الأخبار
منوعات فنية
'بتوقيت القاهرة' أسلوب المسلسلات التلفزيونية يفسد الحبكة
'بتوقيت القاهرة' أسلوب المسلسلات التلفزيونية يفسد الحبكة
'بتوقيت القاهرة' أسلوب المسلسلات التلفزيونية يفسد الحبكة


12-11-2015 10:26 PM

الفيلم المصري “بتوقيت القاهرة” لمخرجه أمير رمسيس، فيلم مختلف قليلا في طموحه عن مجمل ما يقدم في السينما المصرية من أفلام يغلب عليها العبث والرغبة في الإضحاك بأي شكل كان. وكان الفيلم قد قوبل بالترحاب من جانب الكثير ممّن تصدوا للكتابة عنه، وربما لهذا السبب وحده أصبح مجرد الاختلاف في الطموح الفني سببا كافيا للتحمس بغاية إنجاز عمل سينمائي ما، مع التغاضي عن كثير من عيوبه ونقاط ضعفه، وهذا أيضا أمر غير صحي بالنسبة للفن بحدّ ذاته.

العرب أمير العمري

فيلم “بتوقيت القاهرة” لمخرجه أمير رمسيس يوحي من السطح بأننا أمام بناء سينمائي مركب، متعدد الأوجه والشخصيات والأجيال. وقد يكون هذا صحيحا، لكن المشكلة أن الفيلم الذي يستوحي فيه مخرجه بوضوح مثلما يفعل غيره من شباب المخرجين المصريين، تجارب الأميركي روبرت ألتمان، والمكسيكي أليخاندرو غونزاليس، فهو يعتمد على ثلاث أو أربع قصص، تتقاطع وتتداخل معا، وكلها تحدث في يوم واحد، ومن المفترض أن حياة الشخصيات بعد هذا اليوم تتغير، فمنها من تنال جزاءها، ومنها من تنال حريتها التي كانت تبحث عنها وتنشدها.

تكرار القديم

النظرة الدقيقة للفيلم تجعلنا نستطيع أن نرصد أن التوليفة المصنوعة والتي تدور حولها أحداثه أقرب ما تكون إلى توليفة المسلسلات التي يتم تضخيم مواقفها، ومدّها والتطويل فيها، خاصة أن التعبير عن الأفكار التي يريد الكاتب/ المخرج، إيصالها إلى المتفرج ليست سوى مجموعة من الأفكار المستهلكة التي أكلت عليها السينما المصرية وشربت في الماضي كثيرا، رغم تطعيمها بنكهة سطحية من الحاضر بخصوصيته.

فكرة ذهاب فتاة مع حبيبها إلى شقة صديق له لممارسة الجنس قبل الزواج بعد أن فاض بهما الكيل وهما مخطوبان منذ 3 سنوات وعاجزان عن الزواج، هي فكرة قديمة تحتوي كل ما سبق أن تم تناوله في الكثير من الأفلام الميلودرامية، ومنها تساؤلات مثل: هل سيقبل المجتمع أن تمنح فتاة جسدها لمن تحبه؟ بل وهل يقبل الشاب نفسه الارتباط بها بعد ذلك، أو نظريا، الارتباط بفتاة في المستقبل؟ وهل يقبل أن يحدث هذا لشقيقته مثلا؟

ولعل المشكلة لا تكمن فقط في الدوران كثيرا حول هذه الأفكار من خلال حوارات طويلة ومرهقة في مشاهد جامدة من الناحية السينمائية، بل في تحايل المخرج/ المؤلف عندما يصطنع بعض التفاصيل الجانبية مثل تصوير الفتاة سلمى (أيتن عامر) وكأنها مصابة بنوع من الوسواس القهري، يجعلها تصر على ضرورة أن يقوم حبيبها وائل بتنظيف كل قطع الأثاث في الشقة من الغبار المتراكم عليها حتى يمكنها الاسترخاء، أو أنه يجب أن يترك دائما مسافة بينه وبينها، أو خوفها من أن يأتي أحد من الجيران، أو خشيتها من مجيء عامل تحصيل فاتورة الكهرباء، أو الذهاب في خيالها إلى مشهد هزلي وهزيل مقصود للترفيه عن المتفرج، نرى فيه رجال الشرطة يحضرون للقبض على الشاب والفتاة وهما في حالة تلبس كما يقولون، وكيف يصرّ الضابط على أن يتغطيا بالملاءات البيضاء، حسبما هو شائع في جــرائم الزنـا وكما هو مستقرّ في خيال الفتاة.


كل هذه الألاعيب والتحايلات مقصود بها إيصال فكرة واحدة هي أن الفتاة مضطربة ومتوترة، لا تشعر بالارتياح في الإقدام على التجربة الجسدية الأولى رغم حبها للشاب دون تحفظات، ورغم كل ما تراكم لديها من رغبات مكبوتة.

يحيى والساعة

هناك أيضا قصة ذلك الرجل المتقدم في العمر يحيى (نور الشريف) الذي يعاني من فقدان الذاكرة بفعل مرض الزهايمر، وكيف أنه أصبح لا يتذكر سوى المشاعر الإيجابية فقط دون أن يتذكر الأشخاص.

نراه يحمل ساعة حائط كبيرة ويركب سيارة يقودها في الطريق من الإسكندرية إلى القاهرة، لكن السيارة تتعطل فيركب مع شاب من شباب هذه الأيام -كما يقولون- يدعى حازم، يقوم بتوزيع المخدرات، يختلق قصصا تثير التعاطف معه يرويها لزبائنه كلما سأله أحدهم عن السبب الذي دعاه لامتهان هذا العمل الخطر الذي يضعه في أوساط الإجرام ويعرضه كما سنرى بالفعل للمخاطر.

يطلع يحيى الشاب حازم على صورة لامرأة يتذكر أنها لعبت دورا كبيرا مؤثرا في حياته لكنه لا يتذكر أي شيء عنها ومن تكون، وفي الوقت نفسه هو على يقين أنه سيعثر عليها في مدينة القاهرة التي يقطنها عشرون مليونا من البشر.

بعد وصولـــهما إلى القاهرة، وبالصدفة يقرر حازم الذي يمثل حاله ضياع قطاع من جيل الشباب والذي يطارده أفراد العصابة التي يعمل لحسابها، أن يطلب منه إيصال قطعة من المخدر للممثل المتقدم في العمر الذي ابتعدت عنه الأضواء سامح (سمير صبري)، لكي يجد يحيى أمامه تلك المرأة التي جاء للبحث عنها بعد سنوات طويلة من الانقطاع، وهي الممثلة السابقة ليلى سماحي (ميرفت أمين) دون أن نعرف شيئا عن طبيعة علاقتهما السابقة.

ولكي يتم إحكام الموقف، تكون ليلى قد جاءت إلى زميلها في التمثيل قبل أن تعتزل، لكي تطلب منه أن يذهبا إلى المأذون لكي يطلقها، فهي على قناعة بأن زواجهما قبل سنوات بعيدة أمام الكاميرا في أحد الأفلام، هو زواج حقيقي، ورغم أنه يسخر من الفكرة يؤكد لها أنه مسيحي وأنه لا يمكنه تطليقها أصـلا، لأنـه لا يملك أي وثائق زواج من الأصل.

رغم محاولات سامح لإقناعها، تصر ليلى على أن تبقى معه، وأن تفسد عليه متعة الاختلاء بصحفية شابة جاءت لإجراء حديث صحفي معه… ويترك المخرج هذا المشهد الذي يعاني من الترهل والافتعال والإطالة والجمود مبتورا، ليذهب إلى القصص الأخرى، ثم يعود إليه باستمرار دون كلل، كما يفعل مع كل مشاهد فيلمه الذي كان من الممكن أن تروى قصته في ما لا يزيد عن 40 دقيقة، أي في فيلم قصير.


أسلوب المسلسلات

المشكلة في الفيلم تتمثل في غلبة أسلوب كتابة وإخراج المسلسلات، ولا يبدو أيضا أن المونتاج يتدخل كثيرا في مسار الأحداث بالشد والضبط والتحكم في الإيقاع، فالمخرج يترك الممثلين يؤدون كيفما اتفق، ويكررون ويعيدون عبارات الحوار المليئة بالأخطاء والتناقضات، مما يؤدي إلى اختلال الإيقاع، بل وسقوط الفيلم في الدوران حول الفكرة باستمرار.

يتكرر كثيرا الحديث عن مشكلة العلاقة بين الحب والجنس قبل الزواج، وهل هو مقبول أم مخالف للصواب؟ وتكرار لفكرة زحف الفكر الظلامي على أدمغة أبناء الطبقة الوسطى، كما نرى في حالة الممثلة ليلى التي تأتي الآن بكل سذاجة لكي تطلب الطلاق من ممثل تزوجها في مشهد تمثيلي من قبل.

وتكرار آخر في تصوير يحيى الذي يفترض أنه يبحث عن الزمن الماضي الذي كان أجمل من الحاضر بالضرورة (وهي فكرة رجعية أصلا)، وعلى المشاهد أن يستنتج هذا فقط من وجود الساعة القديمة التي يحملها يحيى دون أن يفهم بالطبع مغزى عنوان الفيلم “بتوقيت القاهرة” (وهو عنوان مقتبس من برنامج تلفزيوني كان يقدمه المذيع اللامع حافظ الميرازي)، فالأقرب إلى المعنى المقصود هو “يحدث الآن”.

ونعرف أيضا أن الفتاة سلمى التي ذهبت مع حبيبها وائل إلى شقة صديقه بغاية الاختلاء للمرة الأولى معا، هي ابنة الممثلة السابقة ليلى، وسلمى لا تبدو متحفظة أو متشددة دينيا، فهي ترتدي الملابس العصرية وتبدو في كامل زينتها وإغوائها، وغير متحفظة من الناحية الدينية، ولا تشغلها إلا نظرة المجتمع إليها في حال استجابت لمشاعرها، بل يبدو تحفظها أحيانا كما لو كان نوعا من التمنع، بدليل أنها تقبل بممارسة الحب في النهاية، وعندما تقول أمها ليلى لزميلها الممثل سامح، إنها رضخت لضغوط ابنتها (المقصود الملتزمة دينيا)، وإنها تريد تطهير صورتها أمامها من ماضيها كممثلة ومما ارتكبته من معاص على الشاشة، يكشف الحوار عما في الفيلم من تناقض، وهي مشكلة في السيناريو أساسا.


فقدان الهدف

هناك شعور بأننا أمام فيلم فاقد للبوصلة، أي يفتقد إلى التركيز، ويمتلئ بالكثير من الكليشيهات مثل مشاهد العصابة التي تبحث عن حازم بعد أن اضطر إلى التخلص من كمية من المخدرات حتى لا يقع في أيدي الشرطة، والعصابة لا تطالبه بردها بل بدفع ثمنها، وينتهي الأمر، والفيلم، بضرب حازم ضربا مبرحا في مشهد ضعيف من ناحية التنفيذ، مكتفين بضربه دون قتله.

الغريب أيضا أن ابنة يحيى الشابة الجميلة، تذهب للبحث عن والدها على طريق الإسكندرية- القاهرة وتعثر عليه بمنتهى البساطة في استراحة على الطريق، كما لو كانت تعرف مكانه مسبقا بينما توقف هو وحازم بالصدفة في هذا المكان، ويتظاهر يحيى بأنه لا يعرفها بحجة واهية بالطبع، وكله حشو لا طائل من ورائه، وآفة هذا النوع من الأفلام أن المخرج يريد أن يجعل فيلمه أحد أفلام الطريق أيضا، ولكن دون أن يصبح الفيلم كذلك.

وبعد أن يواصل يحيى السفر مع رفيقه الشاب، يوقف رجال الشرطة السيارة ويصر الضابط على ضرورة هبوط يحيى من السيارة بعد أن كان ابنه الفظ المتشدد دينيا قد أبلغ الشرطة بهروبه وبأنه فاقد الذاكرة (سنعرف في ما بعد أن الابن يكره والده لأنه تزوج من امرأة مسيحية وهي التي أنجبته).

ورغم إصرار أمين الشرطة على ضرورة بقاء يحيى، إلاّ أن الفيلم ينتقل بالقطع المفاجئ من هذا المشهد إلى مشهد يظهر فيه الاثنان وهما يواصلان السير بالسيارة على الطريق وكأن شيئا لم يحدث، ويتعين على المتفرج بالطبع أن يتوصل إلى استنتاجه الخاص لما يمكن أن يكون قد حدث، فهل أقنع حازم الشرطي المتشدد بعد أن دفع له رشوة مثلا؟ لا نعرف..

المشكلة أن الكثير من المخرجين الشباب يريدون أن يقوموا بكل شيء: الكتابة والإخراج وأحيانا أيضا التصوير أو المونتاج، دون معرفة حقيقية بالكتابة الدرامية، وبدافع رغبة في تقديم سيناريو يحفل بالشخصيات المتعددة التي قد لا يكون لبعضها ضرورة فنية كما في شخصية ابنة يحيى مثلا التي يمكن استبعاد دورها من الفيلم دون أن يحدث أي اضطراب بل ربما يساهم هذا في تحقيق نوع من التركيز والشدّ أكثر، رغم أنني شخصيا وجدت أداء الممثلة درة في الدور رائعا.

ومع كل ما سبق يبقى الأداء الأكثر قوة في الفيلم بلا شك، أداء الممثل الراحل نور الشريف، الذي يعبر بخبرته الكبيرة، عن الحالة الذهنية لرجل مصاب بالزهايمر، يتذكر وينسى، يغضب كالأطفال ثم يضحك ويسامح، يحن إلى الماضي، لكنه لا يمانع أيضا في الانغماس في الحاضر، إنه يريد أن يتشبث ببصيص أمل من خلال الإصرار على الوصول إلى تلك المرأة الغامضة التي ارتبط بها في الماضي ويريد الآن استعادتها بعد أن توفيت زوجته.

نور الشريف يعبر عن شخصية حقيقية قريبة جدا من نفسه، فصوته أصابه الوهن، وكان المرض والشيخوخة المبكرة قد نالا منه، ولم يكن غريبا أن يكون هذا آخر أفلامه، وهو عنصر آخر ساهم في الترويج للفيلم، ولعل أداءه في هذا الفيلم أبقى على بعض من متعة المشـاهدة بمزيج من الحب واللوعة والأسى.
أمير العمري


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1649

التعليقات
#1383753 [najy]
5.00/5 (2 صوت)

12-12-2015 09:01 AM
سينما المصري لها اكثر من 100 سنة ولم نسمع ان فلم مصر او حتى ممثل مصري او مخرج قد حصل على جائزة في اي من مهرجان دولي عالمي ، لكن سمعنا عن افلام مغربية و جزائرية و حتى هندية
وذللك لن السينما المصرية ركيكة في اي شي من تمثيل الي اخراج و سناريو و حتي معالجة سينمائية و تصوير ... وجود السينما المصرية في الوطن العربي حتى الان ناتج لقدمها و تعود الموطن العربي لالهجة المصرية ... لكن يوجد الان ما ينافسها في السوق العربي و بجوده و احترافية اعلى مثل الدرامة السورية و الدرامة الخليجية و حديثا التركية

[najy]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة