الأخبار
أخبار إقليمية
خواطر عائد من السودان
خواطر عائد من السودان



11-30-2015 03:31 PM
خواطر عائد من السودان (1 من 2)

بقلم: د. بابكر عباس

عندما اعزف يا قلب الأناشيد القديمة...
ويطل الفجر في وجهى على أجنح غيمة...
سأغني.. سأغني...
وخواطر اخرى شتى تطرق الجنان وتقتحم الذاكرة ودون استئذان تجثم على المخيلة.

يا الخرطوم يا عندي جمالك.. جنة رضوان
انت جمالك ما ليهو مثيل في أي مكان
انا من شبيت يا وطني.. غيرك ما هويت يا وطني

ام درمان. الخرطوم. اكتوبر. مؤتمر باندونج. مؤتمر اللآءات الثلاث. عطبرة* والشهداء السبع. السد العالي والهجرة الأبدية. نادى الأساتذة وسمنارات د. على عبد الله وعبد الغفار محمد أحمد. كلوزيوم والنيل الأزرق. ذهب مع الريح. صوت الموسيقى. حفلات شرحبيل أحمد.

بالله يا طير قبل ما تشرب تمر على بيت صغير..
من بابه.. من شباكه يلمع الف نور
تلقى الحبيبة بتشتغل منديل حرير..
لحبيب بعيد..

كنت فى عالم آخر والسائق الذى استأجرته ليقودني عبر الخرطوم من اقصاها الى* اقصاها يثرثر باستمرار. الغلاء الفاحش. الفساد المبكى المضحك. انتشار القاذورات والحمير والكلاب. المجاري المفتوحة كأنها تنادى بأعلى صوت: أغيثونى وأنفسكم.
ظلام.. ظلام حتى أغنى أجزاء العاصمة مظلمة. مساواة فى الرداءة؟ حسنا، ما بال المنطقة الصناعية في كل المدن الثلاث مظلمة وهي ترفد خزينة المجلس البلدي* بالمليارات كل شهر؟
مطبات لا حصر لها على طرق مهترئة، كأن من بناها يفعل ذلك على سبيل التجريب. تصلح؟ لا تصلح؟ دعنا نجرب! لا يكاد طريق يخلو من حفرة او مطب.احياناً اجزاء كاملة من الطريق غير مكتملة فيما يبدو عمداً. اكوام من الناس يهيمون على وجوههم، هيئاتهم تدل على النزوح والفقر والجوع، بل الهلع.
إياك ان تستوقف احدهم وتسأل كيف الحال كما كنت تفعل فى أزمنة اخرى. إنهم اناس بسطاء وطيبون ولكنهم متوترون طوال اليوم. نظراتهم ساهمة فى لا شيء، وسحناتهم تدل على فقر مدقع ولهث متواصل.
احرص دوماً في إجازتي السنوية ان اخصص يوماً للخرطوم وآخر لأم درمان. اتجول خلالهما عبر السوق القديم وامر على مَوَاطن الذكريات. أبدأ بجامعة الخرطوم ثم* أعرج على شارع النيل فالسوق العربي، ثم شارع الجمهورية والسوق الإفرنجي. أتوقف عند اماكن اثيرة، وأزور اناس عدد: الترزى. الساعاتي. مجلد الكتب. مطعم البربري. كافتيريا أتينى. فوال أبو العباس. كشك اليمنى فى خاصرة السوق الإفرنجي، وانهى اليوم في مكتب احد أصدقائي من قدامى الصحفيين خرطومي حتى النخاع حيث اجد اجابات على اسئلة العام المنصرم كلها أو جلها واخرج منه بترسانة من الأسئلة الجديدة. اسلمه ما استطعت ان ادبجه من مقال او نقد او استعراض لكتاب، واعود للخرطوم بحرى حيث اقيم قبيل صلاة العصر.
افعل نفس الشيء في ام درمان. تلك المدينة المائدة. المليئة. ثم هناك أيام لعطبرة وشندي ومسقط الرأس على مشارف مروى القديمة، البجراوية والعالياب. تلك القرى الحالمة والمنتشرة على شريط طويل على ضفة النيل الشرقية.
ثم زيارة خاطفة لكسلا. مرتع الصبا والشباب وملتقى الاحباب. وبهذا اكون قد اشبعت شغفي بالسودان، ولا اعود إلا وقد جدٌدت صلتي بالماضي وواصلت الاقارب والاتراب والسادة المعلمين الاوائل، من بقى منهم، والأرماث والأطلال.
عند عودتي لديار الغربة، أنى كانت، يلتف حولي الصحاب وبعضهم لم يسافر للبلد منذ امد وسؤالهم الدائم: كيف البلد، كيف الناس؟ كنت في الماضي دوماً اجيب مبشراً وباثاً الامل وهاتفاً: بخير، في زيادة ونعمة.
لكن، هذه المرة اعذروني أحبتي. بلادنا ليست بخير. وليست في زيادة. ولم اجد فيها من يمتلك أي قدر من الامل ولو أضاله.
تعود بي الذاكرة لتلك الأيام التي أمضيتها في المعتقل. كنت قد رفعت مذكرة في عام 1993 لولاة الامر اعتقلت بسببها واطلق سراحي وآخرين على وجه السرعة لأن البابا كان على وشك القدوم لزيارة السودان، ولم ترد الحكومة، وقتها، أية تقارير سالبة أو وجع دماغ. فاطلقوا سراحنا بسرعة مدهشة. وأخلوا كل المعتقلات.
قلت فى تلك المذكرة الفردية ان الغلاء يطحن الناس وان البلد في الاتجاه لتصبح فيها طبقتان فقط، طبقة تمتلك كل شيء وأخرى لا تمتلك أي شيء. وحذرت من ويلات إيواء حكومة السودان لجماعات ارهابية بعينها، ناعياً ان ذلك سيدخل البلد فى صراع مع قوى اجنبية ليس للبلد قدرة على الصمود فى وجهها.
تحقق كل ذلك كما يشاهد الجميع. ففى السودان الآن طبقتان. طبقة تمتلك كل شيء، اي نعم كل شئ، واخرى لا تمتلك أي شيء وهم غالبية الشعب من ادنى السلم الوظيفي والمهني الى أعلاه.. ويا لفقر من لم يستوعبهم ذلك السلم.
كل من بالخدمة المدنية والشرطية والعسكرية والقضاة والمعلمون والأطباء وأساتذة الجامعات والفنيون، معدمون وفقراء وأسرهم تتضور جوعاً وتقاسى الحرمان، ناهيك عن العمال والشباب المتخرج حديثاً والطلاب.
أسوأ شيء ان تكون من طبقة المتعلمين فى السودان اليوم. هذه الطبقة الآن قابضة على الجمر، فإما ان تنغمس في وحل الفساد كيفما اتفق، او تقبض على جمر الحرمان متدثرة برداء العفة وطهر اليد ومخافة الله والبعد عن الحرام، وأبواب الحرام مشرعة وموائده مبسوطة ومترعة.
الناس في بلادي اجبروا على الفساد. الجمارك. الشرطة. المحليات. كل هذه المواقع اصبح اغلب العاملون فيها مشبوهين. يضج بالشكوى كل من اضطر للاقتراب منهم. كيف لهم الصمود وهم يرون بأعينهم نماذج للفساد المستمر وبلا رادع على مدار الساعة وتعاقب السنين وتبدل الأشخاص؟
وزير كان قبل الاستوزار يفاخر بانه (فقط) يمتلك حانوتاً صغيراً فى الحى. اشترى بعد دورة وزارية واحدة منزلاً بمليوني دولار وبنى فى الطابق العلوى منه حوض سباحة. وطبيب الاسنان الذى كان قبل الانقاذ لا يملك إيجار عيادة والآن يمتلك العقارات التجارية فى دبى مع صنوه الذى كان مجاهداً وتتجاور عماراتهما فى تلك المدينة الثرية. وأخوهما الأكبر القيادي بالتنظيم السرى للجماعة، والذى كان معدماً قبل "الثورة" يمتلك الآن عمارتين شاهقتين فى كوالالامبور. وغيرهم، وغيرهم.
ينظر المواطن السوداني الى كل ذلك بحسرة ومرارة ويتساءل: كيف ان اكبر مشروع "إسلامي" تمخض عنه ماخور كبير للفساد وتعفن الذمم وتضخم الحسابات فى البنوك الاجنبية والإقليمية والشواهق من المباني الآسنة؟
يتحسر المواطن السوداني البسيط على تمزق النسيج الاجتماعي على مدار القطر. البلد التى كانت جنة من الامن والامان والتكافل والتراحم صار اهلها يتقاتلون على الافدنة والامتار والاشبار ويتوجسون من المستثمر وينفرون من الانخراط فى الجيش والشرطة بعد ان كانتا اكبر مخدٌم للشباب. لا يشرق صبح يوم إلا ونطالع اخبار اقتتال قبلي حتى على تخوم العاصمة القومية التي كانت ولا تزال بوتقة انصهار لاهل هذا البلد المغلوب.
صدق من قال: إن السودان هو المأساة المنسية".
* بابكر عباس محمد أحمد أستاذ جامعي بالمعاش.
المنامة 15 نوفمبر 2015.

[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3139

التعليقات
#1378645 [adam]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2015 02:01 PM
حسبنا الله ونم الوكيل

[adam]

#1378440 [أسامة الكردي]
0.00/5 (0 صوت)

12-01-2015 09:48 AM
الشيء الذي يجب أن يفهمه هؤلاء الكيزان المرتزقة أن مليارات الدولارات التي نهبوها هذه سوف لن تحميهم يوم الحساب لا في الدنيا ولا في الآخرة، إن غداً لناظره قــريب

[أسامة الكردي]

#1378128 [جركان فاضى]
5.00/5 (1 صوت)

11-30-2015 05:54 PM
سئل احد المغتربين بعد رجوعه من السودان لدار الغربة...سأله اصحابه : كيف وجدت السودان...رد عليهم: انا غايتو ما اقدر اوصف ليكم البلد لكنى رجعت شيوعى!!!!! .. فى السودان تستطيع ان تعيش بالمدافرة...بالبليلة...الدكوة والسخينة...فول بدون بصل...البصل اختفى حتى من الكسرة بالموية التى ينادى بها اصحاب المطاعم طول النهار...بس فى حاجة واحدة كان وقعت فيها الله قال بقولك...المرض...مرضتك كدى يا تشوف ليك قرض يعالجك...يا تنتظر اجلك

[جركان فاضى]

ردود على جركان فاضى
European Union [ana da] 12-01-2015 03:32 PM
والله يا جركان لمست خوفنا الحقيقى ...كلو بمشى الا المرض ... ربنا يغطى عليك و علينا بتوب العافيةويحفظنا



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر تفاعلاً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش







الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة