سحر الفانتازيا
سحر الفانتازيا


12-04-2015 12:33 AM


رؤية أدبية وفنية تواجه الواقع بسحرية وغموض وتخفف من الضغط والعبء النفسي للأحداث الحقيقية في الحياة.


ميدل ايست أونلاين

تأخذ القارىء إلى عالم خارج ذاته وعقله

دبي - كلمة فانتازيا من أكثر الكلمات تداولا بين الناس للتعبير عن استغرابهم وعدم تصديقهم لحدث ما، وفي الكتابات الأدبية تحضر كثيرا هذه المفردة وهناك عناوين عديدة لروايات وقصص ومسرحيات وقصائد تتضمن هذه الكلمة، وحتى النقد الأدبي والفني لا يخلو من استعمال لهذه المفردة، وحسب المعجم الوسيط فإن الكلمة لها معنيان: معنى موسيقي ويعني كل تأليف موسيقي دون أسلوبا أو شكلا معينا يؤلف وفق خيال المؤلِّف، وومعنى أدبي ويعني خليطا من أحداث درامية تجمع بين الفكاهة والتراجيديا.

والكلمة مأخوذة من كلمة (fantastic) الإنجليزية ومعناها بالعربية الشيء الخرافي والخيالي المتعذر حدوثه في الواقع، وتعد الفانتازيا نوعا أدبيا يعتمد على السحر وغيره من الأشياء الخارقة للطبيعة كعنصر أساسي للحبكة الروائية والفكرة الرئيسية، وأحياناً للإطارالذي يتخذه العمل شكلا لأحداثه، وتدور أحداث الكثير من أعمال هذا النوع في فضاءات وهمية أو كواكب ينتشر بها السحر والغرائب.

تختلف الفانتازيا بصفة عامة عن فن الخيال العلمي وفن الرعب فهي غير معنية بتوقعات الموت والدمار التي تملأ محتوى أدب الرعب وحضورها كفكرة أساسية فيه، وغير مهتمة أيضا بالتفسيرات العلمية والمقدمات المنطقية التي تقدمها مادة الخيال العلمي على الرغم من كثير من التداخلات الفنية وتشابه المضامين بين الفانتازيا والرعب والخيال العلمي التي تعد جميعها شكلا من أشكال الخيال التأملي.

ظهرت الفانتازيا في الأدب كاتجاه يواجه الكتابة الواقعية في محاولة للتخفيف من عبء بعض الأعمال الواقعية وإثرائها ببعد عجائبي، ورؤية فنية مغايرة للواقع المظلم يمارس فيه الكاتب لعبة فنية يتكيء فيها على الغرائبية التي يحاول معها خلق عالم مدهش ليطغى على الحقائق الواقعية التي تتسم فيها الأحداث.

تنوعت معالجات الفانتازيا في الأدب، فهي تحاول باستمرار كسر العادي في التصورات والعلاقات بين البشر وحتى علاقتهم بالأشياء، وتأخذ القارىء إلى عالم آخر خارج عقولنا وذواتنا وتحاوره هناك في نسيج خيالي ومعطيات أكثر تحررا وانطلاقا، حيث الإنسان يتوق دائما إلى معرفة قدرة خياله على التحليق بعيدا.

ظهرت الفانتازيا في أدب أميركا اللاتينية الذي سعى من خلالها إلى كشف الخلل والفساد والديكتاتورية التي طالت الشعوب بالقهر والطغيان، وأعمال ماركيز وفوينتس ويوسا وساراماجو كشفت عبر الغرائبية السحرية كثيمة أساسية في أعمالهم رداءة الأوضاع التي يتعيشها شعوبهم.

في موروثنا الثقافي تعد حكايات ألف ليلة وليلة نوعا من الفانتازيا السحرية التي واجهت بها شهرزاد حكما بالموت بالقصص الكثيرة التي كان الخيال والخرافة يسيطران على شخوصها وأحداثها، واتجه الكثير من الروائيين إلى مواجهة ضغط الواقع عبر الفانتازيا مثل الكاتب المغربي إسماعيل غزالي الذي كتب روايته "موسم صيد الزنجور" الحافلة بالنزوع السحري إلى التأملات والأحلام الفانتازية في أجواء الرواية الأمازيغية المغربية والإفريقية، وفي أعمال الروائي عبد الخالق الركابي تتمثل الغرائبية في مظاهرها المفرطة في الخيال محتوى وسردا ومكانا في شكل شعري غلب على أكثر أعماله.

لم تبق الفانتازيا لصيقة بالأدب وحده وإنما صبغت كثيرا من الأعمال الدرامية العربية، فما زلنا نتذكر مسلسلات الفانتازيا التاريخية التي أخرجها المخرج السوري نجدت إسماعيل أنزور مثل الكواسر والجوارح والبواسل والموت القادم إلى الشرق، ولاقت انتشارا ومتابعة عالية، ذلك ان المسلسلات التاريخية التوثيقية أثقلت المشاهد بالمعلومات الزخمة والمشاهد الجامدة التي تنقل أحداثا حقيقية في تجسيد درامي، ولم تفسح فضاءات للخيال أمام المشاهد، في حين جاءت الفانتازيا الدرامية التاريخية حاملة معها الأسئلة عن إمكانية نقل التاريخ إلى بيئة سحرية لا حد فيها للتسجيل والتوثيق.

الألعاب الالكترونية للأطفال وللكبار أيضا اتصفت بالفانتازية فلعبة التنين مثلا وألعاب الوحوش الأسطورية هي شكل من أشكال الغرائبية التي احتلت فروع الفن والتسلية والترفيه حتى للأطفال.

أما أفلام الخيال العلمي التي تعد نوعا فرعيا من الفانتازيا فقد أعد منها صانعو الأفلام العالمية سلاسل طويلة ولاقت شعبية كبيرة، ونسبة مشاهدة عالية مقارنة مع الأفلام الدرامية الاجتماعية أو الكوميدية، وهذا يدل على الرغبة في الهروب من الواقع إلى عالم سحري محكوم بالخيال ولا تفسيرات منطقية للأحداث فيه.

وعلى الرغم من معرفتنا للحدود الفانتازية في الأعمال المقروءة أو المممسرحة أو المجسدة دراميا إلا أننا كثيرا ما نتساءل عن الحد الذي تبدأ فيه الفانتازيا والحد الذي تنتهي فيه، وأين يقع الخيال وأين تقع الحقيقة، فما نشهده في حياتنا الواقعية من أحداث تشابه الفانتازيا وربما تتفوق بعضها عليها، يجعلنا نتساءل عن إمكانية إحالة هذه الأحداث إلى فانتازيا واقعية بعيدا عن الأدب وعن الفن.


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 946


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة