الأخبار
منوعات سودانية
كسلا.. هل تشرق شمسها؟!
كسلا.. هل تشرق شمسها؟!
كسلا.. هل تشرق شمسها؟!


11-29-2015 08:11 PM
كسلا: بهاء الدين عيسى


قبل عقدين من الزمان كانت مدينة كسلا الساحرة ملهمة في الشرق تضم مقومات لجذب السياح أحد الموارد الرئيسة للاقتصاد المحلي، كيف وهي- وقتئذ- عاصمة الإقليم الشرقي، لكن المشهد- الآن- صار قاتماً وكئيباً؛ بسبب تردي الخدمات، وصار الآلاف من العرسان يعبرونها نقطة إلى حين إكمال إجراءات سفرهم من إدارة جوازات كسلا في الطريق نحو العاصمة الإريترية أسمرا؛ لقضاء "شهر العسل"، والترويح عن أنفسهم- بمعنى أن فرص الجذب للسودانيين أنفسهم انعدمت تماماً، رغم توفر الطبيعة الساحرة لهذه البقعة، والجبال شاهقة، والأجواء الملائمة، البنى التحتية لا ترتقي لاستقبال الزائرين، والطرق تحتاج إلى إعادة تأهيل، والخدمات الصحية دخلت- أيضاً- في غرفة الإنعاش مع المرضى، وصحة البيئة متردية، أما الفنادق، ووسائل الترفية، فحدث ولا حرج، لكن عبقرية الإنسان تفوقت على حكومة الولاية؛ عندما نجح المواطنون في تأسيس منتزه يعد من أجمل المعالم السياحية، وهو منتزه توتيل على سلاسل جبال التاكا.
طريق وعر
الطريق إلى هناك لم يكن سهلا أو معبداً بالورد، الشارع على مقربة منه في حي الختمية بمدينة كسلا وعر وقد لا تستطيع التحرك فيه بسهولة لو لم تكن من أبناء الولاية، في باب منتزه توتيل هناك بائع تذاكر الدخول، وعند وصولي على مقربة سألته كم الرسوم؟، وقال لي بلغة أهلنا هناك "بس أربعة جنيه بسيطة مش"، ضحكت، وبرفقتى مدير مكتب (التيار) في كسلا حامد إبراهيم، ثم دخلت إلى المعلم الذي يشار إليه بالبنان، تحركت بصعوبة على الصخور لأتمكن من رؤية كل المعالم هناك، كان الرواد اغلبهم من سكان مدينة كسلا، الذين يجدون توتيل متنفسا لهم في ظل ضغوط العمل حتى الفقراء الذين تتجاوز نسبتهم 35 في المئة ورغم المعاناة يحرصون على الترفيه هنا.
أقاويل وأساطير
تُعرف بـ "بئر توتيل"، كثُرت حولها الأقاويل والأساطير؛ إذ يظنّ كثير من السودانيين أنّ لتلك البئر مفعولاً مشابهاً لماء "زمزم" في الحرم المكّي، وأنّ غرفة ماء منها يمكن أن تشفي من الأمراض، وتحمي من الحسد، والسحر؛ لذا يتبارك كثيرون بها، ويشربونها حتى الارتواء، وهي تمنح التلة التي تنبع منها اسمها وشهرتها وبركتها، إذ تجذب المتزوجين لقضاء شهر العسل، والميسورين للاستجمام، والسائحين لإشباع فضولهم، وفضول عدسات كاميراتهم، وهواتفهم الذكية.
وأخذت ولاية "كسلا" اسمها من تلك الجبال التي تميزها؛ إذ تعني كلمة "كسلا" ظلّ الجبل بلغة البداويت، إحدى قبائل المنطقة.
رواية عمدة كسلا
يقول العمدة معتصم بابكر أحمد جعفر عمدة مدينة كسلا: (إن المدينة بشكلها الحديث نشأت قبل ثلاثة قرون؛ نتيجة لحاجة روحية كغيرها من المدن والقرى السودانية الأخرى، ويضيف أن ذلك يعود إلى القرن الثامن عشر؛ عندما سكن فيها رجل من شيوخ الصوفية الصالحين، ألا وهو السيد الحسن الميرغني الكبير (أبو جلابية)، الذي نزل على سفح جبل التاكا الأشم في العام 1820م قادماً من منطقة بارا بكردفان التي وصل إليها هي الأخرى من مكة المكرمة، وعندما أقام السيد الحسن في هذا المكان الذي عرف فيما بعد بحي الختمية بدأ الناس والقبائل يفدون إليه من كل حدب وصوب؛ مما ساهم في تكوين مدينة كسلا بشكلها الحديث، ودفع بالأتراك إلى إقامة حامية عسكرية فيها.
ويتابع العمدة "ما قام به السيد الحسن بعد قدومه هو بناء مسجده الذي شيده على أحدث طراز، على أيدي أمهر المهندسين في ذلك العهد، حتى أتى بصورة زاهية جميلة، وأصبح مدفنا للسادة المراغنة، وفيه- الآن- ضريح السيد الحسن الكبير، وأبنائه، وأخوانه، فيما يقول: بعد دخول قوات المهدية في عهد الخليفة عبد الله التعايشي تعرض المسجد إلى تخريب متعمد، حتى بعد أن عاد السادة المراغنة، وزال العهد المهدوي، لم يتم إصلاح ما دمرته المهدية، وبقي المسجد على ما هو عليه- ربما- ليظل عبرة وتذكرة لما تعرض له السادة المراغنة من امتحانات).
تجارة الأناتيك
التقيت ببائع الأناتيك سليمان محمد طاهر، وتبادلنا الحديث، سألته هل تقوم بصنع هذه الأناتيك الجميلة؟، أجابني قائلا: لا، يقوم بتصنيعها أحد العمال المهرة من أبناء كسلا، لكن الله حباني بمهارة تطورت رويداً رويداً فأنا أحب التلوين؛ لذا أقوم بتلوين كل الأناتيك التي أعرضها، سألته- أيضاً- لحظت أن الجبنة وأكوابها تتصدر قائمة الأصناف المعروضة لديك؟، أجاب نعم هو كذلك؛ فنحن هنا نعشق الجبنة لدرجة لا يمكنك تصورها، حدثني عن الأسعار لديك؟، يقول والله هي في متناول اليد، إنني أود أن أشتري هذا الطقم للجبنة ومرفقاتها، بكم تعطني إياه؟، سكت هنيهة ثم رد بـ 35 جنيها، قلت له خلاص 30 جنيها معقولة، هؤلاء هم سكان كسلا بساطة وأريحية وطيبة لا يمكن أن تتخيلها.
أما محمد إدريس صاحب كافيتريا توتيل الشهير، فكانت لنا معه جلسة أنس خفيفة، بدأت بالتحية، وقلت له احضر لنا عصير برتقال من جناين كسلا، ضحك، وبادلني التحايا بسعة صدر، ولحظت حركة دؤوبة من العاملين لتوفير مطلوبات الوافدين، هناك مجموعة من العرسان هنا وهناك، ثم أصدقاء يتسامرون، وعند تلك الصخرة مجموعة من السياح الصينيين والأوربيين، ويقول إدريس إن الشغل في المواسم كويس خالص، أما الآن فالأعداد نسبياً ضعيفة لكن الحمد لله ماشي الحال، ويضيف أنهم يدفعون الإيجارات لمسؤولي السياحة بالولاية بصورة منتظمة.
نقطة الماء
ويبلغ ارتفاع جبل كسلا "851" متراً، ويعد من الجبال الملساء، ويمثل النهاية التضاريسية الشرقية للمدينة، بينما يقع جبل مكرام، وجبل التاكا في الوسط، وخلف المدينة مباشرة، أما جبال توتيل فعلى الطرف، ولتلك الجبال مسميات كثيرة، وإن كان يصعب التفريق بينها؛ لتشابهها في العلو، والشكل، فهناك جبل التاكا، وتوتيل، وأويتلا، والبدوان، ومكرام.. بينما تعني توتيل "نقاط الماء"، وقد أخذت الاسم من النبع الذي يتوسّطها، وأخذ الجبل حيزاً واسعاً من الأغاني؛ حيث تغنّى به الجميع، خلاف أهل المنطقة؛ لما له من سحر، خاصة عند الغروب، عندما يعانق السماء بلونه البني الفاتح، وصخوره الملساء.
مقاهي فلكلورية
وعلى أطراف الجبل تتوزّع المقاهي الفلكلورية التي تقدم الشاي والقهوة على الطريقة التقليدية للولاية للتعريف بتراثها، وهي تجمع حولها المئات من البشر، بعضهم قطع مسافات بعيدة، وساعات سفر تتخطّى 8 ساعات؛ لشرب القهوة، والاستمتاع بمنظر الجبل، كما يتبارى أهل المنطقة في بيع المشغولات المحلية من أواني الفخار والإكسسوارات المصنوعة من الخرز للزوار والسيّاح.
جبايات باهظة
ويشكو أصحاب المقاهي من كثرة الجبابات دون خدمات تجمل المنتجع، بجانب إهمال مريع من قبل حكومة ولاية كسلا، التي تحرص على فرض الرسوم على العاملين دون مراعاة لتطوير هذا الصرح عنصرا مهما في جلب السياحة، التي صارت مصدر دخل اقتصادي للكثير من الأمم التي تعي أهمية حضارتها، وتراثها التأريخي.
الضريح والزوار
صار ضريح المراغنة مزارا مفتوحاً للجميع خاصة مريدي الطرق الصوفية والذين يأتون إليه من داخل وخارج السودان، وفور ذلك يتجهون صوب نبع توتيل المجاور أسفل الجبل على بعد مئة متر إلى الجنوب الشرقي من الضريح، وهو بئر طبيعية لم يقم بحفرها أحد من الناس تتدفق منه مياه نقية صافية، ويعدّها البعض فيها شفاء للأمراض، وهنالك مقولة رائجة في السودان أن من يشرب من بئر توتيل مرة واحدة لا بد أن يعود إليها ثانية- وإن طال الزمن.
مناظر خلابة
بعد التذود بالماء يظل الكثير من المواطنين يرابطون في سفح الجبل، ويستمتعون بمشاهدة المناظر الجميلة، ورؤية الخضرة، والماء المبسوطة على ضفتي نهر القاش، الذي يمر بالقرب من المكان في شكل حدائق، وبساتين خضراء، وغير بعيد منه منطقة أويتلا، التي يلامس فيها النهر حافة الجبل، وبعد أن انتبهت السلطات إلى التجمعات البشرية من الجنسين الذين يتجمهرون في هذا المكان خاصة في أيام الخميس، والجمعة من كل أسبوع، إضافة إلى الأعياد، فكرت حكومة الولاية بعقلية الجباية، التي تسيطر عليها في استثمار ذلك؛ فقامت باستصدار قرارات رسمية في العام 2001م قضت بتبعية المكان إلى وزارة السياحة والإثار، وعلى الفور قامت بتسوير المكان، وفرض رسوم على الداخلين، ووصلت- الآن- 4 جنيهات للفرد.
في المقابل شيّدت حكومة الولاية بعض المرافق، وتأجيرها في شكل كافتيريات، ومقاهٍ، كما قامت بعمل بعض السلالم؛ لتسهيل تسلق الجبل- بالطبع- هنالك الكثير الذي لم تستطع وزارة السياحة القيام به، وأوله الطريق المؤدي إلى منتزه توتيل، وهو خور ضيق، ومتعرج، وغير معبد؛ مما يعيق حركة السيارات، وقام والي الولاية- السابق- محمد يوسف بعمل بضع أبراج للإنارة؛ حتى لا ينسحب الرواد من المنتزه مع غروب الشمس، لكنها تكاد تكون شمعة داخل الغرفة لم تساعد في إكمال الصورة الجمالية لتوتيل.
معلم عالمي
هادية عبد الغني من الخرطوم عبَّرت سعادتها بزيارة توتيل، وقالت: إنها ظلت تسمع منذ صغرها بهذا المكان، وتمنت أن تعود إليه يوما ما كما تقول الأسطورة، أما محمد حامد من بورتسودان فيقول: إنه يحس بسعادة غامرة؛ بمشاهدة منظر غروب الشمس من أسفل جبل التاكا، ويرى أن هذا المنتزه هو معلم عالمي، ويمكن تطويره، والترويج له؛ لجذب السياح من داخل وخارج السودان، وطالب حكومة ولاية كسلا باستصلاح الطريق المؤدي إلى المنتزه، وتحسين نظام الإضاءة الليلية؛ حتى يستمتع الزائرون بقضاء أطول فترة في المنتزة، ويقول مسؤولون بإدارة السياحة بالولاية: إن الإدارة لديها خطط طموحة لتطوير المنتزه، ويؤكدون أنه من المناطق الأثرية النادرة- حسب تنصيف اليونسكو، بما فيها ضريح السيد الحسن المجاور للمنتزة، الذي صنِّف من المنشآت الأثرية.

اخر لحظة


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1189

التعليقات
#1377754 [مدحت عروة]
0.00/5 (0 صوت)

11-30-2015 08:10 AM
1820 هو القرن التاسع عشر وليس الثامن عشر.
لك التحية ايها العمدة معتصم بابكر احمد جعفر من احد سكان ظل جبل التاكا محطة الرشيد سابقا والله يعطيك الصحة والعافية للنهوض بقرية الختمية ومنتزه توتيل.

[مدحت عروة]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة