الأخبار
أخبار إقليمية
المطالبة بفصل الدين عن الدولة.. تعجيز أم تسويف؟
المطالبة بفصل الدين عن الدولة.. تعجيز أم تسويف؟



11-30-2015 04:12 PM
الخرطوم: فتحية موسى السيد-

هل يعني فصل الدين عن الدولة والسياسة أن يكون المسؤول غير متدين؟ وهل تعني هذه الجملة أن الدولة التي تفصل الدين عن الدولة سيكون المسؤول أو المواطن فيها فاسقاً؟ هل تعني الدعوة لفصل الدين عن الدولة أن يكون الدين لله والوطن للجميع؟ وأن ننحي الدين جانباً من حياتنا، وهل تعني الدعوة الى الفسق والفجور مثلما يقول البعض عن هذه الدعوة مهاجمين أنصار الدولة المدنية؟.
فالعكس هو الحقيقة تماماً. فصل الدين عن السياسة أو الدولة لا يعني أبداً ولم يعني فصل الدين عن الحياة، المعنى الحقيقي لفصل الدين عن السياسة ببساطة عند البعض او الخط الذي تبنته الحركة الشعبية لتحرير السودان منذ بدايتها، هذه الدعوة هي في المقابل وضوح مطالب ومواقف الحركة الشعبية منذ بداية تكوينها ويتجدد في كل جولة مفاوضات، وهو مفهوم ليبرالي يشير الى فصل الدين عن الدولة والمجتمع المدني عن المجتمع السياسي، بمعنى ألا تمارس الدولة أية سلطة دينية وألا تمارس المساجد أية سلطة سياسية. أيضاً هذا التعريف مشتق من المقولة الشهيرة التي صاغها سعد زغلول لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين، وكذلك أيضاً (الدين لله والوطن للجميع).
رفض إجماعي
ظلت مواقف الحكومة (المؤتمر الوطني) والأحزاب الكبيرة ذات التوجهات الإسلامية (الأمة والاتحادي)، غير واضحة في حديث البروف الطيب زين العابدين لـ «الإنتباهة»، فقد دعوا بصورة واضحة إلى جعل خيار الوحدة خياراً جاذباً آنذاك وسعوا في كثير من الأحيان نحو اتجاه ترغيب الجنوبيين في الوحدة، ولكن من غير المعروف إلى أي مدى هي قادرة على الجهر برفع شعار فصل الدين عن الدولة وتحت أي مسمى؟ بعد الانفصال مثلاً الصادق المهدي له مواقف متحركة وغير ثابتة في قضية علاقة الدين بالدولة هو من ناحية مع الدعوة تنزيل مبادئ حقوق الإنسان والحكم المدني غير أنه يقف في منتصف الطريق ويدعو إلى اصطحاب الشريعة الإسلامية بعد غربلتها من النصوص الشائهة والممارسات الفاسدة، ولكنها تصبح في النهاية مواقف عصية على الفهم والقبول والمنطق ويدعو إلى طريق ثالث لإنقاذ السودان ليقوم على حكم مدني يستمد مرجعيته من الدين عَلَى ألاّ تطبق أحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين محذراً من الدعوات لإقامة دولة علمانية لأنه سيكون رد الفعل تياراً دينياً أكثر تشدداً وعُنفاً في مُواجهتها. وقال إن السودانيين لا يريدون دولة دينية أو سنيّة ولا إبعاد الدين في الوقت ذاته عن السياسة.
خط الحركة
الجدير بالذكر أن رئيس حزب الجبهة الثورية الديمقراطية شرق السودان علي إدريس، دعا إلى فصل الدين عن الدولة وقيام حكومة انتقالية مدتها ثلاث سنوات بمشاركة كل الأحزاب، وقال رئيس لجنة قضايا الحكم وإنفاذ مخرجات الحوار بركات الحواتي إن لجنته واصلت تداولها حول مختلف القضايا وأشار لتقديم حزب الجبهة الثورية الديمقراطية ورقة طالبت بتشكيل حكومة انتقالية تُشارك فيها ألوان الطيف السياسي بالإضافة إلى فصل الدين عن مؤسسات الدولة، ويشير الحواتي بأن الحركة الشعبية تصر منذ البداية ومنذ جون قرنق على استغلال الدين الاسلامي عبر مزجه بالسياسة لتحقيق مصالح الحركة وحتى الشخصية كما تحاول احتكار تفسير الدين حد تكفير الرأي الآخر ما ساعد على فشل الحركة في بناء إجماع موحد رغم الإدراك أن المواطن الجنوبي به جماعات دينية ومسيحية وسياسية معاً، لذلك نجد الحركة الشعبية فشلت في استلام الحكم لتطبيق برامجها وخططها العلمانية كما أن خطابها السياسي اتسم وما زال بفرض وصايته بمطالبة فصل الدين عن الدولة ككرت ضغط على الحكومة في كل جولة مفاوضات غير آبهة بالعقوبات التي سوف تقع على الجانبين من قبل مجلس الامن و دائماً نجد أن هناك تعنت واضح نحو مواقفها والحديث باسم الدين ساعية لفرض رؤيتها تارة بالترغيب وأخرى بالترهيب، وقد سعت خلال الجولات الأخيرة لتوظيف الدين لخدمة أهدافها وطموحاتها السياسية والشخصية، مضيفاً فعمقت الصلة بين الديني والدنيوي على قاعدة ما هو ديني في الإسلام بشكل واضح.
دولة بلا أخلاق
وفي ذات السياق انتقد الشيخ كمال رزق خطيب مسجد الخرطوم دعوة فصل الدين عن الدولة وعدَّ رزق الدعوة بمثابة تأسيس لدولة بدون أخلاق وألا يكون للدين موضع في الحياة. وكان علي إدريس رئيس حزب الجبهة الثورية الديمقراطية شرق السودان قد أطلق دعوة لفصل الدين عن الدولة وقيام حكومة انتقالية مدتها ثلاث سنوات بمشاركة كل الأحزاب وقال رزق في خطبة الجمعة الفائتة الحديث عن فصل الدين عن الدولة شأنه آخر معناه سطر واحد دولة بدون أخلاق. وأضاف إمام مسجد الخرطوم الكبير أن النظام العام وقوات التدخل السريع آخر حصون الأخلاق. واستطرد قائلاً: النظام العام لن يُلغى إنما سيزداد قوة بإذن الله. فالناس في حاجة لحماية أعراضهم وبناتهم وزوجاتهم، وفي حاجة للأمن والشرطة وحدها لا تستطيع أن تفعل ذلك.
بعبارة أخرى تغيرت العملية السياسية للدولة برمتها وتغيرت الدولة ذاتها ومعها تغيرت طبيعة ووجهة العلاقة ما بين الدين من ناحية والدولة من ناحية أخرى. وقد إشار فضيلة الشيخ محمد عيدروس بمجمع الفقه الاسلامي في حديثه لـ «الإنتباهة» إلى استهجان هذا الطلب واصفاً بأنه ليس بالجديد، بل ظلت الحركة الشعبية تطالب بصورة دؤوبة منذ البداية عن ضرورة فصل الدين عن الدولة. مضيفاً ما الذي تغير تحديداً؟ من الواضح أن وصف الفقهاء للدولة الإسلامية في مرحلتها الثالثة ينطلق من مقارنتها بدولة الخلافة الراشدة وهو وصف يشير بشكل مباشر إلى أن المعيار السياسي والمصلحة السياسية تقدما على المعيار الديني في تولي الحكم. وفي تداول السلطة، بل في كل مناصب الدولة بما في ذلك المناصب الدينية، كما عرفها المسلمون في جلب المصالح الدنيوية لأن المجال السياسي للدولة بدأ مع الدولة الاسلامية، والذي يتميز بحدوده ومصالحه ومقاييسه بشكل واضح وقد تبلور هذا المفهوم في مرحلة الخلفاء الراشدين بخاصة أبي بكر وعمر بن الخطاب، وهو المعيار الأساسي الذي يمكن على أساسه قياس درجة الانفصال والاتحاد بين الدين والدولة في التاريخ الإسلامي.

الانتباهة


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 1058

التعليقات
#1378471 [زول]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2015 10:27 AM
والآن الدين ليس مفصول عن الدوله في السودان ماذا يحدث هنا ؟؟؟؟؟؟

هل إستقامت الأمور ؟
هل إنتشر العدل وإنتشرت المساواه ؟
هل تحقق الامن ؟
هل وجد الناس ما يسد رمقهم ؟
هل يصرف على المعتازين من مال بيت المسلمين ؟
هل مال المسلمين لم يتعرض للنهب ؟
هل هل هل هل هل
مالكم كيف تحكمون ؟

[زول]

#1378399 [muslim so proud]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2015 08:56 AM
- هل انتم متضررون من تعاليم الدين ام من تعليمات السياسة
- السياسة تعتمد علي المجتمع وبهذا انكم تريدون مجتمع غير متدين

[muslim so proud]

#1378385 [سامية]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2015 08:45 AM
ديننا الاسلامى لا يمكن أن نخرجه من حياتنا السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، لأنه نظام حياة متكامل لحياتنا كمسلمين و لا ينفصل عنها اطلاقاً و نحن أصلاً لا يسعنا اخراجه من حياتنا لأن نحن ليس من نقرر ذلك لأن القرار قد صدر من الله سبحانه و تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم و نحن علينا فقط التنفيذ، أما الغربيين فأولئك شأنهم آخر و هم اليوم لا يعرفون من دينهم شئء فقط بعض منهم ممن بقى لديه بقية من ايمان يتخذ الكتاب المقدس أى الانجيل للتبرك و لا يعرف و لا يلتزم من تعاليمه بشئ، فتجد القس نفسه يشرب الخمر و يمارس الشذوذ و يصاحب فتيات الليل كما حدث مع القس جيمس سواغرت و هو من كبار القسسة فى أمريكا و قد دخل فى مناطرة قوية مع الشيخ أحمد ديدات نصر الله فيها الشيخ أحمد نصرا مبيناً، فقد قبضت الشرطة الأمريكية على هذا القس و بحوزته مجلات جنسية فاضحة و ما فضائح القسسة المنتشرة فى الغرب و بالذات فى الفاتيكان منا ببعيد و لولا أن البابا رفض رفع الحصانة عن القسسيسين و الرهبان و الكهنة لأزكمت فضائحهم الأنوف، فقد وقف محامياً و مدافعاً عنهم و لم يرض رفع الحصانة عنهم و لذلك لم تتمكن الشرطة من التحقيق معهم و تم الاكتفاء بتعويض الضحايا مادياً. أما من يتخذون من تجربة الكيزان نموذجاً ليستدلوا به على ضرورة فصل الدين عن السياسة، فالكيزان ليسوا نموذجاً للاسلاميين و لا علاقة لهم بالاسلام الحقيقى و انما اتخذوا الدين مطية للوصول للسلطة و الثروة و لا يقاس عليهم و لا يمثلوا الاسلام فى شئ و هم فى وادى و الاسلام فى وادى آخر.

[سامية]

ردود على سامية
[ميمان] 12-01-2015 11:48 AM
الشذوذ موجود بصورة اكثر عند من يدعون أنهم رجال دين مسلمين ودونك من يحكمونا الآن، فقط الغرب لديه الشجاعة على نشر سوءاته اما المسلمين فعليهم بالغتغتة


#1378328 [العلماني]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2015 06:04 AM
اقتباس : هل يعني فصل الدين عن الدولة والسياسة أن يكون المسؤول غير متدين؟ وهل تعني هذه الجملة أن الدولة التي تفصل الدين عن الدولة سيكون المسؤول أو المواطن فيها فاسقاً؟
بالتأكيد لا, لأن الكيزان أثبتوا بأنهم هم الغير متدينين وهم الفاسدين فاسدين.

[العلماني]

#1378236 [ابن فتحون]
0.00/5 (0 صوت)

11-30-2015 09:22 PM
الإسلام دين ودولة :
بسم الله الرحمن الرحيم
الإسلام دين ودولة
(مادة مرشحة للفوز بمسابقة كاتب الألوكة الثانية)

الحمدُ لله وكفَى، وصلاةً وسلامًا على عبادِه الذين اصطفَى، وأصلِّي وأسلِّم على النبي محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وعلى آله وصحْبه والتابعين ومَن اصطفى.

أما بعد:
فإنَّ العملَ بكتاب الله وسنَّة نبيِّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - في كلِّ شأن فرضٌ معلوم، وواجبٌ محتوم، لا يَسع أحدًا أن يَخرُج عنه أو يخالف فيه، أو يختار بيْنه وبيْن غيره؛ قال تعالى -: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِينًا ﴾ [الأحزاب: 36].

ولقد عاشتِ الأمَّة الإسلامية تاريخًا مجيدًا تفيَّأت فيه ظلال الشريعة السَّمحة؛ فسَعِدت ونعِمت، وأشرقت شمسُها على البشرية، فاستنارتْ واهتدت.

ولقدِ انقضتْ تلك العهود الزاهرة التي حَكَم فيها المسلمون بالشرع المنزَّل قرآنًا وسنة، وجاءت عهودٌ أخرى وقَع فيها الانحراف عن شريعةِ الله - عزَّ وجلَّ - وخرَج علينا مَن هم منا ويَتكلَّمون بألسنتنا، لكنَّهم انحرفوا عن المحجَّة، وضلُّوا عن سواءِ السبيل، وارتموا في أحضانِ الغرْب الكافِر أو الشرق الملحِد، فخرجوا علينا ببدعةٍ ما أنزل الله بها من سلطان يُنكرها كلُّ مسلم، ألاَ وهي: قولهم: (إنَّ الإسلام دين وليس دولة)! فمن الأمور التي يُصِرُّ العلمانيون عليها - على اختلاف ألوانهم وانتماءاتهم - ألاَّ تكونَ للإسلام دولة، تتحدَّث باسمه، وترفَع رايته في الأرْض، وتُطبِّق أحكامَ شريعته على المؤمنين به، وتُبلِّغ رسالتَه إلى العالمين، وتدافِع عن أرضه وأمَّته في مواجهةِ الغُزاة والمعتدين.

فالإسلامُ - في نظرهم – مجرَّد رِسالة رُوحيَّة، لا تتعدَّى العلاقةَ بيْن المرء وربه، ساحتها: ضمير الفرْد، أو نفْسه التي بين جنبيه، ولا صِلة لها بإصلاح المجتمع، أو بتوجيهِ الدولة، أو بمعاقبة الجريمة، أو بتنظيمِ المال، أو بغيرِ ذلك مِن شؤون الحياة.

على حين يَعتبر الإسلاميون - على اختلافِ مذاهبهم ومدارسهم - أنَّ الإسلام: عقيدة وشريعة، عبادِة ومعاملة، دِين وسياسة، دَعوة ودولة.

والإسلاميُّون يرون: أنَّ الدولة في الإسلام: فريضةٌ وضرورة، فريضةٌ دِينيَّة، وضرورة حيويَّة[1].

فكان الواجبُ على العلماءِ والدُّعاة أن يتصدَّوا لهذه المقولةِ الفاجرة، التي أحدثتْ في البلاد الإسلامية آثارًا لم يُحدِث مِعشارَها هؤلاء الذين يُعلنون العداءَ للأمَّة ليلَ نهارَ.

أولاً - بداية ظهور هذه المقولة:
هذه الآفة لم تنشأْ في بلادنا الإسلامية، وإنما هي نبتة نَكدة وُلِدت وتربت وترعرعت في أوربا، (وقد يكون لها ما يُبرِّرها هناك)؛ فقد نشأتْ في مطلع القرن الثامن عشر الميلادي؛ أي: في نهاية العصور الوُسطى المظلِمة في أوربا وبداية العصور الحديثة التي ارتبطتْ بظهور الثورات في أوربا.

وكانت هناك مجموعةٌ مِن العوامل أدَّت إلى ظهورها هناك منها:
1) طُغيان الحكَّام واستبدادهم وقهْرهم لشعوبهم: (حيث كان يوجد ما يُعرَف بالحُكم الثيوقراطي أو الحُكم الإلهي المطلَق)، ويعني ذلك أنَّ الملِك يحكُم باسمِ الله، وأنَّه خليفة الله في الأرض، ولأنَّه كذلك فهو فوق المساءلة، ولا يملك أحدٌ كائنًا مَن كان أن يحاسبَه على أعماله، ولأجْل إضفاءِ هذه الصبغة الدينيَّة على هذا النوع مِن الحُكم فقدْ عمد الملوك إلى الاستعانة بالكنيسة، ممَّا أوجد تزاوجًا بيْن الدِّين والسياسة ترتَّب عليه منْح الكنيسة كثيرًا مِن الصلاحيات والسُّلطات الواسِعة التي أدَّت بها هي الأخرى إلى وجودِ صورة بَشِعة لاستبداد رجالِ الدِّين، وأدَّى ذلك في نهايةِ المطاف إلى قهْر الناس، وظُلمهم واستعبادِهم وإفقارِهم، وحُكمهم بالحديد والنار، وذلك كله تحتَ مسمَّى الدين!

2) استبداد الكنيسة: في مقابل أن أضفت الكنيسة الشرعية الدينية على الحُكم الملَكي المستبدّ، فقدِ استحوذت هي الأخرى على الكثيرِ مِن السلطات والصلاحيات التي أدَّتْ بها إلى الاستبداد، وكان رِجال الدِّين هم الحُكَّامَ الفِعليين، فأنشؤوا ما يُعرف بمحاكم التفتيش، التي أذاقتِ الناس صنوفًا وألوانًا من العذاب، وعمدتْ إلى ملاحقةِ الكثيرين ممَّن يختلفون مع الكنيسة واضطهادهم، وقتل الكثير مِن العلماء، مِثل: جالليلو وكوبرنيكوس وجرادنو، وغيرهم مِن العلماء والساسة، وأصحاب الرأي والفكر، حتى إنَّ المسلمين في الأندلس (إسبانيا والبرتغال) لم يَسلَموا مِن هذه الملاحَقة، ونالهم نصيبٌ وافر مِن ذلك الاضطهاد، فقدِ ابتدعت الكنيسةُ الكثيرَ مِن وسائل التعذيب وتفنَّنت فيه، وكانتْ تُهمة المخالفين للكنيسة هي الهرطقةَ والسِّحر والشعوذة، فيُؤتَى بصاحب هذه التُّهمة ويُلقى به في النهر، فإذا ما غرِق دلَّ ذلك على برائته، أمَّا إذا نجا مِن الغرق فيكون مذنبًا وتكون عقوبتُه الحرقَ في ميدان عامٍّ حتى الموت (الغرق أو الحرق)! وقد فُعل ذلك بالعالِم الذي تحدَّث عن كروية الأرض، أضِف إلى ذلك استيلاء الكنيسة على أراضي وثَروات الشعوب، وابتداع ما يُعرَف بصكوكِ الغُفران، وذلك كله لأكْل أموالِ الناس بالباطل، وهذا قليلٌ مِن كثير، فجرائمُ الكنيسة في العصورِ الوسطى في أوربا بلغتْ حدًّا لا يمكن تخيلُه!

3) سيادة الإقطاع: حيث وجدت طبقةٌ مِن الإقطاع وهي طبقةُ النبلاء والأشراف، فِئة قليلة تملك كلَّ شيء، تملك الثرواتِ والأرضَ والسيادة، والطبقة الأخرى هي عامَّة الشعب، فئة كثيرة لا تملك أي شيء، كانوا عبيدًا لدَى الطبقة الأولى، يُقيمون على أراضي النبلاء في أكواخ صغيرة، ويَعملون في هذه الأرض لحسابِ الإقطاعي ولا يَجنُون شيئًا لأنفسهم، حتى قُوت يومهم، ويُعرَفون في التاريخ (بأقنان الأرض).

يا سادة كان هذا حالَ أوربا حتى نهاية القرن السابع عشرَ، واستمرَّ لعقودٍ في القرن الثامن عشر، تفاوتٌ طبقي رهيب، فِئة قليلة تملك كلَّ شيء وأُخرى هي الكثرةُ الغالبة مِن الشعب ولا تَملِك شيئًا سِوى المرَض والفقر الشديد المدقِع، والجوع والمهانة، والذلة والاستعباد.

4) وجود اليهود في أوربا: في هذه الحِقبة كان لليهود دورٌ ليس بالقليل، وكما نعلم أنَّ اليهود كعادتهم يُجيدون جمعَ الثروات واكتنازها، فكان يلجأ إليهم الناس للاقتراض فيُقرضونهم بربًا فاحِش أدَّى ذلك إلى تَفاقُم الأوضاع، والقارئ لكتاب وليم شكسبير (تاجر البندقية) يُدرك ذلك، حيث تدور أحداثُ القصَّة حولَ تاجر يهودي في مدينة البندقية الإيطاليَّة يقرض الناس بربًا فاحش، ويشترط عليه في عقد القرْض "أنَّه إذا تأخَّر أو عجز المدين عن سدادِ الدَّين، فله أن يقتطع جزءًا مِن لحم المدين وجسدِه مقابلَ هذا الدين"!

• أدَّتْ هذه العوامِل إلى تفاقُم الأوضاع في أوربا، شعوب تُعاني الفقر والجوع والمرَض، وفوق ذلك كله المهانة والذلَّة والاستعباد، وطبقة أخرى قليلة (الملوك والنُّبلاء ورِجال الدِّين) تملك كل شيء، فهي تملك السُّلطة والثروة وتحكم بالقهر والاستبداد، وعليه خرجتْ هذه الشعوب في أوربا ثائِرة، في إنجلترا ثورةٌ عارِمة على آل ستيوارت، وفي إيطاليا وفي ألمانيا، وأيضًا في روسيا القيصرية ثورة ضدَّ النِّظام القيصري، ولكن الثورة التي كانتْ حدَثًا فاصلاً في التاريخ البشري في العصر الحديث كانتِ الثورة الفرنسية سنة 1789، ثورة الجِياع كما يَحكي ذلك فيكتور هيجو في كتابه (البؤساء): خرجت الجموعُ التي تُعاني من المرَض والفقر والجوع ذاهبةً إلى قصر الملك لويس الرابع عشر، غاضبةً وثائرةً، تطالب برأس الملِك المستبدِّ، والقضاء على رجال الدِّين الذين كرَّسوا لهذا الاستبداد والظلم وشارَكوا فيه، وكان شِعار تلك الثورة: (اشنقوا آخِر ملِك بأمعاء آخِرِ قِسِّيس)؛ ولأنَّ هذه الطبقةَ دومًا تعيش في عزلةٍ عن شعبها ولا تشعُر بآلامه، عندما وصَل الثائرون إلى قصر الملِك الطاغية قالتِ الملكة ماري أنطوانيت زوجته: لماذا يشكو هؤلاء؟ قيل لها مِن الجوع، قالت: لماذا لا يأكلون البسكويت، (يال السخرية)؟!

عمومًا نجحتْ تلك الثورةُ وأطاحتْ بالملك المستبدِّ وزوجته، وأطاحتْ بحُكم رِجال الدين وسارتْ هذه الجموعُ الغوغائية لحرقِ سِجن الباستيل وهدْمه، فقد كان رمزًا للقهْر والاستبداد، وتحوَّل شعارها مِن الخبز إلى (الحريَّة والمساواة والإخاء)، وجاءتِ الثورة بأوَّل حكومة لا دِينيَّة تحكُم باسمِ الشعب.

• أدَّتْ هذه الأحداثُ إلى نتيجة مفادُها: (أنَّ الزاوج الذي حدَث بن الحُكم المستبد والكنيسة) كان السبب في الفَساد والقهر والاستبداد، وجاءتْ كتابات الثورة كلها لتنادي بالفصلِ التام بيْن الدِّين والدولة، وإبعاد الكنيسة عن مؤسَّسةِ الحُكم، وعودتها إلى داخلِ جُدران الكنيسة، ولا شأنَ لها بما يخرُج عن هذه الجدران، ومِن هؤلاءِ المفكِّرين جان جاك روسو 1778 في كتابه "العقد الاجتماعي"، والذي يعد بحق إنجيلَ الثورة، ومونتسكيو في كتابه "روح القوانين"، وفولتير صاحب "القانون الطبيعي" 1804، ووليم جودين 1793، وكتابه عن العدالة السياسية، وميرابو الذي يعدُّ خطيبَ وزعيمَ وفيلسوفَ الثورة الفرنسية.

• وانتقلتْ إلينا هذه الشُّبهةُ مع حملةِ نابليون بونابرت 1798، وقد أشار الجبرتي إلى ذلك بعباراتٍ تدور حولَ معنى العلمانية وإنْ لم تذكُر اللفظ صراحةً، أما أوَّل مَن استخدم هذا المصطلح (العلمانية) فهو نصرانيٌّ يُدعَى إلياس بقطر، في معجم عربي فرنسي مِن تأليفه سنة 1827، ثم جاء الخديوي إسماعيل وأدْخل القوانينَ الفَرنسية سنة 1833، وكان مفتونًا بالغَرْب ويريد أن يجعلَ مصر قطعةً من أوربا.

• وكان للمستشرقين دَورٌ خطير في ذلك مِثل دوركايم وغيره، وكذلك مَن تتلمَذ على أيديهم مِن أبناء الشرق مِن أمثال طه حسين وغيره، فقد كانوا مفتونين بأوربا، وقالوا: لكي ينهض الشرق فلا بدَّ أن يسيرَ خلفَ أوربا حذوًا بحذو، وشبرًا بشبر، وذِراعًا بذراع، وإن كانتْ نهضة أوربا جاءتْ نتيجةَ فصل الدِّين عن الدولة والطلاق بينهما طلاقًا بائنًا، فإنَّ الشرق لن ينهضَ إلا بذلك!

أولى محاولات العلمانية لاقتحام الأزهر:
ومِن بدهيات التاريخ الإسلامي: أنَّه لم يعرف يومًا دولةً بلا دِين، ولا دِينًا بلا دولة، ولم يَدُرْ هذا الخاطر في فِكر أحدٍ مِن أبنائه، حتى ظهَر عليّ عبد الرازق بكتابه أو كُتيِّبه العجيب في آخر الربع الأول للقرن العشرين الميلادي (1925م) الذي ادَّعى فيه دعاوَى شاذَّةً عن مسار الأمة وعن عقيدتها وشريعتها ووجْهتها العامَّة، وزعم أنَّ الرسول لم يؤسِّس دولة، وأنَّ الإسلام لا شأنَ له بالدولة والحُكم والسياسة، وأنَّه مجرد رِسالة رُوحيَّة، وهو ما ردَّ عليه الراسخون مِن علماءِ الأمَّة بالأدلَّة الشرعيَّة القاطعة، وسقَط الكتاب مِن الناحية العلميَّة، وإنْ كان الخصوم الدِّينُّيون والفكريُّون والسياسيُّون قدْ رحَّبوا بالكتاب أبلغَ ترحيب، وفتحوا له صدورَهم وأذرعتهم، وجعلوه سلاحًا في أيديهم في معركتِهم ضدَّ الإسلام وأمَّته.

وكانتْ هذه أوَّل مرةٍ تحاول العلمانيةُ فيها أن تقتحمَ على الأزهر دارَه، وتغزو فِكر أحد عُلمائِه، ولكن الأزهر رفَض ذلك بقوَّة، وفنَّد دعوى الرجل علميًّا، وجرَّده مِن نسبه الأزهري، وأخرجَه مِن زُمرة العلماء.

وإنْ كان الشيخ علي بعدَ ذلك لم يحاولْ نشرَ الكتاب، أو ترويجه أو الحديث عنه طوالَ حياته، بل حتى ورثته مِن بعده.

دعوى علي عبد الرازق منقوضة:
زعَم الشيخُ علي عبد الرازق: أنَّه لا يجد دليلاً على أنَّ الإسلام يدعو إلى تأسيسِ دولة أو إقامة حُكومة، وأنَّه ليس إلا دعوةً دِينيَّة خالِصة، لا صِلةَ لها بالمُلك الذي هو مِن أمور الدنيا المضادَّة للدِّين.

ونحن هنا سنبيِّن الأدلةَ على أنَّ (إقامة الدولة) مِن صميم الإسلام، وأنَّ القول بخلاف ذلك إنما هو قول مُحْدَث، لم يعرفْه المسلمون خلالَ تاريخهم الطويل.

ولقدْ لخَّص الأستاذ سيِّد قطب - رحمه الله - هذه الأسبابَ التي أدَّتْ إلى فصل الدين عن الدولة في بلادِ الغرب، في مقال بَعَثَه لوزير خارجية مصر في هذا الوقت، في (عدد من أعداد "منبر الشرق") قال فيه: وصل إليََّ متأخرًا، قرأتُ للأستاذ الكبير علي الغاياتي حديثًا لمعاليكم، جاءَ فيه على لسانكم: "إنَّني أرَى بحقٍّ فصلَ الدِّين عن الدولة، وأُخالِف في ذلك رأيَ الإخوان المسلمين".

وأحبُّ أن أتحدَّث إلى معاليكم قليلاً عن هذه المسألة: إنَّ هذا التعبير: "فصل الدين عن الدولة" ذو مدلولٍ في الحياة الأوروبيَّة المسيحيَّة، ولكن لا مدلولَ له على الإطلاق في البلادِ الإسلاميَّة، وأغلبُ الظنِّ أنَّه تسرَّب إليكم- كما تسرَّب إلى كثيرٍ مِن رجالنا المثقَّفين والمتعلِّمين - خلال قراءاتهم للتاريخ الأوروبي، ثم صار يتردَّد على الألسنة دون تفكيرٍ في مدلولِه ودون نظَرٍ إلى أنَّه يحوي معنًى أو لا يَحوي بالنسبة للبلادِ الإسلاميَّة.

وتفصيل ذلك: أنَّ المسيحيَّة كدِين تجعل للكنيسة وظيفةً معينةً في صُلب الدِّيانة المسيحيَّة، وهي ما يُعرف "بالخدمة الدينيَّة"، وقد حدَث في التاريخ الأوروبي أن أصبحتِ الكنيسة سلطةً لا رُوحيةً فحسبُ، ولكن مدنيَّة كذلك، تتولَّى تتويج الأباطرة، وتُسيطر على أملاكٍ ضخمةٍ معفاة مِن الضريبة، وتُصدِرُ قراراتِ الحرمان وصكوك الغفران.. إلخ ما يعرفه دارسو التاريخ الأوروبي.

وحين أرادتِ الحكوماتُ أن تتخلَّص مِن سلطة الكنيسة، نادتْ بفصل الدِّين عن الدولة؛ أي: فصْل الإدارة الحكوميَّة عن الإدارة الكنيسيَّة، وكان لهذا التعبير مدلولُه الواقعي؛ لأنَّ الكنيسةَ منظَّمة دِينيَّة، وجزءٌ مِن صلب المسيحيَّة كديانة.

في الإسلام لا توجد كنيسة، أعني: لا يوجد (أكليروس)، ولا وساطةٌ هنالك بين الله والناس، لا توجد هيئةٌ معيَّنة تتولَّى الطقوسَ الدِّينيَّة، وبدونها لا تُقام هذه الطقوس.

حينئذٍ لا توجد سلطةٌ دِينيَّة؛ بمعنى أنَّ هناك هيئةً تتولَّى مباشرةً هذه السلطة، لها كيان معيَّن في صُلب الإسلام كديانة.

والإسلام عقيدة وقانون، وكلاهما متصلٌ بالآخَر وقائمٌ عليه، ولا يُمكن أن توجد العقيدةُ ثم يُهمَل القانون، والنصوص صريحةٌ في هذا ولا تحتمل تأويلاً، فإمَّا أنَّنا مسلمون، فيجب تنفيذُ هذا القانون، والدولة هي التي تنفِّذه، لا هيئة دِينيَّة معيَّنة، وإمَّا أنَّنا لسنا مسلمين، فنُهمل إذًا تنفيذَ القانون الإسلامي.

في القرآن: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44] ، وهو نصٌّ صريحٌ كما ترون، فيه شرطٌ وجواب، فلا عقيدةَ إسلاميَّة لمن يحكُم بغيرِ القانون الإسلامي، ولا معنى لنصِّ الدستور الذي يقول: إنَّ دِين الدولة الرسمي هو الإسلام إذا كانتْ قوانينُ الدولة لا تُستمدُّ مِن التشريع الإسلامي، فالإسلامُ لا يَعتبر مسلمًا مَن يحكُم بغير قانونه، ولا مفرَّ مِن مواجهة هذا النص الصريح!

في المسيحيَّة يمكن أن يكونَ الإنسان مسيحيًّا ثم يحكُم بالقانون الرُّوماني؛ لأنَّ المسيحيَّةَ عقيدةٌ فحسبُ، ولم تتضمَّنْ تشريعاتٍ لتنظيم المجتمع، والعقيدة تباشرها الكنيسة كهيئةٍ نظاميَّة داخلة في صُلب المسيحيَّة كديانة، والقانون تُباشِره الدولة بوصفها هيئةً مدنيةً غير خاضعة لسلطان الكنيسة.

فأمَّا في الإسلام فلا؛ فالإسلام قد تولَّى تنظيم المجتمع بتشريعاتٍ وقوانينَ معيَّنة، ثم وضْع مبادئ عامَّة لتُصاغ في ظلِّها القوانين والتشريعات التي لم يتضمَّنها نصُّها؛ لأنَّ المجتمع لم يكُن في حاجةٍ إليها حينذاك، وهذه المبادِئ العامَّة - كهذه القوانين والتشريعات - هي قوامُ العقيدة الإسلامية، ولا توجد عقيدةٌ بدونها، كما أنَّ هذه المبادئ العامة هي الضمان لتلبيةِ حاجةِ المجتمع المتجدِّدة إلى تشريعاتٍ جديدة في ظلِّ العقيدة الإسلامية، حتى يظلَّ المجتمع ناميًا متجددًا، وهي في الوقتِ ذاته مجتمعًا مسلمًا محكومًا بقوانين إسلاميَّة.

فليس هو - إذًا - "رأي" الإخوان المسلمين، أو رأي سواهم، المسألة هنا ليستْ مسألة آراء هيئات وتشكيلات معيَّنة، المسألة مسألةُ الإسلام ذاته، موجود أو غير موجود، الدولة مسلِمة أو غير مسلمة، الدولة مسلمة؛ إذًا لا مَحيصَ لها من تنفيذ الشريعة الإسلامية بمبادئها العامَّة مصدرًا لكلِّ تشريعٍ جديدٍ يحتاج إليه المجتمع المتجدِّد، لا في الأحوالِ الشخصيَّة، "ولكن في العقوباتِ والمدنيَّات سواء"، الدولة لا تنفِّذ القانونَ الإسلامي؛ إذًا فهي داخلةٌ في النصِّ القرآني الصريح: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ ﴾ [المائدة: 44]، ولا وسطَ بيْن الطرفين!

ليستْ هناك - يا معالي الوزير - سلطةٌ دِينيَّة وسلطة مدنيَّة في الإسلام، أو كما يُسمُّونها سلطةً رُوحية وسلطة زَمنيَّة، وإنَّما هناك قانون، والدولة مطالَبة بتنفيذ هذا القانون، وهي لا تَتلقَّى سلطتَها في هذا مِن هيئة أو مِن شخص، وإنَّما تتلقاها مِن ذات القانون، وإذًا فلا خطرَ هنالك مِن قيام الدولة على الدِّين؛ لأنَّ الخطرَ الذي كان في أوروبا كان مصدرُه تدخُّلَ الهيئة الدينيَّة الرسميَّة في أمور الحُكم المدنيَّة، وهنا في البلاد الإسلاميَّة لا يَعترِف الإسلام بوجودِ هذه الهيئة، ولا يمنحها سلطةً ما، لا رُوحيَّة ولا زمنيَّة.

ثانيًا - الأدلة على أن الدولة من صميم الإسلام:
أولاً: الأدلة من القرآن الكريم:
الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ [النساء: 58 - 59]، فهاتان الآيتان مِن سورة النساء "هما أساسُ الحكومَة الإسلاميَّة، ولو لم ينزلْ في القرآن غيرهما لكفتَا المسلمين في ذلك؛ إذ هم بنوا جميعَ الأحكام عليهما"[2]؛ وذلك لأنَّهما اشتملتَا على ثلاثة أركان مِن أركان الحُكم؛ الأوَّل:وجوب العدْل على ولاة الأمور، الثاني:وجوب الطاعة على الرعيةِ تُجاه ولاةِ الأمور، الثالث: الالتزام بالمرجعية العُليا في كلِّ ما يختلف فيه الرعيةُ مع حكَّامهم.

الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 48 – 50].
وقوله تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴾ [النساء: 105].

وأمثالُ هذه الآيات التي تأمُر بالتحاكُمِ إلى أمْر الله والرُّجوع إلى شريعته، وهذا وإنْ كان خِطابًا للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إلا أنَّه خطابٌ أيضًا لأمَّته؛ لأنَّ الخطاب للرسول خطابٌ لأمَّته ما لم يَردْ دليل على التَّخصيص، فيكون هذا خطابًا عامًّا لجميعِ المسلمين بإقامةِ الحُكم بما أنزل الله إلى يومِ القيامة، ولن يكونَ ذلك إلاَّ إذا كان للمسلمين دولةٌ ولهم إمامٌ يقوم على مصالحهم.

الدليل الثالث: قولة تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾ [النساء: 59].

فهذه الآيةُ تدلُّ على وجوبِ إيجاد الدولة ونصْب الإمام، ووجْهُ الاستدلال أنَّ الله سبحانه أوجَبَ على المسلمين طاعةَ أولي الأمْر منهم، وهم الأئمَّة، والأمر بالطاعة دليلٌ على وجوبِ نصْب وليِّ الأمر؛ لأنَّ الله لا يأمُر بطاعةِ مَن لا وجود له، ولا يَفرِض طاعةَ مَن وجودُه مندوب، فالأمْر بطاعته يَقتضي الأمر بإيجاده، فدلَّ على أنَّ إيجاد إمامِ للمسلمين واجبٌ عليهم[3].

الدليل الرابع:
ويَتمثَّل هذا في جملةٍ عظيمة مِن الآيات القرآنيَّة التي لا يُمكن تنفيذها إلا إذا وُجِدتِ الدولة، فهي آياتٌ تخاطب في الأساسِ أُمَّةً لها نظام وحُكم نافذ، وهي أكثر مِن أن تُحصَى، منها الآيات التي شرَعتْ أحكام الحدود: كحدِّ السرقة والزِّنا والقذف، وحد الحِرابة وأحكام القصاص والدية، وسائر العقوبات التي لا يُتصوَّر وجودها إلاَّ مع وجودِ دولةٍ وحُكم، ومنها آيات تُنظِّم التصرفاتِ والمعاملاتِ مِن بيع وإيجار، وهبة ووصية، وحجر وتفليس، وغير ذلك ممَّا يُسمَّى في التعريف الوضعي بالقانون المدني، منها آيات تشرع أحكامَ الزواج والطلاق والنفقة والرضاعة، التي يُمكن تَسميتُها بقانون: (الأحوال الشخصية)، وآيات تُوجِب جمعَ الزكاة وتحديد مصارفها، وأخرى للتضامُن والتكافل الاجتماعي والتعاون على البر والتقوى، وكل هذه الأمور لا يَقومُ عليها ولا يُمكن أن يضطلع بها إلاَّ الحكوماتُ والدُّوَل[4].

ثانيًا - الأدلَّة مِن السنة:
الدليل الأول:
ما رواه أبو داودَ في سُننه عن أبي سعيدٍ الخُدري أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إذا خَرَج ثلاثةٌ في سفرٍ،ٍ فلْيُؤمِّروا أحدَهم)) [5].

قال الشيخُ تقيُّ الدين أحمد بن تيمية: "قد أوْجَب النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - تأميرَ الواحد في الاجتماعِ القليلِ العارِض في السَّفر، وهو تنبيهٌ على أنواع الاجتماع"[6].

الدليل الثاني:
عن عَرْفَجةَ قال: سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((مَن أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحدٍ، يُريد أن يشقَّ عصاكم ويفرِّق جماعتَكم فاقتلوه))[7].

الدليل الثالث:
(عن ابن عبَّاس مرفوعًا: ((مَن رأى مِن أميره شيئًا يكرهه فليصبرْ عليه؛ فإنَّه مَن فارَقَ الجماعة شبرًا فميتتُه جاهليَّة))[8].

الدليل الرابع:
عنِ الحسنِ قال: عادَ عبيدُالله بنُ زيادٍ مَعقِلَ بنَ يسار المزنيَّ في مرضِه الذي مات فيه، قال مَعقِل: إني محدِّثك حديثًا سمعتُه من رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - لو علمتُ أنَّ لي حياةً ما حدَّثتك، إني سمعتُ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يقول: ((ما مِن عبدٍ يَسترعيه الله رعيةً يموت يومَ يموتُ وهو غاشٌّ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجَنَّةَ))[9].

الدليل الخامس:
وعن عوفِ بن مالكٍ الأشجعيِّ عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((خيارُ أئمَّتكم الذين تُحبُّونَهم ويحبُّونكم، وتُصلُّون عليهم ويُصلُّون عليكم، وشِرار أئمَّتكم الذين تُبغضونهم ويُبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم))، قال: قلنا: يا رسولَ الله، أفلا ننابذهم عندَ ذلك؟ قال: ((لا ما أقاموا فيكم الصلاةَ، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، ألاَ مَن وُلِّي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا مِن معصية الله فليكْرَه ما يأتي مِن معصيةِ الله ولا ينزعنَّ يدًا مِن طاعة))[10].

قال الشيخ القرضاويُّ: وجاءتْ عشراتُ الأحاديث الصحيحة - إنْ لم تكن مئاتها - في دواوين السنَّة المختلِفة، عن الخِلافة والإمارة والقضاء والأئمَّة وصِفاتهم وحقوقهم مِن الموالاة والمعاونة على البِرِّ، والنصيحة لهم وطاعتهم في المنشَط والمَكْرَه، والصَّبر عليهم، وحدود هذه الطاعة وهذا الصَّبْر، وتحديد واجباتهم مِن إقامةِ حدود الله ورِعاية حقوقِ الناس، ومشاورة أهلِ الرأي، وتولية الأقوياء الأُمناء، واتِّخاذ البطانة الصالِحة، وإقامة الصَّلاة وإيتاء الزَّكاة، والأمْر بالمعروف والنهي عن المنكَر، إلى غير ذلك مِن أمورِ الدولة، وشؤون الحُكم والإدارة والسياسة.

ولهذا رأيْنا شؤونَ الإمامة والخِلافة تُذكر في كتُب تفسير القرآن الكريم، وفي شروح الحديثِ الشريف، وكذلك تُذكَر في كتُب العقائد وأصول الدِّين، كما رأيناها تُذكَر في كتُب الفِقه، كما رأينا كُتُبًا خاصَّة بشؤون الدولة الدستوريَّة والإداريَّة والماليَّة والسياسيَّة، كالأحكام السلطانيَّة للماوردي، ومثله لأبي يَعلَى، والغياثي لإمام الحرمين، والسياسة الشرعية لابن تيمية، وغيرها[11].

ثالثًا - الدليل من تاريخ الإسلام:
أمَّا تاريخ الإسلام، فيُنبئنا أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - سعَى بكلِّ ما استطاع مِن قوَّة وفِكر - مؤيدًا بهداية الوحي - إلى إقامةِ دولة الإسلام، ووطن لدعوته، خالِص لأهله، ليس لأحدٍ عليهم فيه سُلطان، إلا سُلطان الشريعة؛ ولهذا كان يَعرِض نفسَه على القبائل ليؤمنوا به ويمنعوه ويحموا دعوتَه، حتى وفَّق الله قَبيلتي الأوس والخزرج إلى الإيمان برِسالته، فبَعَث إليهم مُصعبَ بن عُمَير يتلو عليهم القرآنَ، ويُعلِّمهم الإسلام، فلمَّا انتشَر فيهم الإسلام جاءَ وفدٌ منهم إلى موسم الحج مكوَّن مِن (73) ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فبايعوه - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أن يمنعوه ممَّا يمنعون منه أنفسَهم وأزواجَهم وأبناءَهم، وعلى السَّمع والطاعة، والأمْر بالمعروف والنهي عن المنكَر... إلخ، فبايعوه على ذلك، وكانتِ الهجرة إلى المدينة ليستْ إلاَّ سعيًا لإقامةِ المجتمع المسلِم المتميِّز، تُشرِف عليه دولة متميِّزة.

كانت (المدينة) هي (دار الإسلام) وقاعدة الدولة الإسلاميَّة الجديدة، التي كان يرأسها رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فهو قائدُ المسلمين وإمامهم، كما أنَّه نبيُّهم ورسولُ الله إليهم؛ ولهذا جعَل الفقهاءُ مِن أنواع تصرُّفات الرسول: تصرُّفه بمقتضى الإمامة أو الرِّئاسة للدولة، وذَكَروا ما يترتَّب على ذلك من أحكام.

وكان الانضمامُ إلى هذه الدولة، لشدِّ أزرها، والعيش في ظِلالها، والجهاد تحتَ لوائها - فريضةً على كلِّ داخلٍ في دِين الله حينذاك، فلا يتمُّ إيمانُه إلا بالهجرة إلى دار الإسلام، والخروج مِن دار الكُفر والعداوة للإسلام، والانتظام في سِلك الجَماعة المؤمِنة المجاهِدة التي رَماها العالَم عن قوسٍ واحدة.

يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾ [الأنفال: 72]، ويقول في شأن قوم: ﴿ فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [النساء: 79].

كما نزَل القرآن الكريم يُندِّد أبلغَ التنديد بأولئك الذين يَعيشون مختارين في دار الكُفر والحرْب، دون أن يَتمكَّنوا مِن إقامة دِينهم وأداء واجباتهم وشعائرِهم: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا * إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: 97 - 99].

وعندَ وفاة النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان أوَّل ما شغَل أصحابَه - رضي الله عنهم -: أن يختاروا (إمامًا) لهم، حتى إنَّهم قدَّموا ذلك على دفنه - صلَّى الله عليه وسلَّم - فبادَروا إلى بَيعةِ أبي بكر، وتسليم النَّظر إليه في أمورِهم، وكذا في كلِّ عصرٍ مِن بعد ذلك، وبهذا الإجماع التاريخي ابتداءً مِن الصحابة والتابعين - مع ما ذَكَرْنا مِن نصوص - استدلَّ علماءُ الإسلام على وجوبِ نصْب الإمام الذي هو رمزُ الدولة وعنوانها؛ يقول الإمام القرافيُّ في الفرق السادس والثلاثين بيْن قاعِدة تصرُّفه - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالقضاء وقاعدة تصرُّفه بالفتوى (وهي التبليغُ)، وقاعدة تصرفه بالإمامة: "اعلم أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - هو الإمامُ الأعظم، والمفتي الأعلم، فهو - صلَّى الله عليه وسلَّم - إمام الأئمَّة، وقاضي القضاة، وعالِم العلماء، فجميعُ المناصِب الدينيَّة فوَّضها الله تعالى إليه في رِسالته...) إلخ.

ولم يَعرِف المسلمون في تاريخهم انفصالاً بيْن الدِّين والدولة، إلا عندما نجَم قرن العلمانية في هذا العصْر، وهو ما حَذَّر حديثُ الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - منه، وأمَر بمقاومته كما في حديث معاذ: ((ألاَ إنَّ رحَى الإسلام دائرةٌ، فدوروا مع الإسلام حيث دار، ألاَ إنَّ القرآن والسلطان (أي الدِّين والدولة) سيفترقان فلا تُفارقوا الكتاب، ألاَ إنَّه سيكون عليكم أمراءُ يَقضُون لأنفسهم ما لا يَقضُون لكم، فإنْ عصيتموهم قتَلُوكم، وإنْ أطعتموهم أضلُّوكم))، قالوا: وماذا نصنع يا رسول الله؟ قال: ((كمَا صَنَع أصحابُ عيسى ابن مريم: نُشِروا بالمناشير، وحُمِلوا على الخُشب، موتٌ في طاعةٍ الله خيرٌ مِن حياة في معصيةِ الله))[12].

ولم يَعرِف المسلمون طوال تاريخِهم الطويل هذا الانفصال - أو الفصام - بين الدِّين والدُّنيا، أو بيْن الدِّين والسياسة، أو بيْن الدِّين والدولة.

لقدْ كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - جامعًا للسلطتين: الدِّينيَّة والدنيويَّة؛ ولهذا قسَّم الفقهاء تصرفاته بوصفه نبيًّا مبلِّغًا عن الله، وبوصفه قاضيًا يفصِل بين الناس، وبوصفه إمامًا يتصرف في قضايا الأمَّة.

وكذلك كان الخلفاءُ الراشدون والأُمويُّون والعباسيُّون والعثمانيُّون وغيرهم، إلى أن أُلغيت الخلافة في سَنة 1924م.

ورَأيْنَا العلماءَ يُعرِّفون الخلافة بأنها: النيابةُ عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في حراسة الدِّين وسياسة الدنيا به.

ورأينا كلَّ خليفةٍ أو أمير أو سُلطان طوال التاريخ الإسلامي، يرَى نفسَه مسؤولاً عن التمكين للدِّين في الأرْض، والدِّفاع عنه، وهذا ما قرَّره القرآنُ بجلاء، حين قال: ﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوا عَنِ الْمُنْكَر ﴾ [الحج:41]؛ ولهذا كان هؤلاء الخلفاء والسلاطين يُبايَعون مِن الأُمَّة على كتاب الله، وعلى سُنَّة رسول الله.

وكان هؤلاء الخلفاءُ والأمراء لا يُفرِّقون بين الدِّين والدُّنيا، أو بيْن الدِّين والسياسة، كما يقولون اليوم.

مدَح الشاعرُ عبدُالله بنُ أبي السمط الخليفةَ المأمونَ بقصيدة كان فيها بيت يقول:
أَضْحَى إِمَامُ الهُدَى المَأْمُونُ مُشْتَغِلاً
بِالدِّينِ وَالنَّاسُ بِالدُّنْيَا مَشَاغِيلُ

فأعْرَض عنه المأمون، ونظَر إليه نظرًا شزرًا، وكان الشاعر معتزًّا ببيته هذا، فشكَا إلى شاعر آخَر (عُمارة حفيد جَرير): أنَّ أمير المؤمنين لا يَعرِف الشعر، وأنشد له البيت، فقال له عُمارة: واللهِ، لقد حلم عليك إذ لم يؤدِّبْك عليه، ويلَك! وإذا لم يشتغلْ بالدنيا، فمَن يُدبِّر أمرَها؟! ألا قلتَ كما قال جَدِّي في عبدالعزيز بن مرْوان:
فَلاَ هُوَ فِي الدُّنْيَا مُضِيعُ نَصِيبِهِ
وَلاَ عَرَضُ الدُّنْيَا عَنِ الدِّينِ شَاغِلُهْ!
قال: الآن علمتُ أنِّي أخطأتُ[13].

شهادات مفكِّري الغرب أنَّ الإسلام دين ودولة:
هذه شهاداتٌ مِن بعض مفكِّري الغرب يعترفون فيها أنَّ الإسلامَ ليس ديانةً رُوحيَّة فقط، بل هو دينٌ جاءَ لسياسة الحياة، وأنَّ البشريةَ مهما تقدَّمتْ وسنَّتْ مِن قوانين، فليس لها خلاصٌ إلا بالرُّجوعِ إلى هذا الدِّين.

شاعر الألمان غوته:
إنَّ التشريعَ في الغرب ناقصٌ بالنسبة للتعاليم الإسلاميَّة، وإنَّنا - أهل أوربا - بجميعِ مفاهيمنا لم نصلْ بعدُ إلى ما وصَل إليه محمَّد، وسوف لا يَتقدَّم عليه أحد.

الس لينحتنستادتر:
".. إنَّ تاريخ الحُكم الإسلامي يدحَض ظنونَ [بعض الغربييِّن من أنَّ الإسلام لا يَصلُح لإقامة دولة تُساسُ فيها الأمور على قواعدِ المصلحة الاجتماعيَّة وحُسن العِشرة بيْن المسلمين وغير المسلمين]، وأنَّ مفكِّري الإسلام في جميعِ العصور بَحثوا قواعدَ الحُكم والعُرْف مِن الوجهة الفلسفيَّة، وأخرجوا لأُممهم مذاهبَ في السياسة والولاية تَسْمُو إلى الطبقة العُليا".

برنارد لويس:
"لم تَنشأ أمامَ محمَّد [صلَّى الله عليه وسلَّم] وأصحابِه مشكلةُ الاختيار بيْن الله وقيصر، أعني ذلك الفخَّ الذي لم يقع المسيح [عليه السلام] به، وإن وقع في حبائله الكثيرُ مِن المسيحيِّين، ففي الإسلام لا يُوجَد (قيصر)، بل يوجد الله وحْدَه، وكان محمَّد [صلَّى الله عليه وسلَّم] رَسولَه الذي يعلِّم ويَحكُم باسمه، فكانت السلطة نفسُها، الصادرة عن المصدر نفْسه، تدعم الرسولَ [صلَّى الله عليه وسلَّم] في كِلتا المهمَّتين (مهمَّة الدِّين والدولة)، وكان الوحي ذاته يقدِّم محتوى المهمَّة الأولى وأساس الثانية، وعندما تُوفِّي محمَّد [صلَّى الله عليه وسلَّم] كانت مهمَّته الرُّوحيَّة والنبويَّة - وهي نشْر رِسالة الله - قدْ تَمَّت، وبقي عملُه الدِّيني، ومعه العملُ السياسي، وكان قوامُ هذا العمل هو نشْرَ شريعة الله بين البشَر، وذلك عن طريقِ توسيعِ عُضوية وسلطة الجَماعة التي تعترِف بذلك القانون وتؤيِّده، وكان لا بدَّ مِن وكيل أو خلَف للرسول [صلَّى الله عليه وسلَّم] لقيادة هذه الجماعة، وتجمع الكلمة العربيَّة (الخليفة) بيْن المعنيين[14].

فيليب حتي:
"مِن المدهش حقًّا أنَّ دولةً تدعو إلى دِين غريبٍ تظهر في شِبه جزيرةِ العرب التي كانتْ مغمورةً في التاريخ، استطاعتْ أن تُجرِّد إحدى الإمبراطوريات العالميتين مِن أغنى مقاطعاتها في آسيا وإفريقيا، وأن تَقضي على الأخرى، قضاءً مبرمًا، في عشر سنين، أما كيف اتَّفق هذا الحدَثُ المذهل؟ ولماذا اتَّفق؟ فذلك لأنَّ وراءَه قصَّةً مِن أروع القصص في العصورِ الوُسْطى كلها".

بيجي رودريك:
"ما إنْ كان الإسلامُ يدخُل بلدًا مِن البلدان المفتوحة حتى يُقبل أهلها جميعًا على اعتناقه ويُعامَلون معاملةَ الفاتحين سواءً بسواء، ومَن احتفظ منهم بدينه لقِي أكرمَ معاملة، فمصر وشمال إفريقيا والصومال وبلاد أخرى كثيرةٌ هي أمثلة على البلاد التي فتَحَها المسلمون العربُ، فأسلم أهلُها وحملوا الإسلامَ إلى غيرهم، وعاشوا أعزةً مكرَّمين في ظلِّ دولة إسلامية مِئاتٍ مِن السنين، فلا مجال - إذًا - للمقارنة بيْن الفتوحاتِ الإسلاميَّة وبيْن الاستعمار البغيض الذي يَسلُب الشعوب كلَّ شيء".

هاملتون كب:
"في التاريخ أمثلةٌ على توسُّع الدول لا سبيلَ إلى تَعليلها، لكن ليستْ هناك سوى أمثلة قليلة جدًّا على دولةٍ تكوَّنت على هذا النحو واستطاعتْ أن تبلُغ ما بلغتْه الدولةُ الإسلاميَّة مِن استمرارٍ واستقرارٍ نسبيَّين".

فيليب حتّي:
"الإسلامُ منهجُ حياة، وهو - بهذا النظر - يتألَّف مِن ثلاثةِ جوانب أساسيَّة، الجانب الدِّيني والجانب السياسي والجانِب الثقافي، هذه الجوانب الثلاثة تتشابَك وتتفاعَل، وربَّما انقلَب بعضُها إلى بعضٍ مرةً بعدَ مرةً مِن غير أن نَلحَظ ذلك.

وقال أيضًا: الإسلام - بما هو دولة - وَحدةٌ سياسيَّة تضمُّ مجموعًا من المؤسَّسات القائِمة على الشريعة، على المبادِئ القرآنيَّة، أنشأها محمَّد [صلَّى الله عليه وسلَّم] في المدينة، ثم تَطوَّرتْ في أيَّام خُلفائه [رضي الله عنهم] على أنقاض الإمبراطوريَّة الفارسيَّة والإمبراطوريَّة الرومانيَّة الشرقيَّة (البيزنطيَّة)، ثم بلغتْ هذه الدولةُ الإسلاميَّة ذِروةً لم تبلُغْ إليها دولةٌ في العصور الوُسْطَى، ولا في العصور القديمة".

جورج سارتون:
"كانتِ الهجرة حدًّا فاصلاً في حياة الرسول [صلَّى الله عليه وسلَّم]، وفي تاريخ الدِّين الجديد، إنَّها البَدء الرسمي للإسلام كدينٍ ودولة معًا".

يوجينا ستشيجفسكا:
"كان للأمَّة الحريَّة المطلَقة والرقابة على أعمالِ الخلفاء الراشدين [رضي الله عنهم] ومدَى موافقتها لنصوصِ الشريعة وخضوعها لآراءِ الفُقهاء، وسيرهم على الحقِّ الواضِح والمحجَّة البيضاء، ولم ينقُل أحدٌ مِن المؤرِّخين - سواء كانوا عربًا أم غير عرَب - انتقادًا للخلفاء بظُلم أو سوء تصرُّف، بل اعترَف الكلُّ بأنَّ عدلهم وحُسن سلوكهم وصراحة طريقتهم قد حبَّبتْ فيهم غيرَهم مِن الشعوب، حتى أسقطوا عروشَ ملوكهم وخرَّبوا دولهم، وأسَّسوا بدلاً منها دولةَ الإسلام الذي عَشقوه؛ لعدلِ قوانينه، ونزاهةِ حُكَّامه وعفَّتهم ورفقهم، واتِّباعهم لشرعهم لا يتعدَّونه، وكانت نصوصُ الشريعة واضحةً لم يدخلْها تأويل ولا شبهات".

________________________________________
[1] "الدين والسياسة" يوسف القرضاوي (ص: 135).
[2] انظر: "تفسير المنار" محمد رشيد رضا، دار الفكر (5/ 168).
[3] "الإمامة العظمى" للدميجي (ص: 47).
[4] "الإسلام وأوضاعنا السياسية" (ص: 88).
[5] رواه أبو داود كتاب الجهاد رقم (2245) وصحَّحه الألباني.
[6] انظر "السياسة الشرعية " (ص: 176) ط: مكتبة دار البيان.
[7] رواه مسلم كتاب الإمارة رقم (3449).
[8] متَّفق عليه رواه البخاريُّ ومسلم من طريقِ أبي رجاء العطاردي، قال: سمعتُ ابن عبَّاس يَرويه عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.
[9] أخرجه البخاري (4/ 387 ) ومسلم (1/ 88 و 6/ 8)، والدارمي (2/ 324)،
أحمد (5/ 25)، مِن طُرق عن الحسَن.
[10] رواه مسلم.
[11] انظر: الدين والسياسة (ص: 138).
[12] رواه الطبراني في الكبير (20/90) عن معاذ، وفي الصغير (2/42)، وفي مسند الشاميين (1/379)، وأبو نعيم في الحلية (5/165)، وقال الهيثميُّ في "مَجْمَع الزوائد": رواه الطبراني، ويَزيدُ بن مرثد لم يسمعْ من معاذ، والوضين بن عطاء وثَّقه ابنُ حبَّان، وغيرُه، وبقيَّةُ رجاله ثقات (5/428).
[13] انظر: العقد الفريد (5/368)، والخبر في الطبري (5/203)، وتاريخ بغداد (10/189)، وتاريخ دمشق (36/374)، والبداية والنهاية (10/276)، وغيرها.
[14] تراث الإسلام شاخت وبوزورث (1/230).

http://www.alukah.net/publications_competitions/0/36805/

[ابن فتحون]

ردود على ابن فتحون
[nubi shimali] 12-01-2015 06:40 AM
هؤلاء شيوخ انتهازيون وهذا الإنتهازية ظهرت عندما قالوا: خذوا من ثقافة الغرب ما يصلح لكم واتركوا منها ما يفسد احوالكم .
نعم اننا امة انتهازية نعيش على فتاة الغير وفي المقابل نصدح بالمواعظ الدينية والأخلاقية من على المنابر ومن على شاشات التلفزيون وهي اصوات لا تسوي حبرا على ورق...امة تعيش على الكذب والدجل والزور والمكر والخداع وتربي اجالها على الحقد والكراهية لكل ما يخالفهم ثم يعودون ليخبروننا بانهم افضل امة اخرجت للناس فياللجهل ويالتفاهة والوقاحة.


#1378196 [sa]
0.00/5 (0 صوت)

11-30-2015 08:05 PM
التطرف لا ينتج إلا تطرف من يطالب بقيام دولة دينية على نسق داعش سوف يقود إلى ظهور من يعلن الحاده وعدم ايمانه بوجود خالق والعياذ بالله.
من يطالب بالعالمنية المتطرفة مثل التي تمنع النساء من ارتداء الحجاب في فرنسا فسوف يؤدي ذلك لقيام داعش.
الشعب السوداني متدين بصورة معتدله بطبيعته ولا يجتاج لمن يعلمه أمور دينه وفي نفس الوقت لا يرضى من يهين دينه او يحاول اخراجه من الحياة بصورة سافرة. وفي النهاية الحكم هو للشعب ليس لهذا الفصيل او ذلك وعلى كل منهما عرض بضاعته فقط وانتظار راي الشعب.

[sa]

#1378151 [حمدي]
0.00/5 (0 صوت)

11-30-2015 06:29 PM
العزف علي وتر العاطفة الدينة لا يجدي نفعا بعد تجربة الحركة الاسلامية البائسة و المريرة باسم الدين و باسم تحكيم الشريعة انتجت : -
الحروب و الابادات الجماعية و اللجوء و النزوح و التشرد و حرق القرى و التهحير القسري و اغتصاب النساء --- انتجت الفساد و التمكين و العنصرية و الجهوية و القبلية -- انتجت الراسمالية الاسلاموية الطفيلية و عطلت الانتاج و افقرت البلاد و العباد--
--- باختصار فشل و فساد و استبداد --- مزقت النسيج الاجتماعي للامة السودانية و تردت الاخلاق و ضاعت المثل و القيم السودانية الفاضلة ---- نتشرت المخدرات و الخمور و الدعارة --- فرطت في حماية حدود الوطن من الاعتداء و احتلال اجزاء واسعة من اراضية --- بعد فصل ثلث المساحة و ربع السكان ---
هذا كله سببه الغباء السياسي و محاولة فرض دولة دينية بقوة السلاح ---
فشلت الحركة الاسلامية فشل ذريع علي مدى اكثر من ربع قرن في تثبيت اركان دولة الفشل و الفساد و تحورت الي دولة بوليسية قمعية اقصائية احادية فاشلة و فقيرة و منبوذة ---
لا مجال لاي مزايدات باسم الدين و الشريعة بعد الان
الشعب السوداني اختار الدولة المدنية التعددية الديمقراطية و العلمانية و فصل الدين عن السياسة و ليس فصل الدين عن المجتمع المعنى و الفرق واضح --

[حمدي]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة