا".

على تلك الشاكلة ظهرت نار "فلور جاردونو" وعلى تلك الشاكلة.. شاكلة البحث عن تميمة تفك عقدة لساني لتعطيني ملامح صوتي وتشحذ صوان يدي.

انغمرت في لهب الكتابة!

نظرت إلى أقدامنا.. أقدام الناس، وجدت أننا نمشي على الحياة حفاة تماما وأن لكل منا أثارا خاصة ترسم خطواته على تلك الحياة، نظرت إلى أعماقي فابتهجت، سوف أكتب آثار خطوتي!

سوف أعيد "للشجر روحه التي تتمطى في احتراق الخشب" وأسبق الخضرة المستعادة.

عندما كنت صغيرة قالت إحدى "الفتاحات" لأمي إنني سأصبح خياطة، فرحت أمي، ربما لأن أقصى أماني النساء أن يصبحن خياطات لكنني لم أخط ملابس من خيوط وقماش، إنما أنا أخيط مسودات أحلام وهوامش لحزن، ولفرح، وخرابيش مخبأة بمشاريع أسرار، أخيط نبضي ونبض الآخرين، أخيط مرارة العالم من غير هزيمة، لا بد من هزيمة تستدرجني إلى الذهول، والذهول يستدرجني إلى المرارة، والمرارة تأخذني إلى اكتشاف الحب، والكتابة هي المرارة، وتلك الهزيمة، وذلك الذهول وذلك الحب.

كانت إبرة الخياطة كثيرا ما تخز أصابعي، وكثيرا ما كانت تنكسر عندما أحاول أن اخترق بها قماشا خشنا، كانت تنكسر وكنت أنكسر، لكنني سرعان ما كنت أستبدلها بواحدة أصلب.. وأعود أرمم داخلي من جديد.

كنت أعرف أن للإبرة تقلباتها ومزاجها الخاص، لها لحظات قوة، ولحظات ضعف، حالات حزن أو فرح، تكره وتحب أيضا. فاللإبرة خوفها وتحسباتها على الرغم من أن لها رأسا موجعا مؤلما.

ولي أيضا ما كان لها من مزاج! لكنها أكثر جرأة مني وأكثر جرحا! عندما سئلت أكثر من مرة عن دافعي في كتابة القصة ولماذا تتجه النساء غالبا إلى كتابة القصة دون الشعر أو الرواية قلت: إن القصة فن التفصيل الذي يليق بالمرأة، أو لم يكن حلم المرأة فيما مضى أن تصبح خياطة ملابس! لأن ثمة تفصيلا سيتشكل.

المرأة تعشق الخلق فهي تفصل الحياة وتشكلها في رحمها، وهي تفصل الدفء على قياس أجسادنا، وتفصل الكلام على مقاس أحلامنا.

أكاد أرى نفسي تدخل في باب ضيق جدا وتخرج، هكذا تتكرر الكتابة ويمتلئ البياض، البياض المحايد الذي يفسح حياده للسواد المحايد الذي يلغي ما عداه، أعرفني حين اجتاز الضيق إلى الرحابة كفأر يدخل من جحر ضيق، كيف رجعت إلى الفأر، يا لذاك الفأر الكتابي كيف يرافقني كصديق أحيانا، وككابوس أحيانا أخرى!

أعرفني، وقد تكفلت كلماتي بما لم أتخيل من الأوهام والأحلام المؤجلة، تكفلت بمنحي السعادة والألم معا، أتحايل بهما على الحياة!


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 819


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة